نقدم لكم القردين حديثَي الولادة: "تشونج تشونج" و"هوا هوا"، وهما نتاج أول عملية استنساخ لحيوانات من الرئيسيات باستخدام التقنية نفسها التي استُنسخَت بها النعجة "دوللي" قبل عقدين من الزمن.

إن التقدُّم العلمي الذي شهده أحد المختبرات العلمية في الصين يضع العلماء خطوةً أقرب إلى مستقبل يمكنهم فيه إعداد مجموعات كبيرة من القرود المتطابقة جينيًّا لتكون بمنزلة نماذج للأمراض البشرية وغيرها من الحالات. وهذا من شأنه أن يساعد الباحثين على إماطة اللثام عن ألغاز معقدة، من بينها كيف من الممكن أن تحفز العوامل البيئية الأنواع الشائعة من مرض السرطان.

غير أن المبادئ الأخلاقية الخاصة بإجراء الأبحاث على الرئيسيات قد تمثل قيودًا على هذه الأبحاث. يقول كيفن سنكلير، عالِم الأحياء الإنمائية بجامعة نوتنجهام، والذي لم يشارك في تجربة الاستنساخ الأخيرة: "الأمر بمنزلة تحليل للتكلفة والعوائد: فإذا كان لديك مجموعة من الرئيسيات غير البشرية المتطابقة وراثيًّا، فإنها ستكون نموذجًا قويًّا حقًّا لدراسة الأمراض البشرية، والآليات الكامنة وراءها والعلاجات المُحتمَلة. ولكن يجب أن يجري هذا على أساس كل حالة على حدة لتحقيق الهدف منه". تفرض العديد من الدول، من بينها الولايات المتحدة، مبادئ توجيهية صارمة على الأبحاث على الرئيسيات؛ نظرًا للمخاوف الأخلاقية المتعلقة بإجراء التجارب على الكائنات الأقرب للإنسان من الناحية الجينية. على سبيل المثال، انتهت الأبحاث الطبية الحيوية الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية على حيوانات الشمبانزي فعليًّا، وتجري إحالة كافة حيوانات الشمبانزي في المختبرات إلى التقاعد.

نشر العلماء في معهد العلوم العصبية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم في شانجهاي تقريرًا عن النجاحين اللذين حققوهما في استنساخ حيوان من الرئيسيات في شهر يناير في دورية "سيل" Cell. تنطوي تقنية الاستنساخ التي استخدموها، والتي يُطلق عليها "نقل نواة الخلية الجسدية"، على نقل نواة خلية مانحة إلى بويضة مخصبة بعد تخليصها تمامًا من الكروموسومات الخاصة بها، عندئذٍ ستحتوي البويضة على نسخة مطابقة تمامًا لجينوم الخلية المانحة، وإذا زُرعت في رحم أم بديلة، فإن الذرية الناتجة ستكون مُستنسخة. وقد نجح بالفعل استنساخ أكثر من 20 نوعًا آخر من الكائنات، من ضمنها الخنازير والكلاب، باستخدام هذه التقنية. وتشير العديد من الدراسات التي أُجريت على الحيوانات المستنسخة بهذه الطريقة إلى أنها تتمتع بصحة جيدة، تمامًا مثل أقاربها غير المستنسخة.

كان إنجاح هذه العملية في الرئيسيات صعبًا. عندما حاول الباحثون سابقًا اتباع نهج استنساخ النعجة "دوللي" على القرود تمكنوا من إنتاج أجنّة، ولكن لم ينجح أي حمل في الاستمرار أكثر من 80 يومًا. وقد كتب الباحثون من معهد العلوم العصبية يقولون إن العقبة الرئيسية على الأرجح كانت أن النوى المنقولة لم تكن مُبرمجة بشكل مناسب لدعم التطور الجنيني. لذا استخدم الفريق الصيني هذه المرة إنزيمين أساسيين، عمِلا على محو الذاكرة فوق الجينية للجينات بأنها خلايا جسدية (الخلايا التي تشكل الأنسجة والأعضاء). ويقول آلان ترونسون -الخبير في الخلايا الجذعية، والأستاذ الفخري في معهد هدسون للأبحاث الطبية في أستراليا، والذي لم يشارك في البحث الجديد-: إن هذه الخطوة الإضافية أتاحت تقدُّم عملية التطور. ومع ذلك، كانت نسبة النجاح شديدة الانخفاض أيضًا. ولكن ترونسون يشير إلى أنه مع استمرار العلماء في تعديل أساليبهم، سيتمكنون من تخليق عشرات الحيوانات المستنسخة في المستقبل القريب.

في العقدين الماضيين، تمكَّن الباحثون من استنساخ حيوانات أخرى من الرئيسيات باستخدام تقنيات أخرى، من ضمنها طريقة مشابهة لنقل النوى تعتمد على الخلايا الجذعية الجنينية بدلًا من الخلايا الجسدية. غير أن استخدام تقنية "نقل نواة الخلية الجسدية" يُعَد تقدمًا كبيرًا؛ لأنها على الأرجح ستكون أسهل في الاستخدام والنسخ بأعداد كبيرة. وقد أشار علماء المعهد في بحثهم إلى أنه يمكن تحقيق نجاح أكبر عند اقتران هذه التقنية بتقنية التحرير الجيني "كريسبر" (CRISPR) لأغراض الأبحاث المستقبلية على أمراض أو طفرات جينية محددة.

ويقول سنكلير إن هذا النهج في الاستنساخ قد يساعد في نهاية المطاف على إنقاذ الرئيسيات المهددة بالانقراض، ففي الحالات التي أدى فيها تدمير الموائل الطبيعية إلى بقاء عدد قليل فقط من الرئيسيات، يمكن للباحثين الحصول على خلايا جسدية من أنسجة الجسم وتجميدها لتخزينها في بنوك الجينات. غير أن هذا سيتطلب مزيدًا من التقدم العلمي؛ لأن العمل الذي أجراه الفريق الصيني مؤخرًا باستخدام تقنية "نقل نواة الخلية الجسدية" نجح باستخدام خلايا جنينية، وليس خلايا بالغة قد تكون إعادة برمجتها أكثر صعوبة.

ويحذّر الخبراء أيضًا من أن ثمة حاجة إلى تطوير بعض جوانب استنساخ القرود بتقنية "نقل نواة الخلية الجسدية" قبل أن يصبح استخدام هذه التكنولوجيا لإنتاج رئيسيات من أجل الأبحاث أمرًا ممكنًا. ويقول جون هينبولد، رئيس قسم العلوم التكاثرية والتطورية في مركز أوريجون الوطني لأبحاث الرئيسيات، والذي لم يشارك في ذلك العمل: "من منظور علمي، التقدم الذي تحقق هنا هائل، ولكن من منظور عملي للاستخدام الفوري، لا تزال هناك بعض المشكلات التقنية القائمة. لم يكن معدل الحمل ومعدل المواليد الأحياء على درجة تسمح بتطبيق هذه التقنية على نطاق واسع، كما ينبغي أيضًا أن تتوافر الخبرة في تكنولوجيات التلقيح بالمساعدة وفسيولوجيا التكاثر ومجموعة كبيرة من الخلايا المانحة، وجميع هذه العناصر تمثل نقاط قصور في ظل التكنولوجيا الحالية".