توصلت دراسة جديدة إلى أن كميات كبيرة من الزئبق -الناتج عن الأنشطة البشرية- قد تسللت إلى شبكات الغذاء في خنادق أعماق البحار، وهي مواقع ليس لدينا معلومات كافية عنها وعن مصادر الزئبق ومستوياته فيها.

ووفق دراسة نشرتها دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS)، اليوم "الإثنين"، 16 نوفمبر، فقد جمع باحثون من جامعات أمريكية وبريطانية تقودهم جامعة "ميشجن" الأمريكية، 6 عينات من أسماك الحلزون، و25 من القشريات، من قاع المحيط على أعماق تتراوح من 6000 متر إلى 10250 مترًا في خندق "ماريانا" وخندق "كيرماديك"، وكلاهما يقع في المحيط الهادئ.

والزئبق هو ملوِّث سام موجود في الغلاف الجوي وعلى الأرض، ويتراكم في الأسماك التي يستهلكها البشر، ما يهدد حياتهم في النهاية. ويمكن أن تشمل التأثيرات السلبية للزئبق التسبُّب في أمراض الجهاز العصبي، والقلب، والجهاز المناعي، كما تتأثر العقول النامية للأجنة والأطفال الصغار بشكل خاص بهذه الملوِّثات.

لقد كان الأمر مثيرًا ومفاجئًا بالنسبة لـ"جول بلوم" -الأستاذ في قسم علوم الأرض والبيئة في جامعة ميشجن، والمؤلف الرئيسي في الدراسة- الذي يقول إنه "لم يكن يتوقع العثور على الزئبق الجوي الناتج عن أنشطة الإنسان في أعمق أجزاء المحيط".

رصد الباحثون كمياتٍ عاليةً من الزئبق في الأسماك التي جرت دراستها، والتي أرجعوا مصدرها إلى الأنشطة البشرية التي تسببت في انتقال هذه الملوِّثات الخطيرة لبعض الأسماك القريبة من سطح البحر، والتي بدورها لم تتحمل درجات السمية التي تسببها ملوِّثات الزئبق، فماتت. 

يؤدي تغذِّي أسماك أخرى في قاع المحيطات على جيف الأسماك الميتة وبقاياها إلى انتقال الزئبق إليها حتى في أعمق خنادق المحيط الهادئ. أما مصدر هذا الزئبق، فيقول الباحثون إنه راجع إلى انبعاثات جوية من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، وعمليات التعدين، ومصانع الأسمنت، والمحارق، وأنشطة بشرية أخرى.

يضيف "بلوم" في تصريحات لـ"للعلم" أن "الهدف الرئيسي كان رصد دورة انتقال الزئبق عبر المحيط، وعلى أي عمق يوجد الزئبق، وهل هناك زئبق ناتج عن آثار الإنسان في خنادق أعماق البحار. وهو ما نجحت الدراسة في رصده وكانت مفاجأة كبيرة. وما توصلت إليه الدراسة ما هو إلا جزء من حل اللغز الكبير حول وجود الزئبق في قيعان المحيطات، ولكن هناك العديد من القطع المفقودة في هذا اللغز".

تشير الدراسة إلى أن "الأنشطة البشرية تتسبب في انبعاث أكثر من 2000 طن متري في الغلاف الجوي سنويًّا. ويمكن لهذا الزئبق غير العضوي السفر لآلاف الأميال قبل أن يترسب على سطح الأرض والمحيطات، حيث تقوم الكائنات الحية الدقيقة بتحويل بعضٍ منه إلى ميثيل الزئبق، وهو شكل عضوي شديد السُّمِّية يمكن أن يتراكم في الأسماك إلى مستويات ضارة بالإنسان وبالحياة البرية".

ورغم صعوبة الحصول على عينات من الأسماك التي تعيش في أعمق خنادق المحيط الهادئ، نظرًا للعمق الشديد وزيادة الضغط، نجح الفريق في تحليل التركيب النظائري لميثيل الزئبق من أنسجة سمك الحلزون والقشريات التي تم جمعها من خندق ماريانا في شمال غرب المحيط الهادئ، وخندق كيرماديك في جنوب غرب المحيط الهادئ، شمال شرق نيوزيلندا.

يحتوي الزئبق على سبعة نظائر مستقرة استخدمها العلماء لتحديد مصادرها المختلفة ومقارنتها، إذ تبيَّن من التحليل تطابُق عينات الزئبق التي عُثر عليها في خنادق قاع المحيط مع الزئبق الذي عُثر عليه في عينات من أسماك أخرى تعيش في وسط المحيط الهادئ. 

واستنتج الباحثون أن معظم الزئبق الموجود في كائنات الخنادق وصل إليها في جثث الأسماك التي تتغذى في المياه القريبة من السطح، حيث يأتي معظم الزئبق من مصادر بشرية المنشأ.

ووفقًا للمؤلف الرئيسي للدراسة، فإن الدراسة التي استغرق إعدادها قرابة أربعة أعوام، دحضت الاعتقاد السابق الذي كان يقول باقتصار وجود الزئبق الناجم عن أنشطة بشرية في الـ1000 متر العلوية من المحيطات، لكن الدراسة أثبتت أنه يوجد في أعماق أبعد من ذلك بكثير. 

ولم تنفِ الدراسة وجود مسببات طبيعية أخرى لوجود الزئبق في قاع المحيطات (من مصادر بركانية في أعماق البحار)، لكنها أكدت أن معظمه راجعٌ إلى أنشطة الإنسان، وينتقل إلى المحيطات عن طريق الأمطار والرياح، والجريان السطحي من الأنهار الملوثة.

يقول "بلوم": أصبح لدينا فهم أفضل لكيفية وصول الزئبق إلى أعماق المحيط، لكننا نحتاج إلى استكشاف نظائر الزئبق في نطاق أوسع من الأعماق في مجموعة متنوعة من المواقع، للحصول على صورة كاملة للزئبق في كل محيطات العالم.