قبل حوالي 10 آلاف عام مضت، كان قطاع كبير من منطقة شمال أفريقيا مغمورًا تحت مياه بحر "تيثس"، في حين كانت هناك أجزاء تشغلها البساتين والمروج الخضراء في خلال عصر الهولوسين، الذي تزامنت بدايته مع ذوبان الجليديات التي غطت قسمًا كبيرًا من نصف الكرة الشمالي، ومن بين تلك المناطق موقع "تاكاركوري"، الواقع جنوب غرب ليبيا، حيث عُثر حديثًا على بقايا نباتية وحيوانية.

تكشف نتائج دراسة حديثة نشرتها مجلة "بلوس وان" (PLOS ONE) اليوم "الأربعاء"، 19 فبراير، عن عثور فريق بحثي من متحف التاريخ الطبيعي في بلجيكا، وجامعة روما في إيطاليا بالاشتراك مع باحثين في مراكز بحثية أخرى في إيطاليا وليبيا، على عدد من حفريات أسماك القرموط والبلطي في منطقة "تاكاركوري"، تعود إلى أوائل ووسط عصر الهولوسين قبل 10200 إلى 4650 سنة مضت.

ورغم طبيعتها الحارة والقاحلة حاليًّا، تشير نتائج الدراسة إلى أن منطقة "تاكاركوري" كانت رطبةً وغنيةً بالمياه والحياة الحيوانية في فترات تاريخية سحيقة، مع وجود أدلة على تجمعات بشرية متعددة وحيوانات متنوعة.

تكشف الدراسة عن الشبكة الهيدروجرافية (التي تقوم على المسح البحري) القديمة للمنطقة واتصالها مع نهر النيل، مما يوفر معلومات مهمة عن التغيرات المناخية التي أدت إلى تكوين الصحراء الكبرى.

تشكل بقايا الأسماك ما يقرب من 80٪ من إجمالي الحفريات التي عثر عليها في المنطقة، والتي يبلغ مجموعها 17551 بقايا حيوانية، تمثل 19٪ منها بقايا من الحيوانات الثديية، في حين مثلت حفريات الطيور والزواحف والرخويات والبرمائيات 1.3٪ من مجمل الحفريات المكتشفة في الموقع الذي يحفل أيضًا بوجود بقايا بشرية وآثار.

يقول ويم فان نير، الخبير بالمعهد الملكي البلجيكي للعلوم الطبيعية، والباحث الأول في الدراسة: إن "بقايا الحيوانات -العظام والأسنان- الموجودة في "تاكاركوري" تُظهر أنه منذ ما بين 10000 و5000 عام، كانت الظروف في الصحراء أكثر رطوبةً بكثير من اليوم. كما تكشف عن أنه كان هناك المزيد من النباتات التي تعيش اليوم مع الحيوانات التي تعيش في سهول تشبه السافانا، وكانت هناك أنهار وبحيرات مع الأسماك والتماسيح وسلاحف المياه العذبة".

يضيف "نير" في تصريحات لـ"للعلم" أن "الفريق البحثي درس عظام الحيوانات التي عثر عليها خلال الحفائر الأثرية، وهذه العظام غالبًا ما تكون شظايا صغيرة، يتم تحديد هويتها من خلال مقارنة الحفريات بهياكل عظمية للحيوانات الحديثة المحفوظة في متحف التاريخ الطبيعي في بلجيكا".

توضح نتائج الدراسة أن كمية الأسماك في المنطقة تعرضت لانخفاض حاد بمرور الوقت، استنادًا إلى التواريخ النسبية لهذه البقايا، فقد انخفضت كمية الأسماك من 90٪ من الحفريات التي يعود تاريخها إلى الفترة بين 10200 إلى 8000 سنة مضت، مقابل 40٪ فقط من الأسماك في الحفريات التي تعود إلى الفترة بين 5900 إلى 4650 سنة مضت.

تشير زيادة عدد بقايا الثدييات على حساب الأسماك إلى انتقال السكان في المنطقة تدريجيًّا من التركيز على صيد الأسماك إلى صيد الحيوانات البرية، ثم الحفاظ على الحيوانات الأليفة الأكثر أهميةً واستئناسها. ووجد الباحثون أيضًا أن نسبة أسماك البلطي بشكل خاص قد انخفضت مع مرور الوقت، وهو ما يمكن إرجاعه إلى أن سمك البلطي لديه أجهزة تنفُّس ملحقة تتيح له التنفس والحياة في المياه الضحلة ذات درجة الحرارة المرتفعة.

يقول "نير": تدل نتائج الدراسة على أن المناخ كان أكثر رطوبة، وأنه كان هناك ارتباطٌ أو اتصالٌ ما بين المياه التي كانت موجودةً في المنطقة مع نهر النيل، موضحًا أن هذا الاستنتاج يستند إلى نوع الحيوانات المائية التي وجدوها، بالإضافة إلى دراسة مفصلة للمناظر الطبيعية من خلال صور الأقمار الصناعية، والعمل الميداني الذي قام به علماء الجيومورفولوجيا في الفريق.