لطالما كان عالِم الوراثة مايكل سنايدر شغوفًا بدراسة نفسه. وبعد أن درس خصائصه الوراثية، أدرك قبل خمس سنوات أنه معرض بنسبة مرتفعة للإصابة بمرض السكري رغم جسده النحيف وممارسته لرياضة الجري بانتظام. وقد كان سنايدر بالفعل يميل إلى ارتداء أجهزة متابعة اللياقة البدنية: أساور المعصم ذات التكنولوجيا المتقدمة التي يمكنها أن ترسل بيانات حول النشاط البدني ومعدل نبضات القلب وأنماط النوم إلى الهاتف أو الكمبيوتر الخاص بالمستخدم حيث يتم تخزين هذه البيانات. ولأنه عالِم في جامعة ستانفورد، لم يكن سنايدر ليكتفي بارتداء جهاز واحد فقط من تلك الأجهزة، بل إنه استخدم ثمانية أجهزة يوميًّا من أجهزة متابعة اللياقة البدنية لمدة عامين ليرى ما إذا كان ثمة فروق بينها. وقد قام هو وعدد من زملائه أيضًا باستخدام هذه الأجهزة على 60 متطوعًا للتحقق مما إذا كانت النتائج التي توصل إليها سنايدر تنطبق على الآخرين أم لا، وقد تبيَّن أنها كذلك بالفعل.

نشر الباحثون النتائج التي توصلوا إليها في دراسة جديدة في دورية "بلوس بايولوجي" PLoS Biology في شهر يناير 2017. وخلصت الدراسة إلى أن تلك الأجهزة –التي يُروَّج لها لمساعدة الأشخاص على فقد الوزن والحفاظ على لياقتهم البدنية- يمكنها أن تكشف أيضًا عن الإيقاعات اليومية الشخصية، وترصد التغيُّرات التي تطرأ في بيئات معينة كما في أثناء الطيران، وتجمع معلومات الاستشعار البيولوجي مع القياسات الطبية لاكتشاف الوقت الذي يتعرض فيه مستخدمها للإصابة بالأمراض. وقد طوّر الفريق البحثي خوارزمية حاسوبية لتحليل الإشارات التي تصدرها هذه الأجهزة للكشف عن العلامات المبكرة للغاية للأمراض، بما في ذلك الاختلافات في الحساسية للإنسولين، مما قد يساعد على تشخيص مرض السكري من النوع الثاني. ويقول سنايدر: "في أغلب الأحيان نقضي أوقاتًا طويلة في الفحوصات الطبية للناس عندما يمرضون. والذي ينبغي علينا فهمه حقًّا هو ماهية الحالة التي يمكننا تعريفها بأنها صحية، ثم تحديد الاختلافات التي تطرأ على هذه الحالة، عندما يتعرض الشخص للإصابة بالمرض. وأعتقد أن الأجهزة القابلة للارتداء سيكون لها دور كبير في هذا الأمر".

جمع سنايدر وزملاؤه أكثر من ملياري بت من البيانات من 60 متطوعًا كانوا يرتدون ما لا يقل عن سبعة أجهزة يوميًّا لمدة 11 شهرًا، لتسجيل مؤشرات حيوية متعددة ولمعرفة ما إذا كانت بعض الأجهزة أكثر دقة من غيرها. وعملوا على جمع معلومات عن الوزن، ومعدل نبضات القلب، وكمية الأكسجين في الدم، ودرجة حرارة البشرة، والنشاط البدني، والسعرات الحرارية المستهلكة. وخضع المشاركون –الذين كان يعلم بعضهم بإصابته بمرض السكري- للفحوصات الطبية بصورة منتظمة، مثل اختبار كيمياء الدم واختبار التعبير الجيني، بالإضافة إلى فحوصات أخرى. ويقول سنايدر إن بيانات بعض المتطوعين أظهرت في أثناء السفر بالطائرة انخفاضًا مستمرًّا في مستويات الأكسجين لديهم عند الطيران على ارتفاع أكثر من 8000 قدم، الأمر الذي يفسر على الأرجح شعور عدد كبير من المسافرين بالنعاس في وقت مبكر خلال رحلة الطيران. ووجد سنايدر أن مستويات الأكسجين لديه تعود إلى حالتها الطبيعية عند هبوط الطائرة.

وقد رصد سنايدر شعوره بالمرض عدة مرات باستخدام تلك الأجهزة. في إحدى المرات، عندما كان على متن طائرة إلى النرويج، التقطت أجهزته مؤشرات حيوية غريبة؛ فمستوى الأكسجين في دمه لم يعد إلى حالته الطبيعية على النحو المعتاد، ثم أظهرت الأجهزة أن جسده بدأ يصاب بحمى خفيفة. ربط سنايدر بحدسه هذه الأعراض بوجوده قبل أسبوع في أحد المواطن المحتملة لحشرات القراد في ماساتشوستس، فطلب من الطبيب فحصه لاختبار إصابته بمرض "لايم". وبالفعل تم تشخيص حالته بأنه في المراحل الأولى من هذا المرض العضال، والتي تكون فرصة نجاح العلاج خلالها أفضل ما يمكن. ويقول سنايدر إنه من دون ذلك الجهاز كان على الأرجح سيتجاهل هذه الإشارات حتى تصبح إصابته أسوأ حالًا.

كما سجلت الأجهزة بدقة أيضًا عودة الحساسية للإنسولين لدى سنايدر، والتي كان يسيطر عليها من خلال ممارسة التمرينات الرياضية. وقال أيضًا إن الملحوظات التي رصدها مشابهة لما اكتشفه الباحثون في دراستهم لمتطوعين آخرين، بما في ذلك التغيرات التي حدثت في حساسية الإنسولين والمؤشرات الأولى للمرض.

يشبِّه سنايدر المعلومات التي تصدر من أجهزة الاستشعار بأنها مثل الأضواء التحذيرية في السيارة التي تنبهك بضرورة "فحص المحرك"، فيقول: "قد تسمع بعض الدقات" في المحرك تخبرك مسبقًا بأن هناك مشكلة محتملة، لكن "من الأفضل بالطبع أن ترى ضوءًا صغيرًا يخبرك بأن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام".

يرى سنايدر أن هذه الأجهزة مفيدة لتتبُّع وفهم التأثيرات الفسيولوجية للتقدم في العمر بشكل أفضل. وأضاف قائلًا: "سنرصد العلامات الشخصية للتقدُّم في العمر من خلال المتابعة الدقيقة للأشخاص. فمعرفة البيانات الأساسية المرجعية لصحتك وأنت تتمتع بصحة جيدة أمر شديد الأهمية."

يأمل سنايدر أن يحاول الباحثون بعد ذلك اكتشاف أفضل تلك الأجهزة في رصد المؤشرات الصحية (حتى لا يضطر المرء إلى تحمُّل عناء ارتداء ثمانية أجهزة يوميًّا مع الحرص على شحنها باستمرار). وقد أحصى فريقه في صيف 2015 أكثر من 500 نوعٍ من الأجهزة المختلفة، كلٌّ منها يرصد نوعًا مختلفًا من البيانات.

لم يشارك بيتر راسموسن -المدير الطبي للصحة عن بُعد في كليفلاند كلينك- في تلك الدراسة، لكنه يشارك سنايدر حماسه تجاه تلك الأجهزة القابلة للارتداء، ويتفق معه في أنها تتمتع بالكثير من الإمكانيات التي لا يتم الاستفادة منها استفادة كاملة حتى الآن، فيقول: "إننا لا نزال في المراحل الأولى من استخدام هذه الأجهزة". ويأمل راسموسن أنه في غضون السنوات القليلة القادمة يمكن تسجيل البيانات المستخلصة من أجهزة المتابعة في السجل الطبي لكل شخص، مما يتيح لمقدمي الرعاية الصحية مراقبة صحة كل فرد بشكل مستمر بمرور الوقت. ويقول: "بعد ذلك، سنتمكن من البدء في تطبيق بعض أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا في تقنيات تعلُّم الآلات؛ لكي تبدأ في البحث عن الأنماط والتوجهات التي لا نعرف بوجودها. فربما نتوصل إلى إجراءات رائعة يمكننا استخدامها للتدخل في حالة المرضى قبل أن يصبحوا مرضى بالفعل".