لا أحد يرغب أن يمر بتجربة تحطم شاشة هاتفه الجوال، ما قد يضطره إلى تحمل تكلفة تغييرها أو تشغيل جهازه عبر الضغط بأصابعه على الزجاج المتشظي لجهازه. فقد باتت الشاشات مكونًا أساسيًّا في أغلب الأجهزة التي نستخدمها، بداية من الرفيق الأقرب لأكثر من نصف سكان الأرض "الهاتف المحمول"، وحتى أجهزة الكمبيوتر والساعات وغيرها من الأجهزة. وتظل المشكلات الأكبر أمام الشركات المعنية بصناعة الشاشات في العالم هي خدوش الشاشات وتهشمها ودوام فاعلية خاصية اللمس.

 وربما هذا ما دفع باحثين كنديين بجامعة "بريتش كولومبيا UBC" بكندا إلى العمل على ابتكار شاشة مصنوعة من مادة حساسة، مرنة وقابلة للطي والشد، بما يمكنِّنا من أن نُكوِّر الهاتف الذكي أو الكمبيوتر اللوحي ببساطة لنضعهما في الجيب الخلفي للبنطال، عندما لا تكون هناك حاجة لاستخدامه، دون الخشية عليه من الكسر. كما تتيح هذه التقنية الجديدة ارتداء أجهزة الاستشعار المصممة لأغراض صحية adaptive health sensors التي تتكيف مع أجسادنا، وكأنها جلد اصطناعي.

صُنعت الشاشة الجديدة من مادة من "الجيل" المعالج، ذي القدرة الفائقة على توصيل الكهرباء وامتصاص الضوء، ووُضعت بين طبقتين من السيليكون. إذًا الشاشة الجديدة مكونة من ثلاث طبقات، وجميع أجزائها مرنة وقابلة للطي في أي اتجاه، وفق ما نشره موقع ScienceAlert الأمريكي المتخصص في الأخبار العلمية. يعرض الفيديو التالي النموذج الأول للابتكار الجديد.

كل المميزات في واحدة

توجد حاليًّا شاشات بتنقية 3D Touch ابتكرتها شركة أبل ومتاحة في أجهزة آيفون 6s، وتتيح استشعار لمسة الأصبع بمستويات مختلفة، وتجعل المستخدم يشعر بأثر ضغطته على الشاشة؛ كما ابتكرت سامسونج خاصية مشابهة AirViews تتيح التحكم في الشاشة بمرور خفيف على سطحها دون ضغط، وهناك ابتكارات عديدة أخرى تتعلق بالشاشات الشفافة أو المرنة، مثل ابتكار Fold Paper الذي قدمه قبل ثلاثة أعوام مختبر الإعلام الإنساني بجامعة "كوينز" الكندية أيضًا. فما الجديد في ابتكار جامعة "بريتش كولومبيا" الذي تم تمويله من قِبَل مجلس العلوم الطبيعية والبحوث الهندسية في كندا؟

يقول ميرزا ساكيوب سروار Mirza Saquib Sarwar قائد الفريق البحثي للمشروع: "ابتكارنا هو الأول من نوعه في العالم الذي يجمع كل هذه التقنيات في شاشة واحدة، لديها خواص: اللمس، والشفافية، والقابلية للطي، والتمدد".

لقد أصبح شيئًا شبه عادي لو قررنا صنع جهاز طيع malleable device يمكنه تسجيل اتصال باللمس على الرغم من كونه في حالة تشوه، لكن التحدي الأكبر هو جعل نفس المادة قادرة على تعيين الأصابع التي ليست حتى على اتصال مع الجهاز. ولجعل هذا ممكنًا، استخدم الفريق أقطاب الهيدروجيل hydrogel electrodes المتضمنة في طبقات السيليكون، بحيث تولِّد حقلًا كهربائيًّا حول أجهزة الاستشعار. مكنت الأقطاب أجهزة الاستشعار من تسجيل أصابع تحوم على بُعد بضعة سنتيمترات فوق المادة، لتنفيذ ما يشبه اللمسة الافتراضية virtual touch.

استغرق العمل في الابتكار الجديد حوالي عام ونصف تقريبًا، وتم تصنيع نسخة تجريبية بمساحة 5 سم2، ويضيف سروار: "الخطوة التالية صناعة تجارب بأحجام أكبر لشاشات الهواتف أو شاشات أكبر، وأيضًا سنجرب الأمر على تطبيقات عديدة تخص الأجهزة القابلة للارتداء Wearable Devices حتى تصبح أشبه بالجلد البشري ويتيسر استخدامها".

الاستغلال التجاري

ويدرس ميرزا سروار حاليًّا علوم الكمبيوتر والهندسة الكهربائية بجامعة بريتش كولومبيا، وعمل في فترة سابقة من حياته مهندسَ برمجيات بشركة سامسونج في بنجلاديش. ومؤخرًا، أثار ابتكاره لشاشة مرنة مصنوعة من الجل والسيليكون ردود فعل كبيرة عقب نشر ورقة بحثية عنه، منتصف مارس 2017 في دورية Science Advances وهي أحد الإصدارات العلمية المتخصصة المعتمدة. ورفض سروار التعليق على الجانب التجاري لاستغلال الفكرة، قائلًا: "هناك تعاقد بين الجامعة وإحدى الشركات، ولا يمكنني الحديث في هذه التفاصيل الآن".

ندرة مادة الإنديوم

تحتاج الشاشات الحالية في عملها إلى غرفة كبيرة معقمة بصورة محكمة، وأنظمة ترسيب بخار Physical Vapor Deposition وتجهيزات ضخمة تكلف الملايين، بالإضافة إلى ندرة الخامات الأولية المعتمدة على مادة "الإنديوم" التي تكون مع القصدير المؤكسد Indium Tin Oxide الطبقة الرئيسية لشاشات LCD الأكثر انتشارًا في العالم؛ وتشير دراسات عدة إلى أن "الإنديوم" من المصادر الطبيعية الآخذة في الاندثار؛ وحذرت مفوضية الاتحاد الأوروبي منتصف العام الماضي من ذلك، ودعت إلى إعادة تدوير الشاشات القديمة، وابتكار بدائل.

يقارن سروار بين التجهيزات التي تتطلبها الشاشة القديمة وتلك التي ابتكرها فريقه، فيقول: "نستخدم مواد متوفرة على نطاق واسع، والتصنيع يحتاج إلى مساحة كمساحة مطبخ بها تجهيزات متقدمة، ويمكن تصنيع شاشة بحجم الغرفة، وتكلفة المتر الواحد ستكون في حدود دولار واحد تقريبًا".

ولكن ما موقف الشاشة الجديدة التي ابتكرتها جامعة "بريتش كولمبيا" من ناحية جودة الصورة واستهلاك الطاقة. يشكك الدكتور ياسر عبد الباري -مسؤول المبادرات الإلكترونية بهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات بمصر- في قدرة الابتكار الجديد فيما يتعلق بجودة الصورة، وحساسية اللمس؛ نظرًا لطبيعة المادة المستخدمة.

ويعلق دكتور سروار على دقة خاصية اللمس، بقوله: "المقارنة في حساسية تقنية اللمس ستكون في صالح الشاشات التقليدية LCD ، أو الحديثة من نوعية OLED".

وتبلغ سرعة استجابة شاشات OLED التي تقف وراء الثورة الحالية في صناعة الشاشات في العالم -لدقتها ونحافتها وقلة استهلاكها للطاقة- ما يصل إلى 0.01 ميلي في الثانية، في حين أن استجابة شاشات LCD تصل إلى 1 ميلي في الثانية. ويرى الباحث بجامعة UBC أن معدل استهلاك الطاقة متقارب؛ "لأن كلتا التقنيتين تستخدم نفس معدل قراءات الدوائر الكهربائية".

وتقاس سرعة الاستجابة بالملي ثانية، وعندما تكون الاستجابة بطيئة تكون الشاشة عاجزة عن مجاراة المشاهد السريعة كأفلام الحركة مثلًا وتحدث انفصالات للمشهد وتوقفات للصورة.

وفيما يتعلق بجودة الصورة للابتكار الجديد، فالقطعة التي تم تصنيعها حققت جودة تمثل 1mm مليمتر بيكسل، وهو ما يتسق مع الحد الأدنى لمعايير الصناعة على حد قول سروار، ويضيف: "نسعى في التجارب المستقبلية لنصل إلى 4mm". وهذا يعنى أن عنصر جودة الصورة سيكون في صالح شاشات OLED التي تصل جودتها إلى أكثر من 20mm.

ولكن أكثر ما يميز ابتكار جامعة بريتش كولومبيا هو التكلفة البسيطة لابتكار هذا النوع من الشاشات ومرونتها، بما يفتح المجال لعشرات التطبيقات الجديدة، ويقول سروار: "هذه أول شاشة من نوعها في العالم يمكن طيها وتظل خاصية اللمس فيها مفعلة".

مشكلة الشاشات المزمنة

لأكثر من 15 عامًا عمل سامح الجمل في مجال صيانة أجهزة الهواتف الذكية في مصر والمنطقة العربية، ويأمل أن يقدم الابتكار حلًّا لمشكلات الشاشات المتكررة، ويقول: "البطاريات والشاشات يمثلان المشكلة الأكبر لصناعة الهواتف الذكية، وأغلب الأعطال منهما". ويعتقد الجمل أن هذا يحد بصورة كبيرة من تطور صناعة الإليكترونيات بشكل عام، والأجهزة المعتمدة على الشاشات بشكل خاصة.

ورفض الجمل التعليق على الجوانب الأخرى المتعلقة بالابتكار الجديد من ناحية تسويقه وقبول المستخدمين له، وذلك قبل أن يتاح في إطار تجاري، ويقول: "هذا النوع من الشاشات له استخدامات متعددة، وربما تكون فوائده الأكبر أبعد من فكرة الهواتف الذكية".

ويرى جون مادن -المشرف على البحث العلمي، والأستاذ في كلية العلوم التطبيقية بجامعة UBC- أن هذه الشاشات المبتكرة قد توفر فرصًا لدمج أجهزة الاستشعار في "جسم" الروبوت لجعل التفاعلات بين الإنسان والروبوت أكثر أمانًا.

وتحذر أغلب إرشادات الاستخدام التي تأتي مع أجهزة الروبوتات من احتمالية وجود خطر على الإنسان من جرَّاء الاحتكاك المباشر، نظرًا للطبيعة الصلبة التي تُصنع منها تلك الأجهزة، ويقول دكتور مادن: "باستخدام هذا الابتكار يمكن أن يحدث تفاعل مباشر بين البشر والأجهزة الآلية دون أن يحدث ضرر، ويمكننا تبادل الأدوات بأمان معها، وكذلك التقاط الأشياء دون الإضرار بها".