في عام 1928 ضربت الصين موجة جفاف كبرى استمرت عامين حتى ضربتها موجة من الشتاء المُروع، تجمع الجليد في المناطق الجبلية، ثم ذاب وبدأ في التدفق في أثناء الصيف ليملأ حوض نهر "اليانغتسي"، عززت أمطار الربيع الغزيرة من كميات المياه، ثم حل الطوفان.

تعرضت الصين آنذاك لموجات متتابعة نشطتها الأعاصير، غمرت نحو 180 ألف كيلومتر مربع، واستمرت ثلاثة أشهر كاملة لتتسبب في وفاة مليوني شخص في المتوسط، كانت الكارثة مروعة؛ إذ لم يتوقع أحدٌ أن يكون غضب الطبيعة قاسيًا إلى ذلك الحد.

لكن بفضل العلوم الحديثة، تُخبرنا دراسة نشرتها "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) عما هو آت، بعد أن توصلت إلى أن 1.81 مليار شخص يُمثلون حوالي 23٪ من سكان العالم يعيشون في مناطق فيضانات شديدة الخطورة، من بين هؤلاء يوجد 1.24 مليار إنسان يستوطنون جنوب وشرق آسيا، و89 مليون شخص يعيشون في منطقة الشرق الأوسط، من ضمنهم حوالي 17 مليون شخص يعيشون في مصر.

يرى "جون رنتشلر" -الخبير الاقتصادي بالبنك الدولي، والمتخصص في التنمية والمناخ والطاقة، والمؤلف الرئيسي لتلك الدراسة- أن مخاطر الفيضانات "حقيقة عالمية"، إلا أنها تؤثر بشكل خطير وخاص على سكان البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل"، مشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن تلك البلدان تضم 89٪ من سكان العالم المعرضين للفيضانات.

يقول "رنتشلر": أكثر من 780 مليون شخص من المعرضين لمخاطر الفيضانات العالية يكسبون أقل من 5.5 دولارات أمريكية يوميًّا (أي حوالي 103 جنيهات مصرية وفق سعر الصرف وقت كتابة ذلك التقرير)، وبذلك تلتقي مخاطر الفيضانات والفقر، وبالتالي فإن معالجة هذه المخاطر وزيادة قدرة الأفراد والمجتمعات على مواجهة الفيضانات تُعَدُّ أمرًا بالغ الأهمية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المستقبل.

آثار كارثية

تعتبر الفيضانات من أكثر الأخطار الطبيعية انتشارًا، إلا أن آثارها الكارثية تظهر بشكل خاص في البلدان منخفضة الدخل، قدمت هذه الدراسة تقديراتٍ عالميةً لعدد الأشخاص المعرضين لمخاطر الفيضانات العالية ويُعانون في الوقت ذاته من الفقر.

لكن.. لماذا تحدث الفيضانات في الأساس؟ يجيب "رنتشلر" عن تساؤل "للعلم" قائلًا: للفيضانات أصول مختلفة؛ إذ تحدث الفيضانات النهرية (وفيها تتجاوز الأنهار قدرتها على الاحتفاظ بالمياه بسبب هطول الأمطار الغزيرة)، والفيضانات الغزيرة (تراكُم المياه السطحية بسبب هطول الأمطار الممتدة والصرف غير الكافي)، والفيضانات الساحلية (بسبب المد والجزر أو العواصف، أو ارتفاع مستوى سطح البحر)، ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة تقلب هطول الأمطار في العديد من المناطق، وزيادة مخاطر الفيضانات حتى في المناطق التي لم تشهد فيضانات في الماضي.

ويتابع: ومع ذلك، فإن كوارث الفيضانات ليست ظاهرةً طبيعيةً بحتة، فعادةً ما يؤدي سوء التخطيط إلى زيادة المخاطر بشكلٍ كبير، ويؤدي عدم وجود أنظمة صرف مناسبة إلى زيادة مخاطر الفيضانات السطحية، ومع توسع المدن، يتم بناء مدن جديدة ورفع أصول البنية التحتية في مناطق الفيضانات، ومن المهم مراعاة الفيضانات وغيرها من الأخطار الطبيعية في جميع قرارات التخطيط والاستثمار؛ لتجنُّب الاتجاه المتزايد إلى التعرُّض لمخاطر الفيضانات.

تهديدات مباشرة

وجد الباحثون أن 1.81 مليار شخص (نحو 23% من سكان العالم) معرضون بشكل مباشر للفيضانات، من بين هؤلاء، يوجد 1.24 مليار في جنوب وشرق آسيا، حيث تمثل الصين (395 مليون) والهند (390 مليون) أكثر من ثلث التعرض العالمي.

وتُعد البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل موطنًا لـ89٪ من سكان العالم المعرضين للفيضانات؛ إذ يعاني 170 مليون شخص من مخاطر عالية للفيضانات، ويعيشون في فقر مدقع بدخل أقل من 1.90 دولار في اليوم -نحو 35 جنيهًا مصريًّا- يعيش 44٪ منهم في أفريقيا جنوب الصحراء.

وعلى الصعيد العالمي، تشير التقديرات إلى أن الكوارث الطبيعية تتسبب في خسائر مباشرة في الأصول تزيد على 300 مليار دولار كل عام، ويرتفع هذا التقدير إلى 520 مليار دولار عند النظر في الخسائر الأخرى.

وبينما تواجه كل دولة مجموعتها الفردية من المخاطر الطبيعية، التي تتضمن الأعاصير أو الزلازل أو حرائق الغابات، تُعد الفيضانات من التهديدات الرئيسية لسبل عيش الناس، وتؤثر على آفاق التنمية في جميع أنحاء العالم، على وجه الخصوص في البلدان المنخفضة الدخل، حيث تميل أنظمة البنية التحتية -بما في ذلك الصرف الصحي والوقاية من الفيضانات- إلى أن تكون أقل تطورًا.

وغالبًا ما تتسبب الفيضانات في أضرار ومعاناة لا يمكن تخفيفها، وتوضح الفيضانات الكارثية الأخيرة في بلدان مثل نيجيريا وبنجلاديش وفيتنام والولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن التهديد أصبح حقيقةً عالمية، كما أن الفيضانات النادرة والكبيرة والأحداث الصغيرة والمتكررة يمكنها أن تعوق جهود التنمية والحد من الفقر، وبالتالي فإن فهم حجم المخاطر وتوزيعها أمرٌ بالغ الأهمية لابتكار تدابير التخفيف المستهدفة وتخصيص الموارد الكافية.

التخطيط المكاني

وفي حين أن التهديد كبير بالفعل، يمكن أن تؤدي العديد من الاتجاهات المستمرة إلى زيادات كبيرة في مخاطر الفيضانات في السنوات القادمة.

يقول "رنتشلر" في تصريحاته لـ"للعلم" إنه لا يمكن منع جميع الفيضانات، ولكن من الممكن تقليل المخاطر بشكل كبير وتقليل الخسائر والأضرار الناجمة عن الفيضانات.

وبالنسبة لتقليل المخاطر، يقول "رنتشلر": إن التخطيط المكاني والحضري الأفضل يمكن أن يساعد في تجنيب المستوطنات الجديدة مخاطر الفيضان في المناطق عالية الخطورة، يمكن أن تحمي أنظمة الصرف الأفضل أو جدران الفيضانات المدن القائمة، كما يُعد التأكد من دمج تقييمات مخاطر الفيضانات في عمليات صنع القرار أمرًا بالغ الأهمية، لا سيما بالنسبة للاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية الحضرية، "يمكن أن يكون حفظ أو استعادة أنظمة الحماية الطبيعية من الفيضانات الطبيعية -مثل الأراضي الرطبة وسهول الفيضانات غير المأهولة- حلولًا فعالة من حيث التكلفة تقلل من المخاطر".

ويضيف: أما بالنسبة للاستعداد للفيضانات التي لا يمكن تجنُّبها، فنظرًا إلى أنه من غير الممكن منع جميع الكوارث، فمن الأهمية بمكان أن تكون مستعدًّا لحالات الطوارئ، وأنظمة الحماية الاجتماعية هي المفتاح لدعم المتضررين من الفيضانات وتمكينهم من التعافي بسرعة، وغالبًا ما يفتقر الفقراء على وجه الخصوص إلى الموارد اللازمة للتعافي السريع، مما يعني أنهم قد يتعرضون لخطر الآثار المدمرة طويلة الأجل على سبل عيشهم، ويُعد تخطيط الاستجابة للطوارئ والبحث والإنقاذ وأنظمة الإنذار المبكر وخطط الإخلاء من العناصر الأساسية لإدارة كوارث الفيضانات، كما أن ضمان مرونة مرافق الرعاية الصحية والبنية التحتية الحيوية (مثل الكهرباء والمياه النظيفة) مهم أيضًا للحد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية للفيضانات.

مخاطر متزايدة

وفق معلومات مُستقاة من 11 نموذجًا مناخيًّا، فإن تواتُر الفيضانات في جنوب شرق آسيا، وشرق ووسط إفريقيا، وأجزاء كبيرة من أمريكا اللاتينية يمكن أن يزيد بشكل كبير بحلول عام 2100، وحتى في ظل السيناريوهات المتفائلة، تشير التقديرات إلى أن مستويات سطح البحر سترتفع إلى 0.55 متر بحلول عام 2100، مما يعرض المدن الساحلية الكبيرة بشكل خاص للخطر.

كما ثبت أيضًا أن هبوط الأرض، الناجم غالبًا عن الاستخراج غير المستدام للمياه الجوفية وتصريفها، يزيد من مخاطر الفيضانات الساحلية بمعدل أسرع بأربع مرات من ارتفاع مستوى سطح البحر.

وتنجم مخاطر الفيضانات أيضًا عن التغيير الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ يزداد عدد الأشخاص والأصول وقيمة الأنشطة الاقتصادية بمرور الوقت، ووفق أحد التقديرات، يمكن أن يؤدي النمو الاجتماعي والاقتصادي إلى زيادة الأضرار المطلقة الناجمة عن الفيضانات بمقدار 20 ضعفًا بحلول عام 2100، وبالنظر إلى التأثير المركب لهذه العوامل المحركة في أكبر 136 مدينة ساحلية في العالم، فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نمو السكان والأصول وتغير المناخ والهبوط من المرجح أن يُسهم في زيادة كبيرة في متوسط ​​خسائر الفيضانات العالمية، من 6 مليارات دولار سنويًّا في 2005 إلى أكثر من 60 مليار دولار في 2050.

وقد وجد الباحثون أن حوالي 1.81 مليار شخص يتعرضون بشكل مباشر لغمر أعماق تزيد عن 0.15 متر، وهذا من شأنه أن يمثل مخاطر كبيرة على الأرواح وسبل العيش، لا سيما بالنسبة للفئات السكانية الضعيفة، وتقع الغالبية المعرضة لتلك المخاطر (1.24 مليار) في جنوب وشرق آسيا ، حيث تمثل الصين (395 مليون) والهند (390 مليون) أكثر من ثلث المعرَّض العالمي، كما أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل هي موطن لـ89٪ من سكان العالم المعرضين للفيضانات، من بين 170 مليونًا يواجهون مخاطر عالية للفيضانات والفقر المدقع (يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم)، 44٪ منهم في أفريقيا جنوب الصحراء.

ويواجه ما لا يقل عن 780 مليون شخص مخاطر عالية للفيضانات، بينما يعيشون على أقل من 5.5 دولارات في اليوم، وبالتالي فإن عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر ويتعرضون لمخاطر الفيضانات الشديدة أعلى بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.

من خلال تصنيف أعداد الأشخاص للتعرُّض العالمي على المستوى الإقليمي، يصبح من الواضح أن مخاطر الفيضانات منتشرة بشكل خاص في مناطق معينة، يبلغ عدد سكان منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ 668 مليون شخص، وهي تضم أكبر عدد من الأشخاص المعرضين لمخاطر الفيضانات الكبيرة، بما يعادل حوالي 28٪ من إجمالي سكانها.

مصر

وردًّا على سؤال لمجلة "للعلم" حول الوضع في مصر، يقول "رنتشلر": يقدر أن حوالي 17 مليون شخص يعيشون في مناطق مهددة بالفيضانات في منطقة النيل الأدنى، ويعيش 12 مليون منهم على أقل من 5.50 دولارات في اليوم (حوالي 103 جنيه) وعادةً ما يعني الدخل المنخفض أن الناس يتضررون بشدة من الفيضانات، لأن لديهم موارد أقل للتعافي وإعادة البناء.

وفي منطقة جنوب آسيا، يتعرض 576 مليون شخص لمخاطر الفيضانات الكبيرة (حوالي 30.4٪ من السكان)، ويتعرض ما بين 9-20٪ من السكان الإقليميين لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والولايات المتحدة وكندا لمخاطر عالية للفيضانات.

من جهته، يعلق "تيموثي تيجلوفن" -الباحث بمعهد الدراسات البيئية بأمستردام، وغير المشارك في الدراسة- بأن "إحدى المفاجآت الرئيسية من هذه الدراسة هي النطاق الواسع للمخاطر؛ إذ توجد مخاطر الفيضانات في جميع البلدان البالغ عددها 188 التي تم النظر فيها في هذه الدراسة، وحول العالم، يعيش 1.81 مليار شخص في مناطق عالية الخطورة للفيضانات، أي واحد من كل أربعة من سكان العالم.

يضيف "تيجلوفن" في تصريحات لـ"للعلم": أما النتيجة المروعة الأخرى فتتمثل في أن عددًا كبيرًا من الفقراء يعيشون في مناطق شديدة الخطورة للفيضانات، ومن بين 170 مليون شخص في جميع أنحاء العالم يواجهون مخاطر عالية للفيضانات والفقر المدقع (يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم) 44٪ منهم في أفريقيا جنوب الصحراء، وبالنسبة لهؤلاء، يمكن أن يكون للفيضانات آثار مدمرة على المدى الطويل.

السمات الجغرافية وأنماط التحضر

ومن الواضح أن البلدان الأكثر اكتظاظًا بالسكان من المرجح أن يكون لديها أعداد كبيرة من الناس الذين يعيشون في حالة تعرض مباشر لمخاطر الفيضانات، وأكبر دولتين من حيث عدد السكان، الهند والصين، لديهما أعلى معدلات التعرض المطلق لعدد الأشخاص بـ390 مليونًا و395 مليونًا على التوالي، ويمثلان حوالي ثلث جميع الأشخاص المعرضين لخطر الفيضانات على مستوى العالم.

ومع ذلك، يمكن للسمات الجغرافية وأنماط التحضر أن تزيد بشكل كبير من حجم السكان المعرضين، تتميز البلدان العشرة الأولى من حيث عدد الأشخاص المطلقين بالتعرض للبلدان التي تتركز فيها مجموعات سكانية كبيرة على طول أنظمة الأنهار الرئيسية، مثل بنجلاديش ومصر وفيتنام، أو في المناطق الساحلية، مثل إندونيسيا واليابان.

وتقول الدراسة إن الفيضانات خطر كبير يُهدد دول العالم بأسرها، وإن تدابير التخفيف من المخاطر المنهجية ضرورية لمنع الخسائر في الأرواح وسبل العيش، كما يُظهر البحث أنه في ظل الظروف الحالية، يتعرض لمخاطر الفيضانات عدد من الأشخاص أكثر مما كان معروفًا في السابق، كما تتوقع أيضًا أن تغيُّر المناخ وأنماط التحضر المحفوفة بالمخاطر ستؤدي إلى تفاقُم هذه المخاطر في السنوات القادمة.