طوال العقود الماضية، ربط العلماء بين الحمية الغذائية والحفاظ على الصحة العامة للأفراد، والتخلص من السمنة، والحصول على قوام رشيق، دون النظر إلى حساب تكلفة التأرجح بين حميات غذائية مختلفة ما بين "قاسية" و"غنية"، وتأثير ذلك على جسم الإنسان وصحته.

لكن دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة "شيفيلد" البريطانية حذرت من أن التحول من نظم "الحمية القاسية" إلى"الحمية الغنية" يمكن أن يقلل من متوسط العمر المتوقع، وقد تكون له آثار سلبية على الصحة.

يشير عماد فهمي -استشاري التغذية العلاجية، وعضو الجمعية المصرية لدراسة أمراض السمنة، وغير المشارك في الدراسة- إلى أن الحمية القاسية تتم عندما يتناول الفرد غذاءً يحتوي على عدد من السعرات أقل من ذلك العدد الذي يحتاج الجسم إلى استهلاكه فعليًّا، أما الحمية الغنية فتحدث عندما يحصل الفرد على سعرات تزيد على تلك التي يحتاج إليها الجسم.

ويوضح -في تصريحات لـ"للعلم"- أنه "من الممكن أيضًا تعريف الحمية القاسية حين يستبعد الشخص بعض المواد والعناصر الضرورية التي يحتاج إليها الجسم، مثل التخلي عن النشويات لاحتوائها على سعرات عالية تسبب زيادة الوزن".

يقول مير جي بي سيمونز، باحث ما بعد الدكتوراة في قسم علوم الحيوان والنبات بمركز بيتسون في جامعة شيفيلد، والمشارك في الدراسة: إنه "على الرغم من أن التقيد بنظامٍ غذائيٍّ ما يُعَد عمليةً جذابة، فمن الضروري إخضاع تلك الأنظمة لاختبارات صارمة من قِبَل المتخصصين قبل التوصية بها.

ويضيف "سيمونز" في تصريحات لـ"للعلم": أردنا اختبار فرضية مفادها أن التقيُّد بنظام غذائي معين يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تجهيز الجسم للتعامل الصارم في الفترات التي يجد فيها نفسه أمام وفرة في الطعام. وأوضح أنه في التجارب التى أُجريت في هذا الإطار، وجدوا أن الذباب في عينة البحث كان غير مهيأ للظروف المتغيرة عندما خضع لنظام تغذوي غني، بعد التعرُّض لقيود غذائية قاسية، متابعًا كلامه: وبالتالي فإن التفسير الفسيولوجي للقيود الغذائية لا يُعَد بالضرورة استثمارًا جيدًا من حيث صيانة الجسم وإصلاحه، والحد من الشيخوخة؛ إذ لا يساعد الجسم على ضبط سلوكياته في أثناء تعرُّضه لوفرة غذائية، ومشددًا على أن البحث الجديد يقدم نظرة مغايرة فيما يتعلق بالآثار الناجمة عن اتِّباع النظم الغذائية المختلفة.

تقييد السعرات الحرارية

في الدراسات السابقة، اعتاد الباحثون القول بأن اتباع الحميات الغذائية -أيًّا كان نوعها، وبغض النظر عن التأرجُح فيما بينها من عدمه- يمكن أن يطيل العمر؛ فعلى سبيل المثال ذكرت دراسة أجراها باحثون من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في فرنسا أن تقييد السعرات الحرارية يزيد بشكل كبير من متوسط العمر. أُجريت الدراسة على حيوان "الليمور"، الذي يعيش في مدغشقر ويتقاسم العديد من أوجه التشابه الفسيولوجية مع البشر، خاصةً في أثناء الشيخوخة.

أخضع الباحثون الفرنسيون حيوانات التجربة لنظام غذائي مزمن ومعتدل، بحيث جرى تقييد السعرات الحرارية بما يعادل 30٪ من السعرات الحرارية أقل من مثيلاتها في الطبيعة التي تمثل عينةً ضابطة، وتوصلوا إلى أن الحيوانات التي خضعت لنظام مقيد قد تجاوَز عمرها الافتراضي ما يزيد على 50٪ من أفراد المجموعة الضابطة التي تعودت أن تأكل بشكل طبيعي. وزاد متوسط البقاء على قيد الحياة من 6.4 سنوات للحيوانات غير الخاضعة للحمية الغذائية المقيدة إلى 9.6 سنوات للحيوانات الخاضعة للتجربة. كما زاد الحد الأقصى لعمر الليمور؛ إذ بقي أكثر من ثلث الحيوانات التي تعتمد على نظام غذائي مقيد على قيد الحياة عند وفاة آخر حيوان في عينة التحكم في عمر بلغ 11.3 عامًا.

ولكن الدراسة الجديدة تقدم لنا نتائج جديدة ومختلفة، تشدد على أهمية اتباع نظام غذائي محدد، وعدم التأرجح بين الحميات الغذائية، وما يصاحب ذلك من تباطؤ الشيخوخة وتأخُّر ظهور الأمراض المرتبطة بتقدم العمر.

نظامان غذائيان

أخضع الباحثون للتجربة عينةً من ذباب الفاكهة، إذ اتبع نظامًا غذائيًّا مقيَّدًا قبل أن يخضع بعد ذلك لنظام غذائي غني. يقول "سيمونز": استخدمنا ذباب الفاكهة لأنه يمكن دراسته بأعداد كبيرة جدًّا (أكثر من 66000 ذبابة)، ويمكن التلاعب بالنظام الغذائي الذي يتبعه بسهولة.

أتاحت الأعداد الكبيرة تتبُّع التغيُّرات المسببة لمخاطر الموت (معدل الوفيات) على وجه التحديد، وقياس الآثار المباشرة لتغيير النظام الغذائي.

وأضاف: لذلك عندما غيرنا النظام الغذائي، تمكنَّا من قياس الاستجابات الفورية، من حيث معدل الوفيات (خطر الموت)، أو رصد أسباب الموت على الفور. وأوضح أن هذا العمل ظل قيد التطوير لمدة ثلاث سنوات تقريبًا، وأن هذه الفترة لا تعكس متوسط عمر الذباب الذي لا يتجاوز في العادة 3 أشهر، لكننا أجرينا عددًا كبيرًا من تجارب المتابعة للتأكُّد من نتائجنا.

وتبيَّن أن الذباب الذي تنقَّل بين حمية غذائية قاسية وأخرى غنية كان أكثر عرضةً للوفاة، وكان أكثر ميلًا إلى وضع عدد أقل من البيض، مقارنةً بالذباب الذي قضى حياته كلها متبعًا نظامًا غذائيًّا غنيًّا، وأن الحشرات التي ضمتها عينة البحث -والتي عانت من تأرجُح الحميات الغذائية- كانت تنتظر الموت في أثناء خضوعها لحمية غذائية قاسية.

تداعيات وخيمة

يقول "سيمونز": تلك النتائج تساعدنا على تفهُّم كيف ولماذا قد يكون للحميات الغذائية تأثيرٌ عميقٌ على الصحة العامة، وتؤكد أن التحول المفاجئ والمتكرر بين الحميات الغذائية قد يكون له تداعيات وخيمة على الصحة. ويذهب الباحث الرئيسي في الدراسة، أندرو مكراكن، وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة، إلى أن الفهم الجديد فيما يتعلق بأضرار أنواع معينة من الحميات الغذائية وفوائدها سيساعد في تحديد التدخلات الصيدلانية التي من الممكن أن تحاكي التقييد الغذائي دون التأرجح بين الحميات الغذائية.

بدوره، يقول "فهمي": "إن تأرجُح الجسم بين أنظمة غذائية قاسية وغنية يؤثر بالقطع سلبًا على كل أعضاء الجسم؛ فالحمية القاسية قد تعوِّد الجسم على التخلُّص من الخلايا الهرمة والمريضة فيما يُعرف بعملية الالتهام الذاتي للخلايا". وأضاف أن ما يحفز هذا الالتهام الذاتي لدى تلك الحيوانات هو الشعور بالجوع، الذي قد تسببه أحيانًا بعض الحميات الغذائية القاسية، لكن عندما يتم تعريضها بعد ذلك لنظام غذائي غني، فإن الجسم يبحث عن التشبع من الغذاء، في حين يُفترض أن يُجري عملية التحلل الذاتي بشكل متوازن حتى يصح.

وتابع: التنقل بين الحميات الغذائية لها مضار واضحة، في حالة الحمية القاسية يقلل الجسم من معدل الحرق كي يستطيع التعايش، وفي حالة انتقاله إلى حمية غنية قد لا يقوم بتعديل مستوى الحرق بشكل مباشر، مما يؤدي إلى تخزين الدهون وتراكمها على الكبد، وقد ترتفع نسبة الكوليسترول، وقد تشكل هذه الدهون المختزَنة عبئًا على القلب.

يقول "سيمونز": يوفر بحثنا معلومات أساسية عن واحدة من أفضل الطرق المعروفة لإبطاء الشيخوخة وهي القيود الغذائية. ويشدد على أنه من المهم توجيه البحوث المستقبلية للكشف عن آليات دقيقة لدراسة علاقة الحميات الغذائية بالشيخوخة، ما يتطلب دراسة كائنات نموذجية أخرى غير ذباب الفاكهة وصولًا إلى البشر.