تعتمد المجتمعات الحديثة إلى حدٍّ كبير على صناعة البوليمرات. إذ تستخدم تلك اللدائن في مجموعة واسعة من التطبيقات التي تمتد لتشمل حاويات المواد الغذائية وأجزاءً من السيارات والأجهزة الطبية.

والبوليمرات -شأنها شأن الإنسان والحيوان- لها عمر افتراضي تشيخ بعده، وتُصبح أكثر تعرُّضًا للتشقق والكسر. في تلك الدراسة يُقدم الباحثون رؤية مبتكرة للطريقة التي تشيخ بها تلك اللدائن، ويُظهر البحث المنشور في دورية "إيه سي إس سنترال ساينس" ACS Central science أيضًا التغييرات التي تطرأ على البوليمرات مع تقدُّمها في العمر.

يُمكن أن يوفر رصد تطور شيخوخة البوليمر -خاصةً الشيخوخة المبكرة- على مدار الوقت والأبعاد وسيلةً من وسائل الوقاية المبكرة من الحوادث الكارثية. ومع ذلك، فإن عملية الرصد ذاتها تُمثل تحديًا كبيرًا. فالطرق المتاحة لمراقبة التغييرات الناجمة عن تقدم عمر البوليمرات لا توفر سوى نتائج إحصائية على نطاق مجهري.

في تلك الدراسة، قدم الباحثون تقنيةً جديدةً تُسمى التصور المبكر ثلاثي الأبعاد ESV؛ للكشف عن اضمحلال البوليمرات.

يمكن أن تتسبب الحرارة وأشعة الشمس وعمليات الأكسدة والرطوبة في تدهور الخصائص الميكانيكية للبوليمرات بمرور الوقت. في المراحل المبكرة، تتكسر سلاسل البوليمر وتُنتج مخلفات كيميائية، من ضمنها مجموعات الهيدروكسيل. تتسبب تلك المجموعات في تسريع عملية شيخوخة البوليمر.

تعتمد تلك التقنية على استخدام حمض "البورونيك" المتحد مع مجموعة من مركبات الفلور. يتغلغل هذا الحمض داخل البوليمر المراد فحصه، مستهدفًا مجموعات من الروابط الكيميائية المُكونة للدائن. ثم يتفاعل في المناطق الضعيفة، كاشفًا إياها عبر إحداث مجموعة من النقرات على سطحها، وبالتالي يستطيع المصنِّعون والمستهلكون معرفة تلك المنطقة الضعيفة والاستبدال بها، أو الاستبدال باللدينة بالكامل.

ويُمكن لتلك الطريقة تحديد الشيخوخة المبكرة الأولية لمجموعات البوليمرات المختلفة، ومن ضمنها "البولي بروبلين" المستخدم على نطاق واسع في الصناعات المختلفة.

وتقول الدراسة إن تلك التقنية قادرة على كشف العيوب الناجمة عن العمر خلال 20 دقيقة فقط من حدوثها، في الوقت الذي تحتاج فيه التقنيات الأخرى -كالتحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء- إلى 21 يومًا كاملة للكشف عن تلك العيوب.

يمكن أن يوفر هذا النهج معلومات قيمة في توضيح التفاصيل الميكانيكية لشيخوخة البوليمر وتقييم فائدة المواد المضادة للشيخوخة المتقدمة.

الجدير بالذكر أن الباحثين استخدموا نوعًا من أنواع صبغات الفلورسنت المتاحة تجاريًّا على نطاق واسع. وهو ما يعني أن طريقتهم "رخيصة وفعالة"، حسبما يقول الباحث في هندسة الموارد الكيميائية بجامعة بكين للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك في الدراسة "روي تيان".

لاستخدام تلك التقنية، يعمل الباحثون على تسخين طبقة رقيقة من اللدائن المراد فحصها عند درجة حرارة 140 درجة فهرنهايت (60 درجة مئوية). بعد ذلك تُنقع تلك الطبقة في محلول من صبغة الفلورسنت. لاحظ الباحثون أن الصبغة تُمتص بصورة أعمق في المواقع التي تدهورت خواصها نتيجة العمر.

ويقول "تيان" في تصريحات لـ"للعلم": إن تلك الطريقة "هي الأولى من نوعها للكشف عن التدهور وقت حدوثه"، مشيرًا إلى أن شيخوخة البوليمرات "تُحدث تغييرات كبيرة في أدائها"، وعادةً ما يتم اكتشاف تلك التغييرات "في وقت متأخر جدًّا، وقد ينجم عن ذلك خطورة داهمة تتعلق بسلامة المعدات والأشخاص".

عمل الباحثون على ابتكار تلك الطريقة لمدة تجاوزت خمس سنوات كاملة، قضوا منها عامًا ونصف العام لدراسة الصبغات التي يُمكنها الكشف عن الشيخوخة المبكرة لتلك المواد.

يعتقد "تيان" أن الطريقة ستوفر معلومات في حالات التقييم العملي المتعلق بإصلاح منتجات البوليمر أو استبدالها، مضيفًا أن "التقنية مفيدة شأنها شأن تقنيات التشخيص المبكر للسرطان، فكلما اكتشفنا سرطانات البوليمرات مبكرًا زادت فرص علاجها دون أضرار جانبية".