التتويج بالذهب، دائمًا ما يمثل لحظة فارقة في حياة مَن يقوم بإنجازٍ ما، إذ يُعد تكريمًا لرحلة طويلة من العمل والجهد في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود، يتعاظم هذا الإنجاز إذا كان مرتبطًا بمحصول زراعي يُعَدُّ من أهم المحاصيل الصيفية على الإطلاق؛ لأهميته الغذائية للمستهلك وعائده الاقتصادي المُجزي للفلاح، محصول يغزو موائد نصف سكان الكرة الأرضية على اختلاف عاداتهم وأذواقهم، كما يأتي في المرتبة الثانية بعد القمح، من حيث أهميته كغذاء للمصريين.

أحدث هذه التتويجات العلمية كان فوز العالِم المصري حمدي موافي بالميدالية الذهبية في مجال الزراعة بمعرض جنيف الدولي للاختراعات 2022، عن ابتكاره لصنف أرز "سخا سوبر 300"، جاء التتويج لجهد استمر سنوات في تطوير واستنباط سلالات من الأرز عالية الإنتاجية وموفرة للمياه، وهي معادلة صعبة هدفها مواجهة تحديات ندرة المياه وتداعيات التغيرات المناخية، في ظل تقليص مساحة الأرز المنزرعة في مصر، توفيرًا للمياه.

وحصل موافي على الميدالية الذهبية الوحيدة لمصر في المعرض هذا العام، في حين حصدت مصر أيضًا 5 ميداليات فضية وبرونزيتين، وذلك من خلال المنافسة التي جرت بين ما يقرب من 800 اختراع من حوالي 25 دولة، في الفترة من 16 إلى 20 مارس 2022، في معرض جنيف الدولي.

"موافي" الذي يرأس المشروع القومي لتطوير الأرز الهجين والسوبر في مواجهة ظروف ندرة المياه والتغيرات المناخية في معهد بحوث المحاصيل الحقلية التابع لمركز البحوث الزراعية، نجح وفريقه في استنباط مجموعة من أصناف الأرز وهجن الأرز المتميزة وغير التقليدية الموفرة للمياه وعالية الإنتاجية، وتسجيلها بالقرار الوزاري رقم 1115 لسنة 2018، وكان منها الصنف السوبر العملاق "سخا سوبر 300"، هذا النوع من الأرز يوفر حوالي ثلث كمية المياه التي يستهلكها الأرز التقليدي، ويعطي نسبة إنتاجية مرتفعة من 20 إلى 25%، تتراوح من 5 إلى 6 طن أرز للفدان، مقارنةً بالأصناف التقليدية التي تنتج من  3 إلى 4 طن للفدان.

الصنف السوبر العملاق "سخا سوبر 300"  Credit: Hamdi Al-Muwafi

"للعلم" تحاور "موافي" للحديث عن رحلته من أجل تطوير سلالات الأرز المتنوعة، وخاصة "سخا سوبر 300"، التي تُوجت بحصوله على الميدالية الذهبية، فإلى نص الحوار:

متى بدأت رحلتك مع الأرز؟

الرحلة بدأت بتخرجي في كلية الزراعة بجامعة كفر الشيخ عام 1983، وكنت الأول على دفعتي، لكن فضلت العمل في مركز البحوث الزراعية بسخا كفر الشيخ، باعتباره مركزًا تطبيقيًّا للبحوث، وحصلت على الماجستير من الجامعة ذاتها عام 1988، وتركزت رسالتي على استنباط أصناف الأرز الجديدة، ونجحت من خلالها في تطوير صنف الأرز "جيزة 177" أول صنف مبكر للأرز في مصر، وكانت هوايتي هي تهجين سلالات المحاصيل الحقلية كمربٍّ، في حين تركزت أطروحة الدكتوراة على تربية أصناف الأرز التي تتحمل ملوحة التربة، وأنجزت جزءًا منها في مركز بحوث الأرز الدولي في الفلبين، ونجحت من خلالها في استنباط أصناف للأرز تتحمل الملوحة.

بعد حصولي على الدكتوراة، عُينت باحثًا في قسم بحوث الأرز بمركز البحوث الزراعية، في معهد بحوث المحاصيل الحقلية في الجيزة، وأسست برنامج الأرز الهجين في مصر عام 1995، وكان رابع أقوى برنامج متخصص للأرز الهجين في العالم بعد الصين والهند والفلبين، ونجحنا في تطوير العديد من هجن الأرز، منها "هجين مصر 1" و"هجين مصر 3".

وفي عام 2008، توليت منصب رئيس البرنامج القومي للأرز في مصر، وترأست قسم بحوث الأرز في معهد بحوث المحاصيل الحقلية عام 2010، كما عُينت وكيلًا لمعهد بحوث المحاصيل الحقلية، ومن خلال موقعي، أسهمت في وضع جميع الإستراتيجيات الخاصة بالأرز في مصر حتى عام 2018 عندما عُينت أستاذًا متفرغًا، كما شاركت في أكثر من 100 بحث منشور في المجلات العلمية، وأشرفت على أكثر من 30 رسالة ماجستير ودكتوراة.

أحد مزارع الأرز المزروعة بالأرز المطور  Credit: Hamdi Al-Muwafi

ما الهدف من وراء المشروع القومي لتطوير الأرز الهجين والسوبر؟

هدفنا الرئيسي هو تطوير واستنباط أصناف وهجن أرز سوبر تتحمل التغيرات المناخية (الجفاف، والملوحة، ودرجات الحرارة والبرودة) مع زيادة المحصول إلى أكثر من 25% عن الأصناف التقليدية، بالإضافة إلى نشر زراعة هذه الأصناف مع المحافظة على النقاء الوراثي لها من أجل الحفاظ على قدرتها الإنتاجية وظروف التحمُّل العالية.

ماذا عن بدايات هذا المشروع؟

منذ عام 1996، بدأت مصر مشروع إنتاج أرز هجين موفر في المياه وعالي الإنتاجية، ومن خلال التعاون بين مركز البحوث الزراعية وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وتحت رئاستي للمشروع القومي للنهوض بإنتاجية وتسويق الأرز الهجين والمشروع القومي لتطوير إنتاج الأرز الهجين والأرز السوبر تحت ظروف ندرة المياه والتغيرات المناخية، تم استنباط مجموعة من أصناف الأرز وهجن الأرز المتميزة وغير التقليدية، ونجحنا في تسجيل 9 أصناف منها بالقرار الوزاري رقم 1115 لسنة 2018، ومن بينها السوبر العملاق "سخا سوبر 300"، الذي شاركت به في معرض جنيف الدولي للاختراعات 2022، وهذا الصنف بدأنا العمل على تطويره منذ 2010، إلى أن سُجل في 2018.

وانتشر هذا الصنف بعد تسجيله في العديد من محافظات الأرز الـ9 في مصر، وهي: الإسكندرية- البحيرة- الغربية- كفر الشيخ- الدقهلية- دمياط- الشرقية- الإسماعيلية- بورسعيد، ويأتي انتشاره نظرًا لإنتاجيته العالية وجودة حبوبه، وتفوق محصول الأرز الأبيض وقدرته على تحمُّل الظروف المناخية المغايرة، ما أدى إلى انتشاره في فترة وجيزة، حتى إنه مثّل حوالي 20% من مساحة الأرز المنزرع في مصر عام 2021، كما أنه يُستغل في البرنامج القومي باستخدامه كأب ملقح للأم المصرية عقيمة الذكر بيئيًّا (PTGMS-38) لإنتاج أول هجين مصري سوبر تصل إنتاجيته إلى 6 أطنان للفدان.

حدثنا عن كيفية اختيار "سخا سوبر 300" للمنافسة في معرض جنيف الدولي للابتكارات؟

تختار أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا أفضل المتقدمين لتمثيل مصر في هذا المعرض المهم، وفقًا للمعايير المعلنة، ومنها أن تكون الفكرة مبتكرةً ولها أساس علمي سليم ووجود نموذج أولي، وأن يكون المتقدم قد قام بتسجيل فكرته، ويفضل الأفكار القابلة للتطبيق والتسويق.

ويُعد معرض جنيف الدولي المعرض الأكبر عالميًّا للابتكارات، وهو بمنزلة ساحة مفتوحة لعرض أكثر من ألف ابتكار في مجالات عدة، مثل الهندسة وأعمال البناء والتشييد وحماية البيئة والطاقة وغيرها من العلوم والصناعات المختلفة، ويمثل المخترعون والمبتكرون الفئة الأولى ممن يستحقون الدعم الحكومي والمساندة، إذ يشاركون في رفع اسم مصر عاليًا.

جرى دعم المبتكرين والمخترعين المصريين للتقدم للمعرض، عن طريق أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار وصندوق رعاية المبتكرين؛ للوصول بأفكارهم إلى مرحلة التنفيذ، وقد فاز مشروع "استنباط الصنف الجديد واسع الانتشار والعملاق سخا سوبر 300" بالميدالية الذهبية، لأول مرة في مجال الزراعة بالنسبة لمصر، متفوقًا على مشاريع من 25 دولة شاركت في هذا الفرع من المسابقة.

بمَ يتميز "سخا سوبر 300" عن غيره من الأصناف التقليدية؟

هذه السلالة من الأرز هي صنف مصري سوبر ياباني الطراز ذو حبة قصيرة فائق المحصول تتراوح إنتاجيته من 5 إلى 5.5 أطنان/فدان، ويتفوق على الأصناف التقليدية في المحصول والتحمل للملوحة ونقص مياه الري، كما يتميز في صفات جودة الحبوب وصفات الطهي وتصافي التبييض.

ويتم إكثار الصنف وزراعته باعتباره صنفًا تجاريًّا متفوقًا محصوليًّا، في النصف الثاني من شهر مايو وحتى منتصف يونيو لتقليل فترة النمو، وخلال هذه الفترة يعطي محصولًا يتراوح من 4.5 إلى 5.2 أطنان/فدان حال زراعته بعد قمح أو برسيم رباية أو بصل.

كما يتميز بأنه يمكن زراعته خلال النصف الثاني من شهر يونيو وحتى النصف الأول من شهر يوليو، وذلك بعد برسيم رباية أو بعض محاصيل الخضر ومنها الكنتالوب والفاصوليا، أو حتى بعد ذرة شامية مبكرة؛ للحصول على ربحية محصولين صيفيين خلال موسم صيفي واحد؛ إذ يمكن التحكم في فترة نمو الصنف لثبات ميعاد التزهير في مواعيد الزراعة المختلفة تقريبًا خلال النصف الثاني من شهر أغسطس وأوائل سبتمبر، ويتراوح محصوله من 3 إلى 3.5 أطنان/فدان.

ما هي الأهمية الاقتصادية والعلمية لـ"سخا سوبر 300"؟

يتميز "سخا سوبر 300" عن غيره من الأصناف التقليدية بأنه يمكن زراعته خلال الموسم الصيفي في أوقات مختلفة، وفقًا لمتطلبات الزراعة والمزارعين؛ إذ يمكن التحكم في فترة نموه بالتبكير أو التأخير في الزراعة لتقارُب فترات تزهيره، إذ يُزرع في النصف الأخير من شهر مايو وأوائل يونيو للإنتاج التقليدي للصنف "سخا سوبر 30" والإكثارات للحصول على محصولٍ عالٍ، ويتم اختصار نموه من 140 يومًا عند الزراعة في أبريل إلى 130 يومًا عند الزراعة في مايو، إلى 115 يومًا عند الزراعة في يونيو، وكذلك التحكم في طول النبات، إذ يقصر طول النبات بتأخير الزراعة.

يتميز "سخا سوبر 300" أيضًا بنسبة تصافي تبييض عالية مع أقل نسبة من الكسر، مقارنةً بالأصناف التقليدية قصيرة الحبة مثل "سخا 101" و"سخا 104" و"سخا 106" و"سخا 108"، كما يتميز باستطالة الحبوب بعد الطهي، ويُعتبر من الأصناف الموفرة للمياه ويتحمل نقص المياه، ولا يحتاج إلى معدلات تسميد عالية؛ إذ يحتاج إلى شيكارتين يوريا أو أربع شكاير سلفات النشادر على الأكثر للفدان، مقارنةً بـ3 شكاير يوريا، و6 شكاير سماد سلفات نشادر، وبذلك يوفر حوالي 30% من السماد.

يضاف إلى ذلك تحمُّله لملوحة التربة ومياه الري، وتزيد عدد سنيبلات (حبوب) السنبلة الرئيسية على 250 سنيبلة، في حين لا يتخطى عدد السنيبلات في الأصناف التقليدية 150 سنيبلة، كما يزيد وزن السنبلة في "سخا سوبر 300" على 7 جرامات ووزن الألف حبة من 29 إلى 30 جم.

كما أنه مقاوم لمرض اللفحة، وهو أشد أمراض الأرز خطورة، ويقود إلى جفاف الأوراق وتعفُّن العنق، ويحتفظ بأوراقه خضراء بعد النضج، ويُسهم الصنف في تلبية خطة الدولة ضمن أصناف الأرز الهجين والسوبر عالية الإنتاجية والموفرة لمياه الري.

الصنف "سخا سوبر 300" أيضًا يُعَدُّ أول أب ملقح مصري من الطرز اليابانية السوبر قصيرة الحبة عالي المحصول (6 أطنان/فدان) ذي جودة عالية، ويُستخدم كأب ملقح لسلالة العقم الوراثي البيئي لطول النهار ودرجة الحرارة المصرية (PTGMS-38) والتي سجلت بالقرار الوزاري 1115 لسنة 2018 لإنتاج أول هجين مصري نوعي في العالم بعد الصين يُزرع بتقاوي 10 كجم/فدان وينتج 6 أطنان.

هناك قيمة اقتصادية إضافية كبيرة؛ ففي ظل الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، وجدنا أن قش الأرز للصنف سخا سوبر 300 يحتوي على أكثر من 6% بروتين، إذ يظل أخضر حتى بعد الحصاد، ومن خلال التجربة مع أحد مشاريع هيئة التمويل الألمانية GIZ تم عمله كسيلاج (علف أخضر سهل الهضم ومرتفع القيمة الغذائية، تم حفظه عن طريق عملية التخمير) للتغذية الحيوانية، وقد أثبت كفاءة عالية نتيجةً لقلة احتوائه على الماء مقارنةً بسيلاج الذرة الشامية، ما أدى إلى تحمُّله للتخزين وتفضيل الحيوان له؛ لزيادة المواد السكرية فيه عنها في القش العادي.

د. موافي في أحد الحقول المزروعة بأرز سخا سوبر 300  Credit: Hamdi Al-Muwafi

ما مردود "سخا سوبر 300" بالنسبة للدخل القومي؟

تطورت المساحة المنزرعة من الصنف سخا سوبر 300 من عام إلى آخر حتى وصلت إلى حوالي 20% من المساحة المنزرعة عام 2021، أي حوالي 200 ألف فدان، ونتيجةً للزيادة المحصولية في وحدة المساحة من هذا الصنف وبالسعر السوقي آنذاك (4500 جنيه للطن)، ما يعني أن المشروع القومي لتطوير إنتاجية الأرز الهجين والسوبر تحت ظروف ندرة المياه والتغيرات المناخية، قد أسهم عام 2021 في الدخل القومي بما يعادل 450 – 900 مليون جنيه مصري.

"سخا سوبر300" أحد أبرز 9 أصناف مطورة.. ما هي السلالات الجديدة الأخرى المسجلة؟

نجحنا في تسجيل 9 أصناف وهجن وسلالات أبوية مصرية متنوعة لإنتاج هجن عالية المحصول، متحملة للملوحة ونقص المياه، في خطوة نادرة بتسجيل هذا العدد من التراكيب الوراثية التي تم استنباطها وتسجيلها بالقرار الوزاري رقم 1115 لسنة 2018 والحماية بالقرار الوزاري رقم 583 لسنة 2019، واشتملت على ما يلي:

1- تسجيل أول سلالة مصرية سوبر من الطراز الياباني عقيمة الذكر بيئيًّا لطول النهار ودرجة الحرارة باسم (PTGMS-38)، التي تجمع بين العقم الذكري الوراثي للحساسية لطول النهار ودرجة الحرارة، إذ تُعتبر مصر الدولة الثانية بعد الصين التي تطور وتسجل هذه السلالة لإنتاج أرز هجين سوبر قصير الحبة عالية المحصول متحملة للملوحة ونقص المياه، إذ يمكن من خلال تلك السلالة إنتاج هجن متنوعة يزيد إنتاجها على 14 طن/هكتار وفترة نموها 135 يومًا وموفرة للمياه؛ إذ تتحمل فترات ري متباعدة، وهي كذلك متحملة للملوحة، وتتميز بصفات جودة وطهي عالية.

2- تسجيل أول سلالة مصرية هندية الطراز عقيمة الذكر بيئيًّا لطول النهار ودرجة الحرارة باسم (PTGMS-1) لإنتاج الهجين (EISHR1) عالي المحصول ومتحمل للملوحة ونقص مياه الري.

3- تسجيل أول سلالة أبوية عقيمة الذكر سيتوبلازميًّا وراثيًّا (نظام السلالات الثلاث A,B,R) اسمها (سخا1أ/ب)، والتي تُزرع كأم في حقول منعزلة لإنتاج تقاوي الهجن المصرية العالية المحصول والمسجلة مثل (هجين مصري 1)، و(هجين مصري 2)، و(هجين مصري 3)، وغيرها الجاري تسجيلها.

4- تسجيل هجين (مصري 3) عالي المحصول (5-5.3 أطنان/فدان) والمبكر النضج والمتحمل لنقص مياه الري والملوحة.

5- إعادة تسجيل (هجين مصري 1) لصالح البرنامج القومي لقسم بحوث الأرز؛ من أجل المحافظة عليه.

6- تسجيل أول سلالة أم بسمتي مصرية عقيمة الذكر سيتوبلازميا وراثيًّا (نظام السلالات الثلاث A,B,R) (سخا 12أ/ب)، والتي تُزرع في حقول منعزلة للإكثار وإنتاج الهجن العطرية (البسمتي)، ومنها إنتاج أول هجين مصري بسمتي (EBHR11).

7- تسجيل أول صنف مصري معيد للخصوبة مطور عطري (بسمتي) للإكثار واستغلاله لإنتاج هجن الأرز العطري (البسمتي)، وكذلك الاستفادة منه في الزراعة مباشرةً، كصنف "جيزا بسمتي 201"، ويُستخدم هذا الصنف كملقح للسلالة الأم العقيمة "سخا 12أ" لإنتاج هجين مصري بسمتي 11، كما يُستغل الصنف مباشرةً كصنف تجاري عطري عالي المحصول.

8- تسجيل أول هجين بسمتي مصري عالي المحصول والجودة متحمل لملوحة التربة ونقص المياه تحت اسم "هجين بسمتي مصري 11" (EBHR11).

من مشاركات د. موافي بأحد المؤتمرات لاستعراض أبرز ابتكاراته في مجال تطوير الأرز  Credit: Hamdi Al-Muwafi

كيف توصلتم إلى استنباط تلك السلالة الجديدة؟

من خلال تقنيات زراعة الأنسجة، أدخلت جينات العقم الذكري الوراثي البيئي (EGMS) إلى السلالات المصرية ذات الطراز الياباني (الحبة القصيرة) لنصل في النهاية إلى تطوير أول سلالات عقم ذكري وراثي حساسة للفترة الضوئية ودرجة الحرارة (PTGMS) في أفريقيا، ومن ثم جرى تسجيل أول سلالة عقم بيئي مصرية يابانية الطراز (PTGMS-38).

وقد نجحنا في إدخال جينات العملقة (Super rice genes) إلى السلالات المصرية، لنتمكن في النهاية من تسجيل أول صنف سوبر مصري هو الصنف "سخا سوبر 300"، ونتيجةً لتلك الإنجازات، نجحنا في تطوير أرز هجين يعتمد على الصنف "سخا سوبر 300" والسلالة العقيمة بيئيًّا (PTGMS38)، وهو الهجين (EJGSHR-300) الذي يزيد محصوليًّا أكثر من 30% عن أفضل الأصناف التقليدية.

ما هي النسبة التي يمكن أن يصل إليها هذا التحسين في إنتاجية الأرز؟

التحسين متاح حتى 30 إلى 40% زيادة في إنتاجية الأرز، نتيجة التنوع الوراثي، الذي استخدمناه لتطوير برنامج مستقل لزراعة الأرز في مصر، عن طريق التعاوُن بين الباحثين المصريين والمشاريع الدولية الرائدة في زراعة الأرز كالصين والفلبين والهند، وهو ما أتاح لنا الفرصة للتفوق في إنتاج سلالات مصرية من الأرز الهجين، ونتيجةً لذلك، أبدعنا في الأرز السوبر، ونجحنا في نقل جينات الأرز البسمتي الهندي إلى الأصناف المصرية، واستطعنا تسجيل "جيزا بسمتي 201"، وهو أول صنف أرز بسمتي مصري يصل إلى 4 أطنان للفدان مقارنةً بـ2 إلى 3 أطنان للفدان في الهند أو باكستان.

دائمًا ما يُوجَّه إلى الأرز اتهام بأنه من المحاصيل الشرهة للماء.. ماذا عن الأصناف الجديدة؟

في رأيي هذا الاتهام لم يعد مقبولًا، في ظل تطوير الأصناف الجديدة التي تتحمل طول فترات الري لمدد تتراوح من 8 إلى 10 أيام، بدلًا من 4 إلى 6 أيام للأصناف التقليدية، وبذلك فإن الأصناف الجديدة توفر كميةً من المياه تصل إلى 30% مقارنةً بالأرز التقليدي الذي يستهلك حوالي 7 آلاف متر مكعب للفدان.

فالأصناف الجديدة تُعَدُّ نباتات "سوبر" عملاقة، وزيادة كميات المياه والأسمدة بنسب تعادل ما يحتاجه الأرز التقليدي ليست في صالحها؛ لأنها تؤدي إلى تضخم النبات وصعوبة في الحصاد، لذلك من الجيد تقليل كمية المياه والأسمدة والحصول في الوقت ذاته على إنتاجية أعلى من الأصناف التقليدية.

ما رؤيتك لمجال زراعة الأرز بشكل عام سواء في مصر أو العالم؟

الأرز محصول إستراتيجي مهم جدًّا في مصر والعالم، ونقصه يمكن أن يسبب مجاعة، خاصةً في دول شرق آسيا التي تعتمد عليه بشكل أساسي، بطريقة مشابهة لمحصول القمح في مصر.

وفي ظل الظروف الراهنة، والتقدم الذي أحرزته مصر في استنباط سلالات جديدة من الأرز بدايةً من ثمانينيات القرن الماضي، فقد احتلت مصر المركز الأول على مستوى العالم في إنتاجية وحدة المساحة، بدايةً من الألفية الجديدة، بإنتاجية وصلت إلى 10 أطنان للهكتار، متفوقةً على دول رائدة في زراعة الأرز كالصين واليابان وغيرها، وذلك لمقومات حبانا بها الله عز وجل، مثل اعتدال الطقس وخصوبة الأرض، مع وجود أصناف جديدة مُحسَّنة.

هل إنتاجية مصر من الأرز تكفينا؟

بحسبة بسيطة، فإن حوالي 85 إلى 90 مليون مصري من مجموع السكان الـ100 مليون يأكلون أرزًا، في حين يبلغ معدل استهلاك الفرد سنويًّا 40 إلى 42 كيلو أرز، وفي ظل متوسط الإنتاج 4 إلى 4.5 أطنان أرز للفدان أو ما يقرب من 9.5 أطنان/ هكتار، وهي أعلى إنتاجية للأرز في العالم، فإن المساحة المنزرعة التي يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي لمصر من الأرز الأبيض هي 1.3 مليون فدان.

وحددت وزارتا الري والزراعة في مصر المساحة المنزرعة بمحصول الأرز لعام 2021 فى 9 محافظات بمساحة قدرها 724 ألفًا ومئتي فدان، بالإضافة إلى مساحة 200 ألف فدان من سلالات الأرز الموفرة للمياه، ومساحة 150 ألف فدان تُزرع على المياه ذات الملوحة المرتفعة نسبيًّا، والتوجه حاليًّا هو استنباط السلالات الجديدة وتحسينها والتوسع في زراعتها، ما يوفر المياه ويزيد الإنتاجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وإذا استطعنا زراعة 1.4 مليون فدان سنويًّا يمكن أن نحقق الاكتفاء الذاتي ونحقق فائضًا للتصدير أيضًا.

كيف تُسهم إستراتيجية المشروع القومي لتنمية محصول الأرز والأرز الهجين والأرز السوبر في تحقيق الاكتفاء الذاتي؟

صدر قرار وزارة الري والموارد المائية بتقليص مساحة الأرز عام 2018 إلى 724,2 ألف فدان فقط، وهذا التقليص يُحدث نقصًا كبيرًا وفجوةً استهلاكية، خصوصًا عند زراعة المساحة كلها بالأصناف التقليدية، ومع ثبات متوسط الإنتاجية المحصولية عند 4 أطنان/فدان فإن هذه المساحة سوف تعطي إنتاج 2.897 مليون طن أرز شعير تنتج 1.825 مليون طن أرز أبيض، ويكون العجز المترتب علي ذلك 1.407 مليون طن أرز أبيض في مصر، هذا بالإضافة إلى تضرُّر مساحات واسعة من الأراضي المتأثرة بالملوحة، بما يؤدي إلي تدهوُرها وتصحُّرها نتيجة زيادة تراكُم الأملاح، وخصوصًا تلك القريبة من شمال الدلتا.

ولزيادة الإنتاج وتقليص العجز الناتج عن تقليل المساحة، يجب التوسع في زراعة الأرز الهجين والسوبر والطرز النباتية الحديثة والعملاقة المتحملة لندرة المياه والملوحة والري المخلوط، التي تم استنباطها وتسجيلها وكذلك الجاري تسجيلها.

لكن كيف يتحقق الاكتفاء في ظل انخفاض المساحة المنزرعة؟

يمكن اتباع السيناريو الخاص بزراعة 1.2 مليون فدان أرزًا تقليديًّا أو زراعة 350 ألف فدان أرزًا هجينًا مع 850 ألف فدان تقليدي، إذ يكون الإنتاج المتوقع من التقليدي 3.024 ملايين طن أرز أبيض مع عجز حوالي 208 آلاف طن أرز أبيض بنسبة عجز 6.44%، واكتفاء بنسبة 93.56%، في مقابل إنتاج أرز أبيض يتراوح من 3.245 إلى 3.355 ملايين طن مع وجود فائض يتراوح من 13 إلى 123 ألف طن في حال تطبيق سيناريو الأرز السوبر والهجين والطرز النباتية الحديثة والأصناف المتحملة لنقص المياه، وهذا السيناريو معقول جدًّا لتخفيض مساحة الأرز تدريجيًّا وقابل للتعديل لزيادة المساحة المنزرعة بالأرز السوبر والهجين والطرز النباتية الحديثة وتحقيق فائض يفي بمتطلبات الاحتفاظ بالاكتفاء الذاتي من الأرز مع خفض المساحة المنزرعة.

د. موافي إلى جوار أحد مزارعي الأرز بأحد الحقول  Credit: Hamdi Al-Muwafi

ما المردود الاقتصادي الذي يتحقق عند التوسُّع في زراعة السلالات الجديدة من الأرز في مصر؟

بدايةً من 2023 يمكننا زراعة مساحة تصل إلى 250 ألف فدان، إذ تتوافر من تقاوي أمهات الهجن التقليدية والمبتكرات والأرز السوبر كميات كافية لتحقيق ذلك، وهذا يحقق زيادةً إضافيةً في محصول الأرز تتراوح من 250 إلى 375 ألف طن أرز شعير، إذ إن زراعة هذه المساحة سينتج عنها:

-زيادة الإنتاجية الفدانية بنسبة 20-25%.

-توفير مساحة كبيرة من الأرض تصل إلى أكثر من 100 ألف فدان لكل 250 ألف فدان تُزرع بأصناف الأرز السوبر والهجين والأرز الهجين السوبر النقية عالية المحصول.

- توفير مياه بمعدل 600 مليون متر مكعب على الأقل سنويًّا، وهذه الكمية قابلة للزيادة إلى الضِّعف في حالة زراعة 500 ألف فدان من الأصناف السوبر والهجين.

- توفير كمية من التقاوي تتراوح من 3900 إلى 6000 طن بقيمة 39-60 مليون جنيه، إذ يحتاج الفدان في الأنواع الجديدة إلى 10 كيلوجرامات فقط من التقاوي مقارنةً بـ40 إلى 50 كيلو في الأرز التقليدي.

- تشجيع صناعة تقاوي الهجين والسوبر والطرز النباتية الحديثة في القطاعين الحكومي والخاص، وتشجيع الابتكار والبحث العلمي التطبيقي والصناعي والتسويقي، الذي يؤدي إلى تحقيق طفرة في الإنتاج على المستوى الزراعي والصناعي.

كيف ترى مستقبل زراعة الأرز في مصر؟

بما أننا نجحنا في استنباط أنواع جديدة، فإن الحلم أن تتحول مصر إلى منطقة إنتاج تقاوي الأرز وتصديرها إلى دول أفريقيا، وذلك لتحسين إنتاجية الأرز في القارة، والمساعدة على سد الفجوة الغذائية الناجمة عن ندرة المياه وتداعيات التغيرات المناخية، بالإضافة إلى زيادة إنتاجية الأرز في مصر.