إذا أصيب مراهق في أسرتك بمرض جلدي أو اعتلال في الجهاز الهضمي؛ فربما يجدر بك توجيهه لطبيب نفسي!

بعد فحص بيانات استطلاع وطني لـ6483 مراهقًا من الولايات المتحدة (بين 13 و18 عامًا)، أكد الباحثون وجود رابط متزامن بين الأمراض العضوية والنفسية، يُعرف بـ"الاعتلال المشترك".

وقد رصدت الدراسة ملامح هذا الاعتلال، كأمراض الجهاز الهضمي، والتهاب المفاصل، التي تلي الإصابة بالاكتئاب في كثير من الحالات، أو الإصابة بالأمراض الجلدية نتيجةً للتوتر العصبي. كما أن هناك مشكلات عضوية تسبق مشكلات نفسية، وأهمها أمراض القلب التي تسبق القلق.

وتشرح ماريون تيجيتوف -من جامعة بازل، وأحد باحثي الدراسة- لـ"للعلم"، أن القيمة المضافة لهذا البحث أنه يشمل مدىً واسعًا من الأمراض العضوية والنفسية، بخلاف الدراسات السابقة التي ركزت على الربط بين مرض عضوي محدد وآخر نفسي.

كما تلفت تيجيتوف إلى أن الدراسة لم تكتفِ بالربط بين هذه الأمراض وحسب، بل أخذت في الاعتبار الترتيب الزمني لحدوث المرض، فلو أن أحد الأمراض سبق الآخر فمن المنطقي أن يكون سببًا له وليس العكس.

المنطق نفسه تؤكده نهى عادل -مدرس الطب النفسي المساعد بكلية الطب، جامعة القاهرة-: "هناك الكثير من الاعتلالات العضوية التي يمكن أن تسبب أمراضًا نفسية، فمرضى السكري أكثر عرضة للقلق والإحباط، كما أن مرضى حساسية الصدر أكثر عرضة للقلق ونوبات الفزع". والعكس صحيح؛ فإن تعاطي الشخص مثلًا لعدد من الأدوية النفسية قد يتسبب في اختلالات عضوية، مثل الإصابة بهشاشة العظام.

وتتابع عادل: "عند النظر لهذه الدراسة يجب الأخذ في الاعتبار أن الاضطرابات النفسية قد تؤدي إلى تغيير المراهق من نمط حياته، ما يجعل صحته تسوء، يتضمن هذا اللجوء إلى العادات الغذائية الضارة، وقلة النشاط، والتدخين، وإدمان المواد المخدرة، وكلما زادت شدة المرض النفسي في مرحلة المراهقة أثر ذلك على صحة الجسد.

ابحث عن الأهل

وحرص القائمون على الدراسة على تنوُّع العينة المشاركة، بحيث تشمل طبقات اجتماعية وتوزيعات ديموغرافية متعددة، إلى جانب عمل لقاءات تشخيصية ليس فقط مع المراهقين ولكن أيضًا مع ذويهم، لضمان تكامُل المعلومات وعدم إغفال أحد العناصر المؤثرة، ثم بعدها البحث عن مدى تراتبية حدوث الأمراض العضوية والاضطرابات النفسية لدى المشاركين.

وتشرح المستشارة النفسية ورئيسة مركز عين على بكرة للتدريب، د. داليا الشيمي، أن ما يمكن أن يظهر في المراهقة هو اضطرابات نفسية مثل تلك التي تتعلق بشكل الجسم، خصوصًا مع سخرية بعض الأسر أو وصم أحد أفراد العائلة للمراهق، فتحدث اضطرابات مثل فقدان الشهية العصبي "أنروكسيا" والنهام العصبي "بوليميا" وغيرها.

علاج مبكر ومتكامل

ويعقب جونتر ماينلشميت -من جامعة الرور في بوخوم بألمانيا، وباحث مشارك في الدراسة-:  "من الضروري أن نربط مبكرًا بين علاج الأمراض العضوية والنفسية، وهي مهمة شاقة لصانعي السياسات الصحية ومقدمي الخدمة الصحية على حد سواء".

دراسة أخرى أجراها معهد الصحة العقلية بولاية أوديشا بالهند عام 2014، نصحت بعلاج المسبب النفسي للمشكلات العضوية مبكرًا، قبل أن يؤدي إلى تدهور المستوى الدراسي أو يؤثر على التفاعل الاجتماعي للأطفال والمراهقين؛ وأيضًا لتلافي الفحوصات العضوية غير الضرورية والوصول للتشخيص والعلاج في وقت أسرع. الدراسة الهندية أشارت أيضًا إلى وجود رابط بين أمراض عضوية مثل الصداع وآلام المعدة والعضلات والعظام، ومشكلات نفسية أشهرها القلق والاحباط.

وتهدف الدراسة التي أجراها باحثو جامعتي بازل بسويسرا والرور في بوخوم بألمانيا إلى فتح الباب لاستخدام "نمط العلاج المتكامل" للأمراض العضوية والنفسية، والبحث في سبل الوقاية المبكرة من عدد من الأمراض كما يقول ماينلشميت، ويأمل أن يُجرى المزيد من الأبحاث على حالات "الاعتلال المشترك" والأسباب الكامنة وراءها، ويؤكد: "نحتاج للعمل على ابتكار علاجات تقدم حلًّا متكاملًا للأمراض العضوية والنفسية المشتركة".

وتنصح نهى عادل باللجوء إلى متخصص نفسي في حال أدت الاضطرابات النفسية إلى مشكلات عضوية. فالتغيرات المزاجية من شأنها أن تتسبب مثلًا في ظهور حب الشباب أو أمراض المناعة الذاتية.

علامات الخطر

المطلب نفسه ورد في تقرير للمعهد القومي للصحة العقلية بالولايات المتحدة الأمريكية، إذ شدد على أهمية الاهتمام وطلب المساعدة عندما تُلحَظ على المراهق علامات مثل الغضب أو القلق الشديد، أو عدم القدرة على الأكل أو النوم أو الاستمتاع بالأنشطة الترفيهية، أو اللجوء للتدخين أو إدمان الكحول أو المخدرات، أو التفكير في الانتحار.

وحتى تحين هذه اللحظة ترى الشيمي أن حل كثير من الخلل النفسي وما قد يتبعه من مشكلات عضوية ينبع من العلاقة الصحية بين الآباء والأبناء. "من الضروري تفهُّم ما يحدث للمراهق من تغيرات عضوية ونفسية، وتسليحه بمعلومات عن المرحلة التي يمر بها، إلى جانب المرونة في التعامل والتي تتضمن الإدارة بالأهداف بدلًا من الإدارة بطريقة السلوك".

فيما تنصح عادل بتوعية المراهقين بأهمية التخفف من تأثيرات الضغوط العصبية على صحتهم، وممارسة آليات الاسترخاء مثل تمارين التنفس وغيرها، "على الآباء أخذ شكوى أبنائهم على محمل الجد، وفرض احتمالية وجود خلفيات نفسية للاعتلالات العضوية، وبالذات في حالات الصداع وآلام الرقبة والظهر والمعدة وغيرها".

وأكدت أهمية تشجيع الأبناء على التعبير عن النفس والحديث بحرية دون حرج أو خوف، "قد يعاني المراهق من ضغوط متعددة، كصعوبات التحصيل الأكاديمي أو المشكلات الأسرية، أو فقد عزيز، أو التعرض للإيذاء، وهنا يظهر الدور المهم للإنصات من قِبَل الأهل".

بينما تنصح الشيمي بأن يتوجه الآباء لمتخصص في العلاج النفسي عند ظهور أعراض مثل: الانعزالية الشديدة والمبالغة في الحديث السلبي عن النفس أو الشكل، وتدهور العلاقات مع الآخرين خاصةً الرفاق، وظهور أي عَرَض غريب مثل نتف الشعر. يضاف إلى ما سبق أعراض مثل: الوسواس، سواء في النظافة أو تكرار الأشياء، وتغيير الشكل والتصرفات للتشبه بالجنس الآخر، وصعوبة التركيز، والتدهور الدراسي والحياتي بشكل عام.