يعاني الملايين حول العالم من التهاب الجلد التأتبي أو الإكزيما، يُسبب ذلك المرض شعورًا بالحاجة إلى الحكة، وهو أمرٌ مؤلم ولا يُمكن قياسه، خاصةً بالنسبة للأطفال الذين لا يستطيعون التعبير عن درجات الألم.

إن عملية قياس الحكة بشكل علمي وموضوعي غير ممكنة، حتى بالنسبة للبالغين المصابين بأمراض الكبد وأمراض الكلى وأنواع معينة من السرطان ويُعانون من ذلك الشعور الذي يُمكن مقارنته بالألم المزمن، لذا يصعب تتبُّع مدى نجاح العلاجات والأدوية الخاصة بذلك المرض؛ فقد يستمر الشعور بالحاجة إلى حك الجلد حتى بعد تناوُل العلاج، دون أن يستطيع المريض تقدير مدى نجاح العقار في تخفيف ذلك الشعور، ودون أن يستطيع أيضًا وصف شعور الحكة.

الآن، ووفق دراسة جديدة نُشرت في دورية "ساينس أدفانسز"، يُمكن قياس الحكة بشكل موضوعي، وذلك بعد أن ابتكر العلماء مستشعرًا ناعمًا يمكن ارتداؤه، يقيس الحكة فعليًّا عن طريق قياس "عمق الخدوش" عند وضعه على اليد.

طور ذلك المستشعر علماء من جامعة نورث وسترن الأمريكية، وتم اختباره على مرضى التهاب الجلد التأتبي، كما يمكن استخدامه في أي حالة تسبب الحكة.

ويستطيع ذلك المستشعر الجديد تقديم معلومات قيمة للتجارب السريرية الخاصة بالعلاجات الجديدة وتتبُّع الاستجابة للعلاج ومراقبة تفاقُم المرض، وكل ذلك دون الحاجة إلى انتقال المريض للمستشفى أو فحصه بواسطة طبيب، فالمستشعر سيؤدي بالمهمة في المنزل.

ووفق الدراسة، يُعد ذلك الابتكار أول جهاز قادر على التقاط جميع أشكال الخدش، عبر تتبُّع حركة الأصابع والمعصم والكوع، كما أنه الأول من نوعه فيما يتعلق بتقييم الحكة موضوعيًّا لدى مجموعة من الأطفال الذين يعانون من أمراض مثل التهاب الجلد التأتبي، والتي تُعد المرض الأكثر شيوعًا المسبب للحكة عند تلك الفئة العمرية.

ويقول الأستاذ المساعد في الأمراض الجلدية وطب الأطفال بجامعة نورث ويسترن، "شواي شو"، وهو المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة: إن الحكة هي أحد الإحساسين الأساسيين المرتبطَين بالمرض الذي يصيب الإنسان، والآخر هو الألم، مشيرًا -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- إلى أن الشكاوى المتعلقة بالحكة "موجودة في ١٪ من جميع زيارات المرضى للأطباء".

القدرة على قياس الحكة يمكن أن تساعد شركات الأدوية على إثبات نجاح الأدوية التجريبية؛ فوفق ما يقول "شو" في تصريحاته لـ"للعلم"، يمكن لمخرَجات هذا المستشعر أن تخبر المرضى أو أطباءهم إذا كان هناك شيء يمكن فعله لعلاج الحكة أم لا، بالإضافة إلى ذلك، "يستطيع المستشعر أن يتنبأ بتفشِّي المرض حتى قبل أن يلاحظ المريض".

ويُمكن أن تتسبب الحكة في اضطراب النوم وضعف النمو الإدراكي العصبي، وفي المتوسط، يفقد الأطفال ليلة كاملة من النوم أسبوعيًّا، فوفق ما يقول الباحثون، فإن التهاب الجلد التأتبي هو أكثر بكثير من مجرد حكة في الجلد؛ إذ يُعد مرضًا مدمرًا يسبب معاناة هائلة في جميع أنحاء العالم، كما أن نوعية الحياة خلال الإصابة بمرض التهاب الجلد التأتبي الشديد (ليس فقط للطفل ولكن للوالد أيضًا) تعادل العديد من الأمراض التي تهدد الحياة.

وتقول الدراسة إن المرضى الذين يعانون من التهاب الجلد التأتبي هم أكثر تعرضًا بنسبة 44٪ للإبلاغ عن أفكار انتحارية نتيجةً للحكة مقارنةً بمجموعة التحكم، وبالتالي فإن القدرة على تحديد أعراضهم مهمة حقًّا للمساعدة في حصول الأدوية الجديدة على موافقة السلطات الصحية المعنية، كما أن قياسها مهم أيضًا في الحياة اليومية؛ فأهمية قياس الحكة تعادل في بعض الأحيان أهمية قياس نسبة السكر في الدم عند مرضى السكري.

يجمع المستشعر الجديد بين التطورات في الإلكترونيات اللينة والمرنة التي تلتف بسلاسة حول اليد واستخدام خوارزميات التعلم الآلي التي تحدد الخدش على وجه التحديد دون أن تنخدع بحركات مماثلة مرتبطة بالحركة (مثل التلويح باليد).

ويقيس المستشعر كلًّا من الحركة منخفضة التردد والاهتزازات عالية التردد من اليد؛ لتحسين الدقة بشكل كبير مقارنةً بالبرمجيات والمستشعرات الموجودة في الساعات الذكية.

وحصل هذا المستشعر على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. ويقول "شو" إن الفريق البحثي عمل لمدة 18 شهرًا كاملة على تصميم ذلك المستشعر، "ونحن نعتقد أن هذه الأداة يُمكن أن تكون مفيدة حقًّا في التجارب السريرية وتخفيف معاناة الأطفال وتحسين قدراتهم على النوم والتعلم والتطور".