ليكن الغذاء هو دواءك, وليكن الطب هو غذاءك.. هكذا قال أبو الطب "أبقراط" موضحًا ضرورة الاهتمام بالغذاء؛ نظرًا لارتباطه بصحة الإنسان بشكل مباشر. وعلى الرغم من كثرة وانتشار الحكم والأقوال المماثلة التي تشير الى أهمية التغذية السليمة، إلا أن الأمر لا ينعكس بشكل فعال على صحة البشر.

وأشارت دراسة للأكاديمية الوطنية للعلوم إلى أن غياب تدريس علوم التغذية والطهي لطلاب كليات الطب بشكلٍ كافٍ يؤدي في بعض الأوقات إلى وصف الأطباء لعقاقير وأدوية يمكن الاستغناء عنها، واستبدالها بوصف نظام غذائي للمريض كعلاج.

وقررت جامعة تولان بالولايات المتحدة الأمريكية أن تأخذ هذه الدراسة على محمل الجد، بتضمين برنامج لعلوم الطهي في المناهج الدراسية لطلاب كلية الطب، على أمل أن يؤدي تدريس الأطباء كيفية طهي وجبات لذيذة وصحية إلى نقل المعرفة لهم وبالتالي يرفع وعي مرضاهم، ومن ثَم يحسِّن صحتهم على المدى الطويل.

وتقدم الجامعة ما مقداره 53 ساعة من الشرح لعلوم الطهي، كما تعرض مقاطع فيديو توضح الكيفية المُثلى للتبضع وشراء المواد الغذائية، ودورات تدريبية في الطهي الصحي للأطفال والأسر.

التغذية.. المنهج الغائب في كليات الطب

وفي السياق ذاته، أوردت دراسة في 2008 استمرت لمدة عام بعنوان "تعليم التغذية في كليات الطب بالولايات المتحدة" شملت 105 من كليات الطب، أن "الطلاب يحصلون في المتوسط على 19.6 ساعة دراسية في تعلم التغذية طوال مدة دراستهم للطب، بينما كان المتوسط 22.3 ساعة عام 2004".

وأضافت الدراسة أنه من بين مَن شملتهم الدراسة، نجحت 28 كلية في تحقيق الحدّ الأدنى من الساعات التعليمية للتغذية، وبالمقارنة بعام 2004 حققت 40 كلية من أصل 104 الحد الأدنى من ساعات دراسة التغذية.

تقول زينب بكري -استشاري التغذية وطب الأطفال، والمدير السابق للمعهد القومي للتغذية بمصر- في تصريحها لـ"للعلم": "إن مناهج التغذية بكليات الطب غير كافية، ونتيجة عدم وجود الوعي وعدم الإلمام بقواعد التغذية السليمة عند الأطباء تنشأ العديد من المشكلات الصحية، خصوصًا لدى الأطفال".

وأوضحت أنه على سبيل المثال، فإن عدم الإلمام بأساسيات وقواعد التغذية التي يجب إخبارها للمرآة الحامل يؤدي الى مشكلات وأخطاء في الرضاعة الطبيعية وكيفية ممارساتها، بالإضافة الى عدم تحديد ما يفيد الطفل من غذاء خلال أول عامين، مما ينعكس بالسلب على صحته الجسدية.

أخصائيون أم أطباء

عربيًّا.. بدأ عددٌ من كليات الطب والصيدلة في استحداث قسم بعنوان "التغذية الإكلينيكية" أو التغذية العلاجية، وببحث سريع على محرك البحث جوجل ستظهر قائمة من الجامعات، منها على سبيل المثال لا الحصر: عدد من كليات الصيدلة في الجامعات المصرية، وجامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية، والبترا في الأردن، والرازي بالسودان، ويظل السؤال المطروح: ما الخلفيات العلمية المطلوب توفرها لدى "مستشاري التغذية"؟

تقول دعاء جنينة -محاضِر التغذية بكلية الصيدلة ومعهد البحوث الطبية بجامعة الإسكندرية بمصر- لـ"للعلم": «أصبح هناك دراسة أكاديمية لتخصص التغذية بعد مرحلة الثانوية العامة لمدة أربع سنوات، بعدها يجب على الطلاب إتمام 6 أشهر من التدريب حتى يحصلوا على مزاولة مهنة أخصائي التغذية، ويحدث هذا الأمر في العديد من الجامعات بالولايات المتحدة، وكذلك في الوطن العربي مثل جامعة فاروس، وجامعة بيروت العربية، والجامعة اللبنانية».

وترى جنينة أن العمل يجب أن يتم بالتنسيق بين الطبيب وأخصائي التغذية؛ إذ يقوم الطبيب بتشخيص المرض، في حين يقوم أخصائي التغذية بتحديد المشكلة الغذائية وتقييمها وتحديد النظام الغذائي المناسب لها. وتضيف: "يجب تكثيف مناهج التغذية لطلاب كليات الطب حتى تشمل الأساسيات والقواعد، وكذلك النظام الغذائي الخاص بكل مرض".

وتنصح جنينة بزيادة مناهج التغذية وإلحاقها بجميع التخصصات والأمراض التي يدرسها طلاب كليات الطب، وفي الوقت ذاته نشر وزيادة عدد الكليات التي تقوم بدراسة التغذية والتي تُعرف باسم "كليات العلوم الطبية المساعدة"، التي يخرج منها أخصائي التغذية.

وتتفق علياء هاشم -أستاذ التغذية وسلامة الغذاء بالمعهد القومي للتغذية بمصر- مع أهمية استحداث تخصص جديد في هذا المجال، وتضيف هاشم أن الحل يكمن في ضرورة إنشاء كليات تُعنَى بعلوم التغذية بشكل منفرد، وليست قسمًا ضمن أقسام كلية الاقتصاد المنزلي كما هو الحال الآن بمصر. ­­

وتضيف أنه مهما زادت مناهج التغذية التي يدرسها الطبيب، فلن يكون هذا كافيًا حتى يصبح الطبيب متخصصًا في التغذية، "على الأطباء التركيز أكثر في تشخيص المرض، وترك تحديد النظام الغذائي وتقييمه وكيفية تطبيقه لأخصائي التغذية".

تظل المبادرات لتوفير المعلومات الطبية التغذوية مفتوحة، ومنها مشروع "التغذية في الطب"، ويهدف إلى توفير منهج إلكتروني مجاني متخصص في علوم التغذية لطلاب وخريجي كليات الطب حول العالم.

 يقدم المشروع محتوى تعليميًّا مجانيًّا، مرتبطًا بالحالات المرضية، ومبنيًّا على الأدلة، يمكن استخدامه من قِبل طلاب الجامعة، ومعلميهم، والخريجين على حدٍّ سواء.

 

مصادر أخرى مساعدة:

https://foodtank.com/news/2017/02/medical-school-cooking-classes/

https://www.forbes.com/sites/brucelee/2017/01/22/medical-schools-need-to-teach-more-about-obesity-and-nutrition/#1dbfc841220b