ساعات طويلة نقضيها جالسين على مكاتبنا أمام شاشات الكمبيوتر في أوقات العمل، أما أوقات الراحة فنقضيها جالسين أمام شاشة التلفزيون، أو التليفون المحمول. وبمرور اليوم، نكتشف أننا قضينا غالبية الوقت في مقاعدنا، مما يعرضنا لمخاطر صحية جسيمة. 
 
وأشارت العديد من الدراسات العلمية إلى أن الجلوس لفترات طويلة يؤدي إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بالبدانة والسرطان، والسكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية. إلا أن فريقًا بحثيًّا بريطانيًّا يرى أن الحركة البسيطة التي يؤديها الجالس على فترات متقطعة، مثل تحريك الذراعين والقدمين (أو ما يُعرف بالتململ) يمكن أن تحد من تلك الآثار السلبية للجلوس لفترات طويلة.
 
ففي الدراسة المنشورة بالمجلة الأمريكية للطب الوقائي في فبراير 2016، تتبع خلالها الباحثون بيانات نحو 12.778 امرأة على مدار 12 سنة؛ لبحث أثر التململ في الجلوس، وعلاقته بخطر الوفاة. شملت البيانات معلومات حول معدلات الجلوس والتململ، بجانب التدخين، والنظام الغذائي، والنشاط البدني. 
 
كشفت نتائج هذه البيانات أن مجموعة النساء بالدراسة اللواتي يجلسن نحوًا من 5 ساعات إلى 6 يوميًّا مع التململ في مقاعدهن بمعدلات كبيرة، تقل لديهن احتمالات خطر الوفاة، بعكس المجموعة الثانية التي تجلس نحو 7 ساعات أو أكثر ولا تتحرك بالمقدار نفسه؛ فقد ارتفع لديهن خطر الوفاة بنحو 30%.
 
 مخاطر الجلوس طويلًا
 
يقل استخدام العضلات إلى الحد الأدنى مع الجلوس لفترات طويلة، كما ينخفض تدفق الدم، وتضخ خلايا الأوعية الدموية بروتينات تُصلِّب من هذه الأوردة والشرايين، فيرتفع خطر الإصابة بالسمنة، وارتفاع ضغط الدم والسكري والإصابة بالجلطات، وفق ما أوردت الدراسة.
 
لكن تحريك القدمين من آن لآخر على سبيل المثال يمكن أن يقوي صحة القلب، ويزيد من تدفق الدم، ويقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وفقًا للدراسة التي نشرتها المجلة الأمريكية لعلم وظائف القلب وفسيولوجيا الدورة الدموية.
 
ينوه جاومي باديلا -أستاذ مساعد في التغذية وعلم وظائف الأعضاء بجامعة ميسوري في كولومبيا، والباحث الرئيس- بأن التململ ليس بديلًا للوقوف والمشي، مشيرًا إلى أنه "يجب أن تحاول قطع وقت الجلوس قدر الإمكان من خلال الوقوف أو المشي، لكن إذا كنت عالقًا في وضع لا يكون المشي فيه ممكنًا، فإن التململ يمكن أن يكون بديلًا جيدًا، فأي حركة أفضل من لا حركة".
يتفق طارق حسين سعد البدوي -أستاذ القلب والأوعية الدموية في كلية الطب بجامعة الإسكندرية- مع ما جاء في الدراسة، ويقول لـ"للعلم": إن الوقاية من مضاعفات الجلوس تتطلب جهدًا أكبر، "إن الاكتفاء بتحريك الذراعين أو القدمين فقط لا يعطي النتائج المرغوبة"؛ لذا فهو ينصح بالقيام وممارسة أي حركة كل نصف ساعة على سبيل المثال.
 
ويشير إلى أن "عدم الحركة عمومًا من الأمور التي لها مخاطر على معظم أعضاء الجسم، خاصة لدى كبار السن، فهي مرتبطة بالسن، وكذلك بوجود الأمراض أو عدم وجودها". 
الجلوس مرض.. أحيانًا
 
وجدت دراسة نشرتها الدورية البريطانية للطب الرياضي في 2011 حول أثر النشاط الجسدي على السلامة العقلية عن الأطفال، أن نمط الحياة الخامل أو البقاء في وضع الجلوس والاستلقاء لفترات طويلة عادةً ما يرتبط بسوء الحالة الصحية الجسدية والعقلية، وانخفاض المهارات الإدراكية، والتقدير الذاتي، والإصابة بالاكتئاب والقلق.
دراسة أخرى نشرتها المكتبة الوطنية الأمريكية لعلم الطب بالمعاهد الوطنية للصحة في 2014 أشارت إلى أن مكاتب العمل بشكلها الحالي "لا توفر بيئة عمل آمنة"، مشيرةً إلى أن القوانين تحتم على أرباب الأعمال توفير نظام عمل آمنًا صحيًّا للموظفين. 
 
 فيما حذرت دراسات أخرى من أن خطورة الجلوس المفرط تعادل خطورة التدخين. فقد ذكر بحث منشور على مجلة ماري آن ليبيرت العلمية أن خطر الوفاة ارتفع بنحو 48% لدى من يقضي جالسًا نحو أربع ساعات يوميًّا. فيما ترتفع نسبة الإصابة بأمراض الأوعية الدموية لتصل نحو 125% لمن يجلسون نحو الساعتين فقط. وذلك مع التأكيد على عدم وجود عوامل خطورة أخرى، مثل ارتفاع الضغط والبدانة والتدخين أو نقص النشاط الجسماني.
ودعت إلى اعتبار الجلوس المفرط أحد مسبِّبات الأمراض المزمنة، وطالبت بنشر التوعية الإرشادية بالأسس السليمة للصحة والنشاط البدني.
يفسر نور الدين عبد العظيم محمد الحفني -أستاذ أمراض الباطنة بكلية الطب جامعة أسيوط- هذه المخاطر قائلًا: "يقل ضغط الدم في الأطراف السفلية مع الجلوس لفترات طويلة، فيصاب المرء بدوالي الأطراف، وهي أحد المسببات الرئيسة لجلطات الرئة، والتي يمكن أن تصبح مميتة. ومع تكرارها، يحدث انسداد في الأوردة الرفيعة من الشريان الرئوي، فيرتفع ضغط الشريان، ومن ثم قد يحدث هبوط في القلب".
 
ويضيف: "يؤدي الجلوس أيضًا إلى نقص الأيض (معدل احتراق المواد الغذائية)، فيتسبب في السمنة التي تؤدي إلى ارتفاع الدهون في الدم، ومن ثم حدوث تصلب مبكر في الشرايين، والإصابة بأمراض الشريان التاجي، وأمراض القلب والصدر، وارتفاع ضغط الدم، والإصابة بالسكري، وبنزيف المخ والجلطات. كذلك فإن هناك ارتباطًا وثيقًا بين السمنة والسرطانات". 
ويضيف: "تتسبب السمنة في الإصابة بالالتهابات وتآكل الغضاريف ومفصل الركبتين، والضغط على العمود الفقري، وتؤدي إلى هبوط في وظائف التنفس، وانقطاع التنفس في أثناء النوم بسبب نقص في عملية الأيض".
 
في التململ صحة
 
يعتقد الكثيرون أن التحريك المستمر للقدمين أو اليدين خلال الجلوس علامة على التوتر والملل وقلة التركيز، يشيع إحساسًا بالانزعاج، وقد يعدها كثيرون إشارة غير مهذبة.
لكن حان الوقت لتغيير هذه الفكرة عن التململ، فهذه الحركات المتكررة قد تفيدك أكثر مما تظن. فقليل من التململ قد يجعلك تحرق نحو 350 سُعرًا حراريًّا في اليوم، وفقًا لدراسة أجراها مستشفى مايو كلينيك.
كذلك كشف المعهد الوطني للصحة في دراسة موسعة أُجريت في 2015 شملت 154.614 من كبار السن الذين لا يعانون أمراضًا مزمنة أن الجلوس لفترات طويلة تزيد عن 12 ساعة يرتبط بارتفاع معدلات الوفاة من جَرَّاء أمراض القلب والأوعية الدموية، لذا تتبعت الدراسة أثر إحلال مستويات مختلفة من الأنشطة البدنية محل الجلوس.
ووجدت الدراسة أن خفض فترة الجلوس بمقدار ساعة واحدة، وممارسة الأنشطة -سواء الأعمال المنزلية الاعتيادية أو الرياضة- يقلل من خطر الوفاة بين المشاركين، وتقل نسبة الخطر بخفض ساعات الجلوس وزيادة ساعات الحركة. 
 
 الرياضة وحدها لا تكفي
 
قد تظن أن كونك تمارس الرياضة بانتظام يجعلك خارج نطاق الخطر، لذا أشارت دراسة نشرت بدورية بلوز في 2013 إلى أن ممارسة التمارين الرياضية نحو ساعة يوميًّا لا يزيل هذه المخاطر إذا قضى المرء بقية اليوم جالسًا، فهي لا تعوض الآثار الصحية الخطيرة التي تتراكم على المدى الطويل. 
وإنما تنصح بقطع فترات الخمول، وتوزيع فترات النشاط بزيادة الوقوف والمشي، بما يحافظ على معدل ثابت ومستقر من الطاقة على مدار اليوم.
ومن جانبه، يفيد الحفني أن "تحريك الأقدام بإعادة فردها وثنيها كل خمس دقائق مثلًا يساعد في تفادي الجلطات، خاصة لمَن يجلسون على مكاتب أو يسافرون لفترات طويلة"، ويوضح ذلك بأنه "قد يقوم أحدهم فجأة فيصاب بجلطة قد تؤدي للوفاة في الحال، وبالأخص عند كبار السن".
مشيرًا إلى ضرورة تنظيم التغذية وممارسة رياضة المشي الهادئ من نصف ساعة إلى ساعة يوميًّا؛ لتلافي المضاعفات على المدى البعيد.
 
على الجانب الآخر، كشفت بيانات معهد الصحة القومي أن النشاط الجسدي يُسهِم في خفض معدلات الإصابة بسرطان الرحم عند النساء بنحو 30%، إلا أن هذا لا ينطبق على النساء اللواتي يجلسن عدد ساعات طويلة، لذا تجد الدراسة أنه ينبغي الحد من عدد ساعات الجلوس، مع الحفاظ على مستوى معتدل من النشاط البدني، بما يمكن أن يسهم في الحد من خطر الإصابة بالسرطان.
 
تسلط هذه الأبحاث الضوء على ضرورة التدخل لتغيير النظام الاجتماعي والشخصي متى أمكن، فتوضح ناهد محمد كامل -أستاذ الصحة العامة وطب المجتمع بكلية طب جامعة الإسكندرية- إلى أن "نمط الحياة الشخصي يؤدي دورًا؛ فالجلوس يسبب السمنة، خاصة عندما يرتبط الأمر بتناول الطعام خلال مشاهدة التلفزيون أو الجلوس أمام الكمبيوتر، كذلك تؤثر وضعية الجلوس نفسها في العظام، وتشير إلى أن جلوس الأطفال أمام الألعاب الإلكترونية وغيرها يتسبب في تفاقم المشكلة منذ سن مبكر". 
 
علاوة على ذلك، اتجهت دراسة نشرتها المجلة الأمريكية للطب الوقائي في 2013 لبحث تأثير تغيير بيئة العمل، مثل مكاتب عمل تسمح بالحركة والوقوف، وأجهزة المشي المكتبية، والمكاتب القابلة لتغيير الارتفاع، بجانب تقديم الاستشارات والدعم، والتي نجحت نتائجها في الحد من معدلات جلوس الموظفين على مكاتبهم، وأشارت إلى أن مثل هذه التغييرات يمكن أن تنعكس إيجابيًّا على بيئة العمل، فيما يخص الجانب المادي والعملي كذلك.
وحثت الدراسة على أهمية تبني بعض الحلول، مثل الوقوف وأخذ فترات دورية للسير، وعقد الاجتماعات وقوفًا؛ فالوقوف فعل طبيعي وشائع يمكن أن يكون بديلًا للجلوس، وهو يسهم في تعزيز الصحة القلبية والتمثيل الغذائي ولا سيما الدهون، وفقًا للدراسات الأكاديمية.
وتنصح دراسة المكتبة الوطنية الأمريكية للطب الأطباء بضرورة توعية الأشخاص بالمخاطر الصحية للجلوس لفترات طويلة في العمل، وإبلاغ المرضى منهم في حالة كان نظام العمل يضر بصحتهم، وما إن كان يستلزم وضعهم الصحي بقاءهم في حركة ونشاط، مثل المصابين بأمراض الأوعية الدموية، لكن نظام العمل يحول دون ذلك.