تُشير سجلاتُ حبوب اللقاح الأحفورية المأخوذة من بحيرة دائمة في جبال الأطلس الكبير في المملكة المغربية إلى أن هطول الأمطار الشتوية على منطقة البحر المتوسط قد أدى دورًا مهمًّا في الحفاظ على الحياة النباتية في الصحراء الكبرى خلال الحقبة الأفريقية الرطبة، وهي الفترة الممتدة بين 14,000 إلى 5000 سنة مضت، حين كانت معظم المناطق في غرب وشمال أفريقيا أكثر رطوبةً من الوقت الحالي.

فقد غطت الأراضي العشبية والأشجار والبحيرات الصحراء الكبرى في وقت من الأوقات، وثمة تحدٍّ يطرح نفسه باستمرار أمام علماء النماذج المناخية، وهو تجميع السيناريوهات التي ربما تكون قد أدت إلى حقبة "اخضرار الصحراء الكبرى"، ويُرجِّح الرأي السائد في هذا الصدد أن هذا الاخضرار نتج عن تغيير في ميل الأرض أدى إلى زيادة الإشعاع الشمسي الذي يتعرض له نصف الكرة الشمالي خلال فصل الصيف، وهذا بدوره أدى إلى زيادة قوة الرياح الموسمية الأفريقية وتحوُّلها جهة الشمال، غير أن عمليات المحاكاة أظهرت أن الرياح الموسمية الأفريقية القوية لم تكن كافيةً وحدها للإبقاء على اخضرار الصحراء الكبرى.

أجرى باحثون من فرنسا والمملكة المغربية وبلجيكا وألمانيا دراسةً طرحت تساؤلاتٍ عن مدى تأثير الرياح الموسمية، وألمحت إلى أن تحوُّل هطول الأمطار الشتوية في منطقة البحر المتوسط صوب الجنوب أدى دورًا حاسمًا في اخضرار الجزء الشمالي من الصحراء الكبرى.

ودرس الفريق حقبةً مميزةً من التاريخ في صورة عينة رسوبية يبلغ طولها 8.5 أمتار استُخرجت من بحيرة تسليت في المملكة المغربية، هذه البحيرة تقع في الحد العلوي لدائرة عرض الرياح الموسمية وفقًا لما أشارت إليه دراساتٌ سابقةٌ، مما يجعل منها "موقعًا مثاليًّا لتحديد ما إذا كانت المنطقة قد تعرَّضت للرياح الموسمية أم لا"، وفق ما أوضح المؤلف المراسل، رشيد شدادي، اختصاصي علم الأحياء القديمة في جامعة مونبلييه الفرنسية.

أجرى الباحثون تحليلًا لحبوب اللقاح المحفوظة في العينة الرسوبية، واستخدموا التأريخ بالكربون المشع، ليتمكَّنوا من الاستدلال في نهاية المطاف على أنواع الأشجار والشجيرات والأعشاب التي هيمنت على الجزء الشمالي من الصحراء الكبرى في مراحل زمنية مختلفة على مدار الـ18,500 سنة الماضية.

فقد تعرَّف الباحثون على 78 نوعًا من حبوب اللقاح، من بينها 10 أنواعٍ مائية، كما أنهم عثروا على أدلة تُفيد بارتفاعٍ ملحوظٍ في أنواع نباتات البحر المتوسط دائمة الخضرة، مثل الزيتون والقيقب والزرود والسنديان خلال الفترة الأفريقية الرطبة، وهو ما يدل -في رأيهم- على ارتفاع معدل هطول الأمطار في فصل الشتاء وليس فصل الصيف.

واستنادًا إلى قاعدة بيانات ضخمة خاصة بتوزيع النباتات ونطاقاتها المناخية، أمكن للباحثين إعادة تصور هطول الأمطار في فصول الشتاء والربيع والصيف في المملكة المغربية، وتحديد كميات الأمطار هناك على مدار 18,500 سنة.

وقد أظهرت عملية إعادة التصور هذه أن معدل هطول الأمطار في فصل الصيف لم يطرأ عليه نسبيًّا أي تغيير طوال الفترة بأكملها، ويُستدلُّ من ذلك على  أن الرياح الموسمية لم يكن لها تأثيرٌ في اخضرار الجزء الشمالي من الصحراء الكبرى، وعلى النقيض من ذلك، ازداد معدل هطول الأمطار في فصلي الشتاء والربيع بنحو 30% في الفترة ما بين 14,000 و9,500 سنة مضت، وبلغ ذروته في الفترة ما بين 10,500 و8,500 سنة مضت.

ويعتقد شدادي أن المعدل المرتفع لهطول الأمطار في فصل الشتاء ربما يكون قد شهد انخفاضًا في شمال أفريقيا نتيجةً لتناقص كميات الإشعاع الشمسي التي تعرَّض لها نصف الكرة الشمالي في فصل الشتاء.

يرى الباحثون أن الصحراء الكبرى الخضراء تُعد "مثالًا على التغيُّر البيئي المتطرف، وهو ما يُسلِّط الضوء على الحساسية الاستثنائية التي تتسم بها المنطقة، والحاجة إلى تعزيز الفهم بشأن تقلباتها المناخية المائية"، كما يضيفون قائلين إن النتائج التي توصلوا إليها سوف يُستفاد منها في عمليات المحاكاة المستقبلية للتقلبات المناخية في منطقة شمال أفريقيا.