في يوليو 1766، وقف أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها الثالث، توماس جفرسون، وسط الكونجرس مُمسكًا بوثيقة تُعرف باسم "إعلان الاستقلال".

كانت تلك الوثيقة تهدف إلى إعلان استقلال المستعمرات الأمريكية عن الإمبراطورية البريطانية، وكان من ضمن بنودها ما اعتبره الخبراء واللغويون "أكثر العبارات قوةً وترتيبًا في التاريخ الأمريكي"، وتنص على: "نحن نرى أن هذه الحقائق بدهية، إن جميع البشر خُلقوا متساوين، وإنهم وُهبوا من خالقهم حقوقًا غير قابلة للتصرف، وإن من هذه الحقوق حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة".

بعد نحو 80 عامًا على صياغة إعلان الاستقلال، كانت كادي ستانتون -وهي أم لأربعة أطفال، عاشت في شمال نيويورك- واقفةً في حشد كبير، تخطب بصوت حماسي، وتصوغ "إعلان المشاعر والمظالم".

كان هدف "ستانتون" تفعيل ما جاء في "إعلان الاستقلال"، وتحقيق "الحق المقدس للمرأة في العمل وممارسة الحقوق السياسية، كالانتخاب، وتوسيع حقوق المواطنة، ومنح حق التصويت للرجال الأمريكيين من أصل أفريقي".

ناضلت "ستانتون" عقودًا.. وغيرها من المناضلات، حتى حصلت الأمريكيات على حق التصويت غير المشروط، كما أصبحت جانيت بيكرينغ رانكين (11 يونيو 1880-18 مايو 1973) أول امرأة تشغل منصبًا فيدراليًّا في الولايات المتحدة، بعد أن جرى انتخابها في مجلس النواب الأمريكي عضوًا جمهوريًّا عن ولاية مونتانا عام 1916.

كانت "رانكين" تناضل من أجل المرأة.. ولكن على خلاف مسيرة نضال الأمريكيات وغيرهن من النساء في مختلف بلدان العالم، بقيت تلك النظرة المتأصلة التي تناقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل، والتي جعلت السيدات في المرتبة الأدنى؛ فالرجل هو الصياد، والأنثى تجلس في البيت لتطبخ الطرائد وتُربي "الصياد الجديد".

فرضية الرجل الصياد

اتفق المؤرخون والعلماء خلال قرون على أن البشرية اعتمدت على الرجال في عمليات الصيد، في الوقت الذي كانت فيه النساء يتولين عمليات الجمع والالتقاط. إلا أن بحثًا جديدًا نُشر مؤخرًا في دورية "ساينس أدفانس" يؤرخ لحقيقة جديدة. فالنساء كُن صيادات مثل أقرانهن من الرجال.

خلال تنفيذ أعمال الحفريات الأثرية credit: Randall Haas

إذ كشفت بقايا رُفات سيدة تعود إلى 9000 عام، عُثر عليها في جبال الأنديز بأمريكا الجنوبية عن "قصة مختلفة"؛ إذ عثر الباحثون على ذلك الرُفات وبجانبه أدوات احترافية استُخدمت في الصيد.

 يقول باحثو الدراسة إن تلك البقايا تقلب فرضية "الرجل الصياد" الراسخة منذ قرون، رأسًا على عقب. ويعتقدون أن تلك النتائج لها صدى في عصرنا الحالي، خاصةً في ضوء المحادثات المعاصرة حول ممارسات العمل بين الجنسين، وضرورة المساواة بينهما في الحقوق والواجبات.

ففرضية الرجل الصياد قد ينجم عنها الكثير من سوء الفهم. تقول تلك الفرضية إن النساء تفرغن لجمع الفواكه والخضراوات من السهول، وطهو الطعام، في الوقت الذي كان الرجل "القوي" يصيد الحيوانات ويقتل الوحوش في الغابات.

وتدعم تلك الفرضية التمييز بين الجنسين في ممارسات العمل إبَّان مجتمعات "الصيد والجمع"، مما قد يدفع البعض إلى اعتقاد أن عدم المساواة بين الجنسين في أشياء مثل الراتب أو الوظيفة هو "نمط سلوكي موروث" منذ القدم، يحد من الوظائف التي يجب على الإناث العمل بها، ويُعطي درجة أهمية أكبر للذكر الصياد.

لكن من الواضح الآن أن التقسيم الجنسي للعمل في العصور السحيقة ومجتمعات الصيد والجمع والالتقاط كان مختلفًا اختلافًا جوهريًّا، وربما كان أكثر إنصافًا من عصرنا الحالي.

الاكتشاف المفاجئ

في عام 2018، خلال تنفيذ أعمال الحفريات الأثرية في موقع مرتفع فيما يُعرف الآن بـ"بيرو"، وجد الباحثون مقبرةً تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، تحتوي على مجموعة من أدوات الصيد ذات الأحرف والأسنان -نقاط المقذوفات- وأدوات أخرى لمعالجة لحوم الطرائد من الحيوانات.

يقول الباحثون إن الأشياء التي تُصاحب المتوفَّى غالبًا هي عينها تلك التي استخدمها في حياته. وبالتالي فأدوات الصيد كانت في الغالب لتلك الأنثى التي عاشت قبل آلاف السنين.

أدى ذلك الاكتشاف المفاجئ لدفن إحدى الصيادات في وقت مبكر إلى تساؤل الفريق البحثي عما إذا كانت جزءًا من نمط أوسع من الصيادات الإناث، أم أنها مجرد حالة فردية واحدة لأنثى ربما تمردت على عادات المجتمعات البدائية، وفضلت أن تصطاد الفرائس شأنها شأن الرجال.

بالنظر إلى السجلات المنشورة لمدافن أواخر العصر البليستوسيني وأوائل عصر الهولوسين في جميع أنحاء أمريكا الشمالية والجنوبية، حدد الباحثون 429 فردًا من 107 مواقع. من بين هؤلاء، كان 27 فردًا مرتبطين بأدوات الصيد الكبيرة- 11 من الإناث و16 من الذكور.

قال الباحثون إن تلك النسبة كانت كافيةً لتسويغ الاستنتاج بأن مشاركة الإناث في الصيد المبكر كانت على الأرجح مشاركةً غير فعالة.

وقالت الدراسة إن التحليل الإحصائي يُظهر أن الإناث مثَّلت ما بين 30 إلى 50 في المئة من الصيادين في هذه المجموعات.

وأوضح الباحثون أن هذا المستوى من المشاركة يقف في تناقض صارخ مع مجتمعات الصيد وجمع الثمار الحديثة، وحتى المجتمعات الزراعية والرأسمالية، حيث يعتبر الصيد نشاطًا خاصًّا بالذكور مع مشاركة الإناث بنسبة ضئيلة، وبالتأكيد أقل من 30 في المئة.

التقسيم الجنسي للعمل

وبينما يجيب البحث عن سؤال قديم حول التقسيم الجنسي للعمل في المجتمعات البشرية، فإنه يثير أيضًا بعض الأسئلة الجديدة. يرغب الفريق الآن في فهم كيف تغيَّر التقسيم الجنسي للعمل وعواقبه في أوقات وأماكن مختلفة بين مجتمعات الصيد والجمع في كلٍّ من أمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية.

يقول عالِم الآثار وأستاذ الأنثروبولوجيا المساعد في جامعة كاليفورنيا، راندال هاس -وهو مؤلف الدراسة: إن فكرة الدراسة بدأت كجزء من جهد واسع لفهم كيف تكيَّف البشر الأوائل مع بيئة جبال الأنديز الصعبة، مشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن كيفية تنظيم العمل في المجتمعات البشرية القديمة جزءٌ مهمٌّ من محاولات الإجابة عن ذلك السؤال.

 "على الرغم من أننا لم نتوقع هذا الدليل الواضح على صيد النساء للطرائد الكبيرة، ذهبتُ مثل معظم علماء الأنثروبولوجيا إلى هذه الدراسة معتقدًا أن صيد ذلك النوع من الطرائد كان نشاطًا حكرًا على الذكور في مجتمعات الصيادين"، يقول "هاس"، لكن الأحافير والرفات التي حللها الفريق "كانت بمنزلة المفاجأة.. فالنساء شاركن في صيد الحيوانات الكبيرة".

تقييم شامل لبقايا الأسنان

على الرغم من أن معالجة رُفات البشر الأوائل وأدواتهم أمرٌ معقد، فإن معظم العلماء يتفقون على أن الأدوات المدفونة في المقابر تخص أصحابها في أثناء الحياة.

يقبل العلماء بشكل عام ارتباط المقذوفات بمقابر الذكور كدليل على أن الذكر المدفون كان يُمارس الصيد، إلا أنهم كانوا أقل استعدادًا للاعتراف بأن المقذوفات الموجودة في مدافن الإناث هي أيضًا أدوات استخدمتها تلك الأنثى في الصيد.

فبعض العلماء يُفسر وجود تلك الأدوات بكونها أدوات مختلطة جاءت من مقبرة أخرى أو تخص شخصًا آخر، ويذهب بعضهم إلى القول إن تلك الأداة ربما استُخدمت في قتل الأنثى. إلا أن سلامة المقبرة المُكتشَفة مؤخرًا، وبُعدها عن المقابر الأخرى جعلت تلك التفسيرات غير محتملة. "إذًا فتلك المرأة كانت صيادة.. وربما كانت صيادةً ماهرةً أيضًا".. يقول "هاس".. لكن، كيف تعرَّف الباحثون على جنس صاحب أو صاحبة تلك البقايا من الأساس؟

يقول "هاس": إن الفريق العلمي أجرى في البداية عمليات الاستطلاع السطحي، ثم بدأوا الحفر يدويًّا، بعد ذلك استخدموا المسح التصويري الأرضي لتوثيق حالة الدفن وهياكل البقايا.

جرى تقدير أعمار الأفراد وجنسهم باستخدام طرق العظام القياسية وطريقة مينا الأسنان، "بالنسبة للعمر أجرينا قياسًا مباشرًا باستخدام تقنية الكربون المُشع"، أما فيما يتعلق بتحديد الجنس، فقد استخدم العلماء طريقةً أخرى ذكية بحق.

في عام 2010، نشر علماء دراسة هدفها تقديم أطلس كامل وشامل لتقدير العمر في الحفريات باستخدام معلومات عن نمو الأسنان. وقبلها بعام واحد نشر آخرون بحثًا يُحدد نوع الفرد بناءً على نسبة بروتين في الأسنان يُسمي "الأميلوجينين".

يقول "هاس": إن الفريق استخدم الطرق الواردة في الدراستين لعمل تقييم شامل لبقايا الأسنان، "تمكنَّا من إثبات أن تلك البقايا تخص شابةً في عقدها الثاني.. أنثى كانت تصطاد".

سد جميع الثغرات

لا تخفي الباحثة في مجال الآثار بجامعة كامبريدج، راشيل ريكين، سعادتها بما توصلت إليه تلك الدراسة، التي تصفها بـ"الورقة التي تغير مسار فهمنا للتاريخ الإنساني".

تقول "ريكين": إن أدبيات علم الآثار ظلت عقودًا "مؤمنة" بفرضية الرجل الصياد، "وكأن قدَر النساء كان الجمع والالتقاط". إلا أن الدراسة الجديدة قدمت "أدلة مهمة على خطأ ذلك الزعم".

فالباحثون -والكلام لا يزال لريكين- قاموا بسد "جميع الثغرات" التي يُمكن أن يدخل منها أنصار فرضية الرجل الصياد، "نرى هنا تحليلًا باستخدام تقنيات عالية الموثوقية.. أدلة مرتَّبة غير قابلة للدحض وتنتشر في نطاق مكاني موسع"، وهي أمورٌ لا يُمكن إهمالها بأيّ شكل من الأشكال.

"أعتقد أن هذه النتائج ستشجع علماء الأنثروبولوجيا على التفكير بشكل مختلف حول تنظيم العمل المبكر بين الصيادين وجامعي الثمار، وآمل أن تشجع على المزيد من البحث؛ لفهم متى وأين ولماذا تنوَّع تنظيم العمل بشكل أفضل".. تقول "ريكين"، مشيرةً إلى أن الرسالة الأهم لتلك الدراسة هي "تسليط الضوء على حقيقة أن التفاوتات في العمل بين الجنسين كالفجوات في الأجور والمناصب، قد لا تكون موروثةً من أجدادنا كما يزعم البعض".