يُحكى عن حاتم الطائي أن امرأةً أتت إليه تشكو جوع أطفالها في ليلة لم يجد فيها "الطائي" شيئًا يطعم به أطفاله، قال "الطائي" للمرأة: اذهبي وأحضري أطفالك، ولن يذهبوا إلا بعدما ينالوا الشبع.

عندما سمعت زوجة "الطائي" كلماته للمرأة تساءلت: من أين ستطعم أطفال تلك المرأة وأطفالك أنفسهم ناموا هربًا من الجوع؟ فأجابها: لن ترحل المرأة إلا بعد أن يشبع أطفالك وأطفالها، وبمجرد عودة المرأة هب "الطائي" ليذبح فرسه ويشويه ويطعم به أطفال المرأة وأطفال قبيلته كلهم قبل أطفاله.

الموقف السابق –وغيره من المواقف- ربط بين شخصيات مثل "الطائي" والرغبة في العطاء، تاركًا وراءه الكثير من علامات الاستفهام حول الأسباب التي تدفع بالمرء دفعًا نحو العطاء.

أجابت دراسة نشرتها مجلة "ساينس أدفانسز" (Science Advances) مؤخرًا عن بعض علامات الاستفهام تلك، مشيرةً إلى أن "هناك أربعة دوافع تحفز الشخص على التبادلية أو المعاملة بالمثل بصورة تجعل سلوكه يميل أكثر نحو السخاء والكرم والعطاء.

إن الدافع الأول، وفق الدراسة، يتمثل فيما وصفه الباحثون بـ"التبادلية المباشرة"، التي اعتبروها المحرك الأول لسلوك العطاء؛ إذ ينتظر الشخص من الطرف الآخر أن يعامله بالمثل –بشكل مباشر- وأن يكون سخيًّا معه بالقدر نفسه الذي عامله به؛ فعندما عَلِم المشارك "ب" أن المشارك "أ" سيكافئه على عطائه مباشرة، تزايدت رغبته في العطاء، وكان هذا الدافع حاضرًا بشكل قوي في كل الظروف التي جرى اختبار المشاركين فيها عبر سيناريوهات مختلفة. كما أدى هذا الحافز دورًا في تحديد حجم ما قد يمنحه المشارك لقرينه؛ إذ لاحظ الباحثون أن على "الشخص أن يقدم مكافأة كافية أو لا يقدم أي شيء على الإطلاق"؛ إذ يتوقع مقدم المكافأة أن ينال ما يكافئ عطاءه، وإذا لم تكن المكافأة كافية، فإن عطاءه يقل في المرات التالية.

ويعبر الدافع الثاني -الذي وصفوه بـ"المعاملة العامة بالمثل"- عن تمتُّع الشخص بحافز يدفعه لفعل شيء لطيف لشخص يراه كريمًا تجاه شخص آخر؛ إذ رصد الباحثون أن المعلومات عن مقدار المبلغ الذى يدفعه المشاركان "أ" و"ب" للمشارك "ج" قد تؤثر في قرار الأخير حول مقدار المكافأة التي سيقدمها لمشارك آخر حين يُطلب منه التجاوب في اختبار العطاء؛ فكلما زاد عطاء الآخرين لمشارك آخر، كان عطاؤه للآخرين أكثر.

سمعة العطاء والمكافأة

أما الدافع الثالث -الذي أطلق عليه الباحثون "عطاء السمعة"- فيمكن وصفه بالعطاء من أجل اكتساب السمعة؛ إذ تبيَّن لفريق البحث أن الشخص يمكن أن يعمل عملًا جيدًا في وجود أشخاص في شبكته الاجتماعية قد يكافئون كرمه؛ بحثًا عن الوصول إلى سمعة جيدة بأنه شخص "معطاء".

وبالنسبة للدافع الرابع، الذي أطلق عليه الباحثون "سمعة المكافأة"، فهو يعكس سخاء شخص تجاه مجموعة من الأشخاص لأنه صادف هذا السلوك الإنساني في تعامله مع أناس آخرين، فقد جرى تزويد المبحوثين بمعلومات عن عطاء الآخرين. فمثلًا أُعطيَ المشارك "ب" بيانات عما قدمه المشارك "أ" لكلٍّ من المشاركين "ج" و"د" قبل أن يتخذ قراره بخصوص مقدار عطائه للآخرين. وقد تَبيَّن أنه كلما زاد متغير العطاء الذي يمنحه المشارك "أ" للمشاركين، انعكس ذلك بالزيادة على عطاء المشارك "ب".

يقول ديفيد ميلاميد -الأستاذ المشارك في علم الاجتماع بجامعة ولاية أوهايو، والباحث الرئيسي للدراسة- في البيان الصحفي المصاحب للدراسة: "إن الناس اختاروا بشكل كبير أن يكونوا كرماء مع الآخرين حتى لو كانوا غرباء عنهم، كما يميل الناس إلى أن يساعد بعضهم بعضًا حتى لو كلَّفهم ذلك شيئًا ما، وحتى لو بدت تلك الدوافع وكأن بعضها يزاحم بعضًا أو لا يتسق بعضها مع بعض".

التبادلية أو المعاملة بالمثل

تُعرف "المعاملة بالمثل" -أو التبادلية- بأنها "سلوك يحدث عندما يقدِّم شخصان أو مجموعات من الناس مساعدة أو ميزات بعضهم لبعض"، أو بأنها "الرد على فعل إيجابي بفعل إيجابي آخر كنوع من المكافأة".

ويُعد السلوك الإيجابي مفارقةً علمية؛ لأنه غالبًا ما يكلف صاحبه التنازل عن جزء من أسباب رفاهيته لصالح الآخرين. وتشير نماذج نظرية إلى أن الإيجابية تجاه الآخرين تكون مدفوعةً بعدة أشكال أخرى مما يُعرف بالمعاملة بالمثل. وعلى الرغم من أننا نعرف الكثير عن كيفية عمل كلٍّ من هذه الأشكال المختلفة بمعزل عن غيره، إلا أن هذه الأشكال نادرًا ما تعمل في العالم الحقيقي منفردة. وتُظهر نتائج هذه التجربة أن كل أساس من المعاملة البشرية بالمثل قوي بشكل ملحوظ لوجود أسس أخرى ترتبط به. الأمر الذي يعطي دعمًا قويًّا للنماذج الموجودة من الإيجابية، ويضع النظرية على أرض أكثر صلابةً في شرح المستويات العالية من الإيجابية التى لوحظت في الشبكات الاجتماعية البشرية. سعت هذه الدراسة لمعرفة آثار هذه الدوافع عندما يتم دمجها معًا كما هو الحال في العالم الحقيقي؛ إذ يتخذ الناس خيارات تتعلق بهذه السلوكيات عند تعامُلهم معًا.

يضرب "ميلاميد" مثلًا على ذلك نعيشه الآن، وكما جاء في بيان صحفي مصاحب للدراسة: "أحد الأمثلة على ذلك هو ارتداؤك لقناع الوجه في الأماكن العامة. إنه يُعد تكلفةً يدفعها الشخص من رفاهيته؛ إذ إنه غير مريح. لكنه يُسهم عبر ارتدائه في الصالح العام؛ لمنعه انتشار فيروس كورونا".

في هذا الإطار، أخضع الباحثون للدراسة التي أُجريت عبر الإنترنت 700 مشارك، وتم منح أفراد العينة 10 نقاط افتراضية أُعطيتْ قيمًا نقدية، وطُلب من المبحوثين أن يهبوها لأشخاص آخرين، ثم ابتكر الباحثون سيناريوهات مختلفة جمعت واحدًا أو أربعة من المحفزات المحتملة للعطاء.

يضيف "ميلاميد": كنا نعتقد أن الناس لديهم تحيُّز للذات فيما يخص التصرُّف بنوع من العطاء تجاه الآخرين، بمعنى أن الفرد قد يفكر بطريقة أنه (إذا فعلتَ شيئًا جيدًا بالنسبة لي، فقد أقدِّر ذلك أكثر مما لو رأيتك تفعل شيئًا لطيفًا لشخص آخر). لكننا وجدنا أن جميع المحفزات لا تزال تظهر كمؤشرات تنبئ بالطريقة التي تجعل الشخص يقدم شكلًا من العطاء لشخص آخر، بغض النظر عن كيفية الجمع بين المحفزات المختلفة.

الكرم مقياسًا

من جهته، يقول برنت سيمبسون -رئيس قسم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم بجامعة "ساوث كارولينا"، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": من السهل افتراض أن التبادلية ليست شائعة جدًّا، وأن الناس يبحثون عن أنفسهم فقط، خاصةً عندما يكون لديهم علاقات أخرى يجب الاهتمام بها. لكن نتائج الدراسة تُظهر أنه حتى مع مراعاة العلاقات المتبادلة المباشرة والالتزامات التي تنطوي عليها، لا يزال الناس يميلون إلى الكرم تجاه الغرباء.

ويوضح "سيمبسون" أن "مقياس الكرم في الدراسة تَمثَّل في عدد الرموز الثمينة (أي المال) التي تبادلها المشاركون في الدراسة معًا، وقد قمنا بتحديد الدوافع التي تدفع الأفراد إلى فعل هذا السلوك الاجتماعي الإيجابي".

ويتابع: على سبيل المثال، تخيل أنك تعمل ضمن مؤسسةٍ ما، وفي أحد الأيام، قدمت فتاة تُدعى "سارة" شيئًا ما لك، مثل أن تقترح عليك فقرةً ما كمقدمة لقصة تكتبها، ثم تزوِّدك فتاة أخرى تُدعى "مونيكا" بمصدر مهم لكتابة قصتك، وفي هذه الأثناء، يجمع زميل آخر يدعى "بوب" أموالًا لإقامة حفل لطيف من أجل الاحتفال بعيد ميلاد زميل لكم في المكتب يُدعى "مارك"، قد تقدم كل هذه الأحداث فرصًا فريدة لمساعدة شخصٍ ما. فعلى سبيل المثال، إذا احتاجت "سارة" إلى المساعدة في صياغة قصة تعمل عليها، فمن المحتمل أن توافق أنت –بعد كل ما قُدِّم لك- على مساعدتها في إطار المعاملة المباشرة بالمثل أو "التبادلية المباشرة".

يضيف "سيمبسون": لحسن الحظ، توصلنا إلى وجود قواعد متعددة من التبادلية لا تزيد من أهمية دافعٍ ما على حساب الدوافع الأخرى. فلأن "مونيكا" ساعدتك كثيرًا، فإنك تشعر بالامتنان، وقد تساعد شخصًا ما تصادفه في أثناء عودتك من العمل إلى المنزل (وهو ما يمكن أن نطلق عليه تمرير المساعدة أو المعاملة العامة بالمثل)، ولكنك تضع في اعتبارك أيضًا كرم "بوب" تجاه "مارك"، فيما يمكن أن نطلق عليه "مكافأة السمعة الطيبة"، وهكذا.

من جهته، يشير "قياتي عاشور" -مدرس مساعد علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة بني سويف- إلى أن "السلوك الاجتماعي الإيجابي يشمل أنواعًا مختلفة من السلوكيات، مثل الإيثار والتعاطف والتسامح ومساعدة الآخرين وتفهُّم مشاعرهم، والمحك الأساسي في هذا النمط من السلوك أن فاعله يعمل شيئًا ما لشخصٍ آخر دون توقُّع أي مكافآت أو مقابل مادي أو معنوي".

وفي هذا الإطار، تُظهر نتائج أطروحة أخرى أُجريت على حوالي 100 طفل في سن الرضاعة، يبلغ عمر الواحد منهم 19 شهرًا، إلى أن سمات مثل الكرم والإيثار تبدأ لدى البشر في مرحلة الطفولة المبكرة، وأن الأطفال يتمتعون بمرونة كبيرة في التخلي عن طعامهم وتقديمه للغرباء، فقد يقدمون مثلًا وجبة لذيذة لشخص غريب احتاج إليها بالرغم من أنهم جائعون. وتشدد نتائج الدراسة على أن ذلك يمكن أن يزود الأطفال بسِمة الإيثار في سن مبكرة.

كما تتفق الدراسة في جزءٍ منها مع ما خلص إليه بحث أجراه باحثون من جامعة "بنسلفانيا" على أهالي قبيلة "هادزا"، التي يعيش أفرادها حياةً بدائيةً على ضفاف بحيرة "إياس" شمالي تنزانيا؛ إذ توصل الباحثون إلى أن "الطبيعة المرنة للتعاون البشري أشبه بالعدوى التي تنتقل بين البشر، فعندما يكون لدى المرء استعدادٌ للتعاون والعطاء والتبادلية والكرم، فإنه قد يصيب مَن حوله بعدوى الرغبة في فعل تلك السلوكيات الإيجابية".

يعلق "ميلاميد": في العالم الواقعي، نجد أن الظروف التي تجعل الناس لطفاء معًا ليست معزولة؛ فالناس منخرطون في شبكاتهم، ويمارسون حياتهم اليومية، ويتواصلون مع الأشياء التي تؤثر على قراراتهم، وتُظهر هذه التجارب أن جميع الدوافع الأربعة تعمل معًا، وإذا كنت ترغب في تعظيم سلوك إيجابي، فستكون رائعةً حقًّا رؤيته وهو يتحقق.

انتقادات

لكن "عاشور" يوجه بعض الانتقادات للدوافع التي تحدثت عنها الدراسة، مضيفًا: "إذا ارتبط فعلُ شخصٍ لسلوك اجتماعي إيجابي بانتظار الحصول على مقابل، فإن هذا لا يُعد سلوكًا اجتماعيًّا إيجابيًّا في هذه الحالة، فضلًا عن أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يميل إلى التفاعل مع الآخرين، ويظهر ذلك جليًّا في المبادرات المجتمعية وأنشطة المجتمع المدني وفعالياته من حملات التطوع وغيرها".

كما يتحفظ "عاشور" على إمكانية تعميم نتائج الدراسة على مجتمعات أخرى، قائلًا: "هناك سياق اجتماعي قد تتأثر به أيضًا هذه الدوافع الاجتماعية، وقد تختلف هذه المُخرَجات وفق ظروف كل مجتمع، بل حتى داخل المجتمع ذاته".

وهو ما يعلق عليه "ميلاميد" بقوله: النتائج التي توصلنا إليها قد تساعدنا على فهم التنوع اللافت للسلوك الاجتماعي الذي نراه في البشر، وهناك حاجة إلى مزيد من الدراسات التي تشمل شخصيات من مجتمعات وبيئات مختلفة.