حين تحاول إخراج قليل من الكاتشب من زجاجة ذات فوهة واسعة، قد تُلاحظ أن سلوك تدفق الكاتشب غريب؛ إذ لا ينسكب الكاتشب بانتظام من زجاجته، وعوضًا عن ذلك يخرج فيما يُشبه الكُتل، وينسكب جزء كبير منه على غير إرادتك.

تُعرف الظاهرة بـ"ترقق القص"، وهو مصطلح يصف سلوك السوائل غير النيوتونية، وهي السوائل التي لا تتبع قانون اللزوجة لنيوتن؛ إذ تتغير لزوجتها وفقًا للقوى المؤثرة عليها، فمثلًا تقل لزوجة الكاتشب عند رج زجاجته، في حين لا تتأثر لزوجة الماء -كسائل نيوتوني- بأيّ قوى في الظروف العادية.

ومن ضمن السوائل غير النيوتونية محاليل البوليمر، وهي سوائل تحتوي على بوليمرات مذابة، ويكتنف تلك المحاليل لغز عمره 54 عامًا؛ إذ تتباطأ بشكل غريب تحت الضغط عند التدفق عبر مواد مسامية مثل التربة والصخور الرسوبية، إلا أن باحثي جامعة "برينستون" تمكنوا من حل ذلك اللغز، وهو أمرٌ سيكون له بالغ الأثر في تحسين العديد من العمليات المهمة في قطاعات الطاقة والبيئة والصناعة، بدايةً من استخراج النفط الصخري ووصولًا إلى معالجة المياه الجوفية.

يشير كريستوفر براون –طالب الدكتوراة بجامعة "برينستون"، والمؤلف المشارك في الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس أدفانسز"- إلى أن "تدفق محاليل البوليمر في الوسط المسامي أمرٌ بالغ الأهمية في العديد من العمليات المهمة المتعلقة بالطاقة والبيئة والصناعة، ومع ذلك فإن مقدار المقاومة الواقع على تلك المحاليل في أثناء تدفقها ظل غير متوقعًا، مما يُجبر المهندسين على استخدام طريقة التجربة والخطأ في الموقع، ما يُعطل العمل في بعض الأحيان".

عادةً، عندما يتم تطبيق ضغط على محاليل البوليمر، تصبح أقل لزوجةً وتتدفق بشكل أسرع، ولكن عند المرور بمواد فيها الكثير من الثقوب والقنوات الصغيرة، فإن المحاليل تميل إلى أن تصبح أكثر لزوجة، مما يقلل من معدلات تدفقها.

يقول "براون" في تصريحات لـ"للعلم": إن مقاومة التدفق -بسبب اللزوجة- تزداد بشكل غير طبيعي وتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 400٪، وظل تفسير هذه الظاهرة لغزًا لأكثر من 50 عامًا، لكن من خلال الجمع بين تقنيات التصنيع والتصوير والتحليل الجديدة، أظهرنا بشكل مباشر لأول مرة أن مقاومة التدفق الشاذة هذه ناتجة مباشرةً عن عدم استقرار التدفق (المعروف باسم الاضطراب المرن)، الذي يصبح فيه التدفق فوضويًّا مدفوعًا بمرونة البوليمر.

للوصول إلى جذر المشكلة، ابتكر باحثو جامعة برينستون تجربةً مبتكرةً باستخدام وسط مسامي شفاف مصنوع من خرز زجاجي صغير يُشبه صخرةً اصطناعيةً شفافة، سمح هذا الوسط الواضح للباحثين بتصور حركة محلول البوليمر، وكشفت التجربة أن الزيادة المحيرة لفترة طويلة في اللزوجة في الوسائط المسامية تحدث لأن تدفق محلول البوليمر يصبح فوضويًّا، مثل الهواء المضطرب على متن الطائرة، حيث يدور السائل حول نفسه، مكونًا اضطرابًا يُسبب زيادة اللزوجة.

بعد ذلك، قام الباحثون بتطوير أول نموذج فيزيائي قادر على التنبؤ الكمي بهذه الزيادة الشاذة في مقاومة التدفق، وبالتالي توفر هذه الأفكار مبادئ كميةً للتنبؤ والتحكم في تدفق محلول البوليمر في الوسائط المسامية، وهو أمرٌ سيكون له أثرٌ كبيرٌ في مجموعة من التطبيقات تشمل استعادة النفط الصخري، ومعالجة المياه الجوفية، والطباعة ثلاثية الأبعاد والفصل الكروماتوغرافي (فصل المواد الكيميائية المختلفة وتنقيتها).

بالنظر إلى أن اللزوجة من أكثر العوامل الأساسية لتدفق السوائل، فإن النتائج لا تساعد فقط في تعميق فهم تدفقات محلول البوليمر والتدفقات الفوضوية بشكل عام، بل توفر أيضًا إرشاداتٍ كميةً لمجموعة من التطبيقات على نطاقات واسعة في العديد من المجالات.

فالعديد من العمليات المتعلقة بالبيئة والطاقة تشمل حَقن الماء في خزان مسامي تحت السطح، إما لاستخراج الموارد أو لتنظيف الملوثات، وللتحكم في التدفق، غالبًا ما يضيف المهندسون كمياتٍ مخففةً من البوليمرات -وهي جزيئات شبيهة بسلسلة طويلة لها وحدات كيميائية متكررة- تضفي خصائص لزجة على السائل، لذا فإن اكتشاف سبب مقاومة التدفق في المحاليل البوليميرية يُمكن أن يساعد في تلك العمليات.