من المعروف أن النوم الجيد يعني صحةً أفضل، لكن قد يعاني البعض من القلق واضطرابات النوم في فترات معينة لأسباب عديدة، ومع ذلك فإن البيولوجيا العصبية التي تربط بين اضطرابات المزاج والتغيرات في إيقاع الساعة البيولوجية ودورة النوم والاستيقاظ لا تزال غامضة، ما دفع الباحثين من جميع أنحاء العالم لمحاولة كشف أسرار الآليات العصبية التي تحقق الترابط بين هذه العمليات.

للمرة الأولى تمكن باحثون من جامعة "نيويورك أبو ظبي" من تطوير نموذج حيواني لإيضاح كيف يمكن لأنماط النوم غير الطبيعية أن تكون مؤشرًا لزيادة قابلية الإصابة بـ"إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن".

وتوصلت الدراسة الجديدة التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن نيوروساينس" (Frontiers in Neuroscience) لنتائج من شأنها توجيه تطوير اختبارات النوم التي يمكن أن تساعد في تحديد الأشخاص الأكثر عرضةً للشعور بالإجهاد والتوتر مستقبلًا.

استخدم الباحثون في تجاربهم -التي أُجريت في مختبر النظم العصبية والسلوك بجامعة نيويورك أبو ظبي بقيادة الباحثة المصرية "بسمة رضوان"- نموذج فئران مع تسجيلات مخطط كهربية الدماغ (EEG) لقياس نشاط الدماغ في أثناء النوم، في محاولة لاكتشاف كيف تؤدي الاضطرابات في نوم حركة العين غير السريعة (NREM) إلى زيادة التعرُّض للإجهاد في المستقبل.

صنَّف الباحثون السلوك الاجتماعي للفئران بعد تعرُّضها للإجهاد إلى نمطين رئيسيين: فئران لا تجيد التعامل مع التوتر (حساسة)، وفئران تجيد التعامل مع التوتر (مقاومة للتوتر).

ونوم حركة العين غير السريعة هو الاسم الذي يُطلق على أولى مراحل النوم، التي تبدأ بنوم خفيف ثم نوم عميق، وتنتهي بعد 90 دقيقةً من بداية النوم لتبدأ مرحلة نوم حركة العين السريعة المميزة بالأحلام التي نراها في أثناء النوم.

قيَّم الباحثون خصائص النوم لكلٍّ من الفئران الحساسة للتوتر والفئران المقاومة للتوتر قبل المعاناة من إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن (CSD) وبعدها.

يقول ديبيش شودري -أستاذ علم الأحياء بجامعة نيويورك أبو ظبي، والباحث المُشرف على الدراسة- في تصريحات لمجلة "للعلم": يُعَدُّ إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن نموذجًا للضغط على القوارض؛ إذ يتعرَّض الفأر للإجهاد البدني والحسي على مدار عدة أيام، ثم نقيس مدى رغبة الفئران في التفاعل الاجتماعي مع فأر آخر بعد  التعرُّض لهذا النوع من الإجهاد، وذلك من خلال اختبار التفاعُل الاجتماعي (SI).

تُعَدُّ الفئران حيوانات اجتماعية نموذجية، لذلك إذا وضعت فأرًا صغيرًا في ساحة مع فأر آخر، فسوف ترغب في قضاء بعض الوقت في التفاعُل معه، ولكن أظهرت الدراسة أن الفئران الحساسة للضغط أصبحت غير اجتماعية، ولا تحب قضاء الوقت مع الفئران الأخرى بعد تعرُّضها لهذا النوع من الإجهاد، وعلى النقيض، فإن الفئران المقاومة للتوتر لا تزال اجتماعية.

ساعدت البيانات التي جمعها الباحثون قبل المعاناة من "إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن" في التنبؤ بقابلية التعرُّض للإجهاد والتوتر لدى الفئران بدقة تزيد على 80%، والمثير في الأمر أن الفئران الحساسة للتوتر كانت تعاني من النوم المتقطع وسمات تشبه الأرق حتى قبل التعرُّض لـ"إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن"، وتدهور الوضع أكثر بعد المعاناة من الإجهاد؛ إذ زاد خلل النوم بالإضافة إلى خلل في التوازن الداخلي للجسم.

وأظهرت الدراسة أن التوتر لا يسبب اضطرابات النوم فحسب، ولكن اضطرابات النوم قد تكون سببًا للعديد من الاضطرابات المتعلقة بالتوتر كذلك، ويعتقد الباحثون أن النشاط غير الطبيعي في مناطق الدماغ المؤثرة على المزاج يؤثر أيضًا على أنماط النوم.

يقول "شودري": أظهرت الأدلة الحديثة من مختبرات متعددة أن مناطق الدماغ التي تنظم دورة النوم والاستيقاظ تنظم أيضًا الحالة المزاجية، مما يسلط الضوء على  الارتباط بين المزاج والنوم.

يوضح"شودري": قد تتيح النتائج التي توصلنا إليها استخدام أنماط النوم في مخطط كهربية الدماغ (اختبار يكتشف النشاط الكهربائي في الدماغ باستخدام أقراص معدنية صغيرة متصلة بفروة الرأس، بحيث تتواصل خلايا الدماغ عبر النبضات الكهربائية وتنشط طوال الوقت حتى عندما يكون الشخص نائمًا) لفحص الأشخاص الذين قد يتعرضون لضغط شديد في أثناء العمل مثل  رجال الإطفاء والمساعدين الطبيين والجنود، وذلك من خلال توفير علامات بسيطة لقابلية تحمُّل الضغط، مما قد يساعد في تطوير إستراتيجيات لحماية الأشخاص الأكثر حساسية.

ومع ذلك شدد "شودري" على أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين فعله لفهم البيولوجيا العصبية لأنماط النوم والساعة البيولوجية وعلاقتها بالتوتر، قبل أن نتمكن من تطبيق اختبارات على البشر، وذلك من أجل محاولة تطوير إستراتيجيات علاجية جديدة لعلاج كلٍّ من اضطرابات النوم واضطرابات المزاج المرتبطة بالتوتر.

من جهتها، تشير "رضوان" إلى أنها عملت على هذا المشروع لمدة خمس سنوات وتنوي الاستمرار في أبحاثها في ذلك المسار، مضيفةً أن "الفريق البحثي يخطط لإجراء دراسات فسيولوجية وجزيئية لاستكشاف الآليات البيولوجية التي تربط التوتر بدورة النوم والاستيقاظ".