رغم أن النظم البيئية للمياه العذبة تشكل أقل من 1% من سطح الأرض، إلا أنها تستضيف ما يقرب من 10٪ من جميع الأنواع المعروفة، ويتضمن ذلك ثلث جميع الكائنات الفقارية. كما أنها بين أكثر النظم البيئية تعرُّضًا للتهديد؛ إذ تعاني من انخفاضات تقارب ضِعف معدلها في النظم البيئية الأرضية أو البحرية، وفقًا لتقرير الكوكب الحي لعام 2020، الذي نُشر الشهر الماضي. فعلى مدار الخمسين عامًا الماضية، انخفض عدد الأحياء الفقارية في المياه العذبة بنسبة 83٪، في مقابل نحو 40٪ في أعداد الأحياء الفقارية الأرضية خلال الفترة ذاتها.

يوضح أيان هاريسون -الخبير في أنظمة المياه العذبة بمنظمة "كونسرفيشن إنترناشونال"- أن المقصود بالنظم المائية هو نظم المياه الداخلية غير المالحة، وذلك يتضمن الأنهار الكبيرة جدًّا مثل الأمازون والنيل، والجداول الصغيرة، والبحيرات العذبة الكبيرة، والبرك الصغيرة، والمستنقعات الصغيرة أو الكبيرة، أو غيرها من الأراضي الرطبة.

"لذلك، عندما نشير إلى النظم الإيكولوجية للمياه العذبة، فإننا نشير أساسًا إلى أي نوع من الأنظمة التي تتدفق المياه من خلالها أو تكون ثابتةً داخلها، ويمكن أن تكون هذه الأنظمة رطبةً بشكل دائم، أو موسميًّا فقط".. كما يقول "هاريسون" في تصريح لـ"للعلم". 

وتميل إستراتيجيات الحماية والحفظ التي تتبعها دول العالم إلى منح الأولوية للنظم الإيكولوجية الأرضية، كالغابات على سبيل المثال، والأحياء التي تعيش فيها، والتغاضي كثيرًا فيما يتعلق بإجراءات الحفاظ على التنوع البيولوجي في المياه العذبة. رغم أن الأخيرة تتدفق على الأغلب عبر الأماكن الطبيعية الأرضية، ويمكنها أن تؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم المناخ وكمصدر للغذاء والوقود للسكان المحليين. ما دعا البعض للمطالبة بدمج النظم البيئية للمياه العذبة في مخططات الحفظ للنظم الأرضية. تلك هي الرسالة التي أراد فريق دولي من علماء البيئة، يضم باحثين من جامعات بريطانية وبرازيلية، إيصالها عبر نتائج دراستهم المنشورة حديثًا في دورية "ساينس".

يرى الفريق البحثي للدراسة أنه يمكن جني الكثير من المكاسب من خلال دمج نظم المياه العذبة إلى النظم الأرضية في التخطيط، ما يتوقع له أن يزيد من كفاءة الأولى، وينقذ آلاف الأنواع التي تعيش فيها، دون تقويض أهداف الحفظ للنظم الأرضية. 

أجرى الفريق البحثي الدراسة التطبيقية على نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، حيث أجروا مسحًا واسعًا للتنوع البيولوجي للأنظمة البيئية الأرضية والمائية على السواء، وتقييمًا لأكثر من 1500 نوع، يتضمن النباتات والطيور، بهدف تقدير مدى جودة حماية أنواع المياه العذبة من خلال جهود الحفظ الموجهة إلى الأنواع البرية.

تدهور النظم المائية

وتعاني النظم البيئية للمياه العذبة تراجُعًا حادًّا في أعداد الأحياء الفقارية التي تعيش فيها، وهو ما تُرجعه الدراسة إلى مجموعة من المسبِّبات، منها الاستغلال المفرط، وفقدان الموائل وتدهورها، وتعديل حركة تدفق الأنهار، وإدخال أنواع غازية غير محلية. بالإضافة إلى زيادة تأثيرات تغيُّر المناخ، والجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي تنتج عن الأنشطة البشرية.

ويُستخدم مصطلح التلوث بالنفايات البلاستيكية الدقيقة في الأدبيات العلمية وفق دورية "ساينس" لوصف التلوث الناجم عن انتشار الأجزاء البلاستيكية الدقيقة الأصغر من 5 ملليمترات في البيئات البحرية.

ويُعد نهر النيل في أفريقيا أحد الأنهار العشرة الرئيسية التي تُلقي بالحمولة الرئيسية من المخلفات البلاستيكية الدقيقة في البحار المفتوحة. ففي مصر، على سبيل المثال، يتم تفريغ أكثر من 80٪ من النفايات الصلبة في المسطحات المائية، وفق دراسة نُشرت في مايو 2019 في مجلة التلوث البحري "مارين بوليوشن بوليتن".

على جانب آخر، يشرح أيان هاريسون، وهو غير مشارك في الدراسة، بعض عوامل الخطر الأخرى، مبينًا أن الأنواع الغازية من الأسماك التي تتفوق على الأنواع الأصلية أو تتميز بنمو أعداد كبيرة وتستقر في قاع الأجسام المائية العذبة، تقتل الكائنات الأخرى الأضعف الموجودة بالقاع. ويمكن للنباتات الغازية أيضًا أن تسد مساحات كبيرة من البحيرات، كما تجلب الأنواع الدخيلة مسبباتٍ جديدةً للأمراض إلى الأنظمة، وتفتقر الأنواع المحلية إلى القدرة على مقاومة الأمراض المرتبطة بها.

خنق الأنهار بالسدود

تمثل الأنهار نظامًا بيئيًّا مهمًّا لحماية التنوع البيولوجي في المياه العذبة، إضافةً إلى ذلك، يُسهم مخزون الأسماك في الأنهار في ضمان الأمن الغذائي لمئات الملايين من الناس. كما تخفف مجاري الأنهار الحرة من حدة آثار الفيضانات، وتُسهم في تعزيز خصوبة التربة من خلال نقل الطمي والمغذيات العضوية من منابع النهر إلى مصبه.

ولكي يقال إن النظام البيئي لنهر من الأنهار يعمل بشكل جيد، يتوقف ذلك على مدى كفاءة التنوع الحيوي بداخله، وجودة المياه، ومنطقة السهل الفيضي المحيطة بمجرى النهر وحجم الغطاء النباتي في المنطقة، بالإضافة إلى حرية حركة النهر وما إذا كانت هناك أي سدود تعوق جريانه، وفقًا لـ"سيسيليا جونتيجو ليل"، خبيرة البيئة في جامعتي ساو باولو ولافراس في البرازيل، والمؤلف الرئيسي للدراسة. 

تشير الباحثة في تصريح لـ"للعلم" عبر تطبيق "سكايب" إلى أنه من مظاهر التدهور في النظام البيئي لنهر النيل، إنشاء السدود الضخمة التي تحد من حركة المياه والأنواع، فضلًا عن الانخفاض الحاد جدًّا في كمية الرواسب التي يمكن أن تنفذ عبر هذه السدود، بما تحويه من مواد عضوية مهمة للأنشطة الزراعية ولحياة الأسماك. 

وقد افتتحت مصر رسميًّا أكبر سدودها -السد العالي، في يناير عام 1971، وهو السد الذي رغم منافعه الكثيرة، إلا أنه حد من إمدادات الرواسب الفيضية للدلتا، وهو ما أثر بشدة على بنيتها، كما عرَّض ساحلها لمخاطر التآكل.

وتسعى إثيوبيا إلى الانتهاء من تشييد "سد النهضة"، الذي يُتوقع أن يكون الأضخم في إفريقيا، في غضون 12 شهرًا، وهو ما تخشى مصر أن يتسبب في مخاطر على أمنها المائي. 

لكن "ليل" توضح أن سد النهضة سيكون له تأثير آخر على النهر ذاته، بحيث يعوق حرية حركة المياه متسببًا في فقد الاتصال بين أجزاء النهر، ومن ثم سيزيد من مشكلة الحد من حركة المياه والأحياء والرواسب بين المنبع والمصب. 

تكشف دراسة نُشرت في مجلة نيتشر في عام 2019، أن السدود والخزانات مساهم رئيسي في فقدان الاتصال في الأنهار العالمية. ووفق الدراسة فإن ما يزيد قليلًا على ثلث أطول الأنهار في العالم (37%) ما زالت تتدفق بحرية، في حين أن 63% من جملة هذه الأنهار يتعرض لإعاقة تدفق المياه في مجراه بسبب السدود والخزانات التي أنشأها الإنسان.

ترى الباحثة أن التركيز على صيانة النظم البيئية الأرضية أكثر من التنوع الأحيائي في المياه العذبة يرجع إلى معرفتنا الضئيلة بالأنواع التي تعيش في المياه العذبة، في مقابل الكثير من المعلومات التي نتحصل عليها بخصوص الأنواع والنظم الأرضية، وبالتالي تتجه الخطط نحو صيانة ما نعرفه بالفعل، أي النظم الأرضية. 

"الحفظ العَرَضي"

لم تتناول الدراسة طرق الحفظ البيئي بالتفصيل، ويقول الباحثون إنها تتوقف على حالة كل نظام مائي وأولوياته. لكن الدراسة تقدم منهجًا يمكن استخدامه كدليل لتحديد المجالات ذات الأولوية في خطط الحفظ، هو طريقة "الحفظ العرضي". ويُقصد بها صيانة جزء من النظام البيئي ومراقبة تأثيرات هذه العملية على المكونات الأخرى من النظام المائي، بالإضافة إلى النظم الأرضية التي تقول الدراسة إنه من خلال التخطيط المتكامل الذي يتضمن معلومات عن كلٍّ من أنواع المياه العذبة واليابسة، يمكن زيادة حماية أنواع المياه العذبة بنسبة تصل إلى 600٪ مع عدم وجود انخفاض في حماية الأنواع البرية تقريبًا (1٪).

أجرى الفريق البحثي للدراسة نماذج للمحاكاة بُغيةَ فهم العلاقة بين مكونات النظم المختلفة، والتحقق من مدى حماية مجموعة من الأنواع، مثل الأسماك، بموجب إستراتيجيات الحفظ الموجهة إلى أنواع أخرى، فلتكن النباتات على سبيل المثال. بمعنى أنه جرى التركيز على عنصر واحد من عناصر النظام، كالنباتات، والعمل على صيانتها، ومن ثم رصد العناصر الأخرى المستفيدة من صيانة هذا العنصر، كالأسماك.

كما أنشأ الباحثون خرائط توزيع الأنواع مع مجموعة من البيانات والمؤشرات حول خصائص البيئة الطبيعية في منطقة مستجمعات المياه، ويُقصد بها المساحة من الأرض التي تتجمع فيها المياه السطحية الناتجة عن هطول الأمطار عند نقطة واحدة منخفضة الارتفاع، تكون عادةً عند مخرج حوض التصريف، حيث تندمج المياه المتجمعة مع كتلة مائية أخرى، مثل مناطق التقاء الأنهار عند المنابع.

لم تُراعِ الدراسة الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية في منطقة مستجمعات المياه، وإنما ركزت على التنوع البيولوجي ونسبة المناظر الطبيعية الأرضية التي يمكن الحفاظ عليها.

وبإدخال بيانات المكون المائي المراد صيانته مع بيانات المناظر الطبيعية في نموذج إحصائي على الكمبيوتر. تبيَّن من التخطيط البيئي المركز على النظم الأرضية تحقيق فوائد محدودة للحفاظ على أنواع المياه العذبة (22٪)، في حين حققت الخطط التي تولي أنواع المياه العذبة الأولوية في الحفظ 70 إلى 96٪ من المنافع للنظم الأرضية. 

"يمكن أن يكون لـ"الحفظ العرضي" فوائد ملموسة للغاية. ويُعد تنفيذ الأساليب المتكاملة كما تمت محاكاتها في الدراسة طريقةً رائعةً لتعظيم فوائد الحفظ عبر كلٍّ من المياه العذبة والأنظمة البيئية الأرضية"، تقول أبيجيل لينتش، الباحثة في علم البيولوجيا في المركز الوطني للتكيف المناخي في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، في تصريح لـ"للعلم". وتضيف أن "هذا سيناريو يربح فيه الجميع"؛ نظرًا إلى أن هذه الأنظمة البيئية يعتمد بعضها على بعض، لذلك فإن أي فرصة لإفادة أحدها ستحسِّن أيضًا من حالة الآخر.