عندما بدأ ظهور مناقصات مُحَطِّمَة للأرقام القياسية لتوفير طاقة شمسية منخفضة التكلفة لمنطقة الشرق الأوسط بدايةً من العام 2016 فصاعدًا، ارتاب بعض المعلقين في أن الإعانات المالية الحكومية المستترة أو تكتيكات السلع التي تُباع بخسارة لاجتذاب العملاء لها دور ملموس بغية ضمان مكانة في صناعة مزدهرة. وفي منطقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإنتاج النفط، أثارت أسعار الطاقة الشمسية المنخفضة بشكل مذهل من شركات وافدة نسبيًّا على مشهد الطاقة المتجددة الدهشة. والآن، يهدف تحليل نُشِرَ في مجلة "نيتشر إنيرجي" Nature Energy إلى شرح العوامل التي تُمكِّن من توفير طاقة متجددة زهيدة التكلفة على هذا النحو في المنطقة، وتقييم ما إذا كانت الأسعار المعروضة يمكن استنساخها في ظل ظروف السوق المفتوحة.

وسلطت الدراسة -التي نشرها باحثون من جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا، أبوظبي، وهيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا)- الضوءَ على ثلاثة مشروعات في منطقة الشرق الأوسط تَعِد بإمداد الطاقة الشمسية الرخيصة.

في يونيو/حزيران 2016، أعلنت هيئة كهرباء ومياه دبي عن قرارها ترسية تطوير المرحلة الثالثة لمجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية بسعة 800 ميجاواط على اتحاد شركات "مصدر" المتخصصة في الطاقة المتجددة، والتي قدمت مناقصة لبيع الكهرباء بسعر 2,99 سنت (أمريكي) لكل كيلوواط/س، لتصبح بذلك أول شركة في العالم تكسر حاجز الـ3 سنتات.

وبعد ذلك، أُسنِد أضخم مشروع للطاقة الشمسية في الإمارات العربية المتحدة، ألا وهو مشروع مجمع أبوظبي للطاقة الشمسية في منطقة سويحان بسعة 1170 ميجاواط، في مايو/آذار إلى مطورين يابانيين وصينيين يزايدون على توفير كهرباء بسعر 2,94 سنت لكل كيلوواط/س. وأضافت السعودية أيضًا إلى محفظة مشروعات الطاقة الشمسية في منطقة الشرق الأوسط في فبراير/شباط 2018 عندما أرست عقد مشروع مجمع سكاكا للطاقة الشمسية على شركة أكوا باور ACWA Power وفقًا لاتفاقية شراء الكهرباء بسعر 2,34 سنت لكل كيلوواط/س فقط لا غير.

مزايا سياسية

للكشف عن العوامل الكامنة وراء تلك الأسعار المنخفضة، جمع الباحثون متوسط عوامل التكلفة العالمية الداخلة في إنشاء مزرعة للطاقة الشمسية في بداية عام 2016 إبان الإعداد لمناقصة المرحلة الثالثة لمجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية. وبعدها، وضعوا في الحسبان الظروف المحلية للإمارات ليروا ما إذا كان بوسعهم تبرير الأسعار المتدنية بسرعة، التي تُعتبر في مشروعات التطوير الأخيرة مُربحة. وخلص التحليل إلى عددٍ من شروط تقليص التكلفة إلى أقصى حدٍّ ممكن، التي -إن وُضِعَت في الاعتبار بكليتها- تجعل مشروعات الطاقة الشمسية أعلاه مُجدية وممكنة.

تفضل الأنظمة السياسية المديدة في منطقة الشرق الأوسط الاستقرار الذي يمنح البنوك ثقةً في عرض ائتمانها المصرفي لمثل هذه المشروعات الطويلة الأجل بمعدلات فائدة مُخَفَّضَة. والتعرفة الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب مؤخرًا على واردات وحدات الطاقة الشمسية إلى الولايات المتحدة والبالغة نسبتها 30% توضح كيف أن هذه التوقعات من الأصعب افتراضها في ظل ظروف مختلفة، وفقًا لماتيو تشيزا، أستاذ علوم المواد والهندسة في جامعة خليفة، وقائد المجموعة البحثية.

ويشرح تشيزا الأمر قائلًا: "تصعد الأحزاب المختلفة إلى السلطة حاملةً رؤى وأولويات متباينة، وربما تسببت في شكوك تؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة كلفة التمويل، ما يفضي أخيرًا إلى تكلفة أعلى للكهرباء"، مضيفًا أن الشك يزيد من صعوبة التنبؤ بالتكلفة المتراجعة للعتاد على مدار فترة زمنية ما، وهو عنصر أساسي من عناصر إستراتيجية التسعير المنخفض طويلة الأجل.

ويضيف تشيزا: "فضلًا عن ذلك، يساعد التأثير القوي للحكومات الإقليمية على الشركات الخاصة على التوفيق بين الممولين والمطورين والمُوَرِّدين وتوجيههم نحو مشروعات ضخمة. والحكومة هنا [في الإمارات] حريصة كل الحرص على إقامة تلك المشروعات. ويمكنك أن تلمس ذلك في حقيقة أن الحكومة تضغط على البنوك الخاصة من أجل المشاركة في التمويل".

تفضل الأنظمة السياسية المديدة في منطقة الشرق الأوسط الاستقرار الذي يمنح البنوك ثقةً في عرض ائتمانها المصرفي لمثل هذه المشروعات الطويلة الأجل بمعدلات فائدة مُخفضة.

نموذج للطاقة الشمسية العالمية؟

يسلط تحليل مجلة "نيتشر إنيرجي" الضوءَ على أن الطاقة الشمسية الرخيصة في البيئة المناسبة خارج منطقة الشرق الأوسط ليست ممكنةً وحسب، بل هي واقع ملموس بالفعل. فقد شهدت مشروعات الطاقة الشمسية الأخيرة في الولايات المتحدة والمكسيك وتشيلي كلها مناقصات دون عتبة الـ3 سنتات لكل كيلوواط/س. لكن تحقيق ذلك في أي مكان يتطلب درجةً عاليةً من المعرفة المحلية والتوازن بين العديد من العوامل التي تُحدد السعر النهائي للطاقة.

تستفيد منطقة الشرق الأوسط من العمالة الرخيصة الوافدة من دولة الهند القريبة، وفق ما جاء في التقرير الذي تنبأ بأن تكلفة العمالة في الولايات المتحدة أعلى بنسبة تصل إلى 50%. ويقول أولاف جويبل، رئيس قسم تكنولوجيا الطاقة في جامعة هام-ليبشتات للعلوم التطبيقية في ألمانيا: "إذا كنت بصدد إنشاء مصنع في شيلي، ولنفترض أن الشركة المطورة للمشروع شركة أوروبية، فمن الأرجح جدًّا أنها ستكون بحاجة إلى جلب عمالة من أوروبا للإشراف على المشروع، الأمر الذي يجعله مكلفًا جدًّا".

من ناحية أخرى، تستفيد صحراء أتاكاما الشيليَّة من أعلى مستوى تعرُّض للإشعاع الشمسي على كوكب الأرض، وتلك التكاليف الناتجة عن إسناد الأعمال لشركات خارجية، وفق ما جاء على لسان جويبل الذي لم يشارك في الدراسة، يمكن تقليصها بمرور الوقت بالاستثمار المستمر وتطوير المهارات المحلية ومزودي الخدمات المحليين.

يقول تشيزا إنه رغم التكلفة العامة الأعلى للعمالة التي تعيب مشروعات التطوير في الولايات المتحدة وشيلي، فقد تستفيد هذه المشروعات من تكاليف التشغيل المُخفضة؛ إذ قد تحتاج الألواح الشمسية في الشرق الأوسط إلى عمليات تنظيف أقوى للتخلص من الرمال.

من العوامل الحاسمة في تحديد سعر بيع الطاقة بمزرعة الطاقة الشمسية موقعها الجغرافي. وحتى في ظل الدعم المالي والسياسي المثالي، ستنتج مزرعة الطاقة الشمسية المُقامة في منطقة ملبدة بالغيوم كهرباء أقل، وستقتضي الحاجة –بالتالي- بيعها بسعر أعلى لتغطية التكاليف. يشرح جويبل هذه النقطة قائلًا: "إذا نقلت مجمعًا للطاقة الشمسية من ألمانيا، حيث تحققت تكلفة أقل من 6 سنتات لكل كيلوواط/س في السوق المفتوحة، إلى الإمارات، فستحقق تكلفة أقل من 3 سنتات لكل كيلوواط/س".

ويقول تشيزا إنه متفائل بشأن المشروعات الحديثة لتطوير الطاقة الشمسية في الإمارات. "منذ 12 عامًا، عندما بدأت حياتي في الإمارات، لم يكن هناك أي مشروع للطاقة الشمسية هنا. والآن، تقدم الإمارات طاقةً شمسيةً من بين الأرخص في العالم بأسره".

يضيف تشيزا بقوله: "أعتقد أن صناعة الطاقة الشمسية واثقة جدًّا بما يمكن أن تقدمه، ولديها تصور جيد حقًّا حول وجهتها. وبالمناسبة، مشروعات الطاقة الشمسية مربحة، حتى في ظل تخفيضات الأسعار. وأتمنى أن أرى المزيد من الثقة من جانب القطاع المالي. إنها صناعة طويلة الأجل، نشأت لتبقى وتستمر".
 

ويؤمن جويبل بأن أسعار الطاقة الشمسية ستستقر قرابة 3 سنتات لكل كيلوواط/س خلال المستقبل القريب، مضيفًا أن "تخميني أنه في غضون السنوات الخمس أو العشر المقبلة، سيدور أرخص مشروع في فلك هذا الرقم، لكن الأمر سيستغرق بضع سنوات لكي يمسي هذا الرقم مستدامًا". ولكن، بالنظر إلى أسعار عقود شراء الطاقة الشمسية التي لا تفتأ تتقلص، كالعقد بتكلفة 2,49 سنت لكل كيلوواط/س لمشروع Solar1 في ولاية أريزونا، لم يتضح بعدُ متى سيتوقف هذا الاتجاه العام للهبوط.