كان جيرار مورو -كعادته ظُهر كل يوم- يستعد للذهاب إلى حمام السباحة حين رن جرس هاتفه، إذ كان المُتصل على الطرف الثاني من الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، يُبلغه خبر فوزه بجائزة نوبل للفيزياء لعام 2018!

 انتاب "مورو" فيضٌ من المشاعر الجميلة، خليطٌ من السعادة والفخر والامتنان، فالفكرة –التي يقول عنها "مورو" إنها في منتهى البساطة- جعلت من الفيزيائي الفرنسي أحد الحاصلين على أرفع جائزة علمية في العالم. تلك الجائزة التى رسخت لديه مبدأً طالما استقر في قلبه وعقله وروحه: "الأفكار الجميلة دائمًا ما تكون أفكارًا بسيطة".

حين تقع عيناك على "مورو" لا يمكن أن تتخيله عالِمًا فيزيائيًّا؛ فهيئة العلماء التقليدية أو الرسمية معروفة بين الناس، أما "مورو" فله طلة فنان، كما يوحي شعره الفضي الطويل وقوامه الممشوق وألوان ملابسه الوردية الزاهية. والحقيقة أنه حتى طريقته في البحث عن الدعم المالي لأبحاثه ليست تقليدية أيضًا. ففي عام 2008، وللمنافسة مع مشروعات علمية أوروبية لتلقِّي الدعم، جهز مع فريقه العلمي مقطع فيديو غنائيًّا راقصًا، مدته حوالي 4 دقائق، يصوره مع طلابه وهم يغنون في قاعة المحاضرات ومع فريقه البحثي وهم يمرحون ويرقصون في المعمل، في وقت كانوا يحققون فيه نجاحات مذهلة في أبحاث ترويض الضوء. لقد أراد لفت الانتباه وكسر الصورة النمطية للعلماء. كان الهدف من الفيديو هو تقديم فريق البحث بطريقة غير تقليدية للمنافسة على تمويل أبحاثهم، وهو ما نجحوا فيه، فقد فاز فريق "مورو" بهذا الفيديو في مسابقة التمويل.

خلال الاجتماع السنوي التاسع والستين لعلماء نوبل الذي أقيم في مدينة لينداو الألمانية، في شهر يوليو الماضي، التقت مجلة "للعلم" بأحدث الحاصلين على جائزة نوبل الفيزياء، الفرنسي جيرار مورو، صاحب الكشف الثوري في فيزياء الليزر، لمحاورته حول الكشف الخاص به، وتطبيقاته، وعن اختياراته في الحياة.. إليكم نص الحوار:

للعلم: ما هو العمل الذي قادك إلى نوبل؟

جيرار مورو: في عام 1985 نشرت أنا وتلميذتي في جامعة روتشستر، الكندية دونا ستريكلاند، مقالةً عن تقنية اكتشفناها لتضخيم نبضات الليزر، منتجين بذلك أقصر وأقوى نبضة ليزر عرفتها البشرية.

قمنا بإنتاج نبضة قصيرة جدًّا جدًّا باستخدام كمية منخفضة جدًّا من الطاقة تقاس بالنانو جول، ثم استخدمنا نهجًا جديدًا تمامًا قمنا من خلاله بتمديد سعة نبضة الليزر تلك بمقدار مليون مرة، وذلك بهدف تقليل قوتها وخفض طاقتها وكثافتها بمقدار مليون مرة، ثم بدأنا في تضخيم النبضة بأقصى درجة ممكنة ولكن دون إتلافها، ثم ضغطناها لإعادتها إلى حجمها الأصلي، لكن بكثافة وقوة أعلى بكثير.

إنتاج نبضة عالية الكثافة جدًّا وقصيرة جدًّا جدًّا بحيث تقاس بالفمتوثانية، باستخدام طاقة منخفضة جدًّا بحيث تقاس بالنانو جول، من شأنه أن يُحدث ثورةً في تطبيقات الليزر. فالنبضات الطويلة التي تقاس بالنانو ثانية والمايكرو ثانية تسمح لحرارة الليزر بالانتشار، أما النبضات القصيرة جدًّا التي تقاس بالفمتو ثانية فهي تسمح بتسخين أجزاء محددة من المادة دون أن تعطي الفرصة بانتشار الحرارة في باقي الأجزاء. فمثلًا لو كان لدينا سائل في أنبوب اختبار يمكننا تسخين جزء من السائل دون أن تمتد الحرارة للسائل كله، وهو ما لم يكن ممكنًا تحقيقه إلا عن طريق إنتاج نبضة ليزر قصيرة جدًّا تسخن الجزء المطلوب فقط، ولا تعطي وقتًا يسمح للحرارة بالانتشار في باقي السائل. هذه التقنية تفتح الباب أمام تطبيقات طبية وصناعية واسعة.

هل يمكن أن تعطيَنا أمثلةً للتطبيقات؟

Mohamed Mansour

إن تقنية تضخيم النبضات تمكِّننا من الحصول على نبضة ليزر لا تدوم سوى فمتوثانية، أي واحد على مليون مليار جزء من الثانية، في تلك المقاييس الزمنية الصغيرة جدًّا، أصبح من الممكن دراسة التفاعلات الكيميائية، بل ودراسة ما يحدث داخل الذرة نفسها أيضًا. توسعت تطبيقات هذه التكنولوجيا وشملت جراحة العيون لتصحيح النظر أو لإزالة المياه البيضاء. يمكننا أيضًا عن طريق تلك التقنية أن نعالج النفايات المشعة، فإذا كانت لدينا نواة ذرية تتألف من البروتونات والنيوترونات، إذا أضفنا نيوترونًا واحدًا أو أزلنا نيوترونًا واحدًا لتلك النواة فسوف يتغير كل شيء، سوف تتغير خصائص تلك الذَّرَّة تمامًا. باستخدام الليزر يمكننا أن نقلل العمر الافتراضي للنفايات المشعة من مليون عام إلى 30 دقيقة فقط! ستكون لليزر في المستقبل القريب -خلال 10 أو 15 عامًا- تطبيقات صناعية عديدة في صناعة أشباه الموصلات، والخلايا الضوئية، والصناعات الدوائية. ونحن بالفعل نعمل من أجل أن نطبق هذه التقنية، بحيث تحقق أكبر الفوائد للبشرية.

لماذا تصف فيزياء الليزر بأنها غنية؟

لأن معها يمكننا التحليق في السماء، يمكننا أن نفعل الكثير. يمكننا مثلًا أن نبرِّد الذرات والغازات إلى أدنى درجة حرارة على الإطلاق، فتصبح حركتها بطيئة أقرب إلى التوقف. فالحرارة هنا تعتبر مقياسًا للحركة. فحركة الذرات تزيد في درجات الحرارة المرتفعة وتقل في درجات الحرارة المنخفضة. ما أهمية ذلك؟ عن طريق الضوء يمكننا تبريد الجزيئات وإبطاء حركتها إلى حد التوقُّف، ويمكننا تسريع الجزيئات إلى أقصى حدٍّ ممكن، وهو سرعة الضوء. وبين طرفي الإبطاء والتسريع يتاح لنا عددٌ كبيرٌ من التطبيقات. يستخدم الأطباء أشعة الليرز حاليًّا في عمليات جراحية عديدة، كما أن العلماء يستخدمونها في دراسة الجسيمات متناهية الصغر والتفاعلات الكيميائية السريعة. وكلما أصبحت نبضات الليزر أقصرَ طولًا وأكثرَ كثافةً كانت أقوى وذات فائدة أكبر في الأبحاث.

متى بدأ شغفك بالليزر؟ ولماذا كنت كثير التنقل في أثناء الدراسة؟

لنقل إن شغفي بالليزر بدأ منذ حوالي نصف قرن تقريبًا. في عام 1967 كنت أدرس بجامعة جرونوبل، ثم ذهبت لأستكمل دراستي في جامعة بيير وماري كوري في باريس آنذاك، حيث حصلت على الدكتوراة عام 1973. أي أنني تلقيت معظم تعليمي في فرنسا. حين قررت أن أستمر في مجال الأبحاث كان قراري بالسفر إلى الولايات المتحدة عام 1977 وأصبحت باحثًا في جامعة روتشستر في نيويورك. وفي نهاية الثمانينيات، تركت جامعة روتشستر لأستكمل عملي في جامعة ميتشجن، ثم عدت إلى باريس بعد أن قضيت حوال 30 سنة في الولايات المتحدة. أنا من أشد المؤمنين بفوائد التنقل. حين تريد أن تحقق النجاح لا بد أن تختار بعناية شديدة أماكن دراسة مرموقة، لذلك حين قررت أن أستمر في البحث العلمي كان لا بد أن أختار أفضل الأماكن، فكانت الولايات المتحدة، وبالفعل توصلت هناك أنا ودونا ستريكلاند إلى التقنية التي كانت سببًا في حصولنا معًا على نصف جائزة نوبل مع الأمريكي آرثر آشكين. هذا لا يعني أن الدراسة في فرنسا ليست مرموقة، بالعكس، فالعديد من الدارسين الأجانب يأتون إلى فرنسا لتلقِّي العلم. كل الفكرة أني على يقين بأنك كلما تحركت أكثر تعلمت أكثر، وهذا بالضبط ما كنت أفعله. فلقد تعلمت الكثير في فرنسا والكثير في الخارج، ثم عدت إلى فرنسا لتقديم دفعة في المجال البحثي.

دونا ستريكلاند هي ثالث امرأة تحصل على نوبل الفيزياء منذ تأسيسها، لماذا في رأيك ليس للنساء حظ في نوبل الفيزياء؟

في رأيي، السبب الرئيسي في ذلك أن عدد النساء اللائي يخترن العمل في مجال الفيزياء أقل بكثير جدًّا من عدد الرجال، وقد يكون ذلك بسبب أنهن لا يجدن الفيزياء مجالًا جذابًا. فالنساء المهتمات بالعلوم أغلبهن مهتم بمجال الطب، ولذلك نجد أن عدد النساء الحاصلات على نوبل في الطب أكثر من الحاصلات على نوبل في الكيمياء أو الفيزياء.

وماذا كان شعورك حين عرفت أن ستريكلاند تقاسمت معك جائزة نوبل؟

شعرت بالسعادة وكنت شديد الفخر، وكأني نلت جائزتَي نوبل وليس جائزة واحدة، فدونا تلميذتي، وقد كنت مشرفًا على رسالة الدكتوراة الخاصة بها.

كيف أثرت طفولتك على حياتك المهنية؟ وهل لديك بعض الهوايات التي تحرص على ممارستها؟

كان والدي مهندسًا كهربائيًّا يعمل في شركة لتوليد الطاقة الكهربائية. منذ صغري وأنا مهتم بما كان يفعل والدي. كنت شابًّا صغير السن حين أردت أن أعرف أكثر عن سرعة الضوء. أنا أتذكر جيدًا وأنا أناقش والدي في علم الفلك وأتذكر الساعات التي قضيناها معًا نلعب الشطرنج. أما فيما يتعلق بالهوايات، فلي هوايات رياضية أهمها السباحة والتزحلق على الجليد، كما أن لي هوايات فنية كالاستماع للموسيقى ومشاهدة الأفلام.

إذا سألك أحد شباب الباحثين عن روشتة الحصول على جائزة نوبل، فماذا ستقول له؟

إذا كان لديكِ روشتة لالتحاق شباب الصحفيين بشركة سبرنجر نيتشر التى تعملين بها، سيكون لديَّ روشتة لحصول شباب الباحثين على نوبل. الحقيقة أنه لا توجد خطوات معينة يمكن للباحث أن يتبعها فتكون نتيجتها الحصول على جائزة مرموقة مثل جائزة نوبل. فلينسوا تمامًا نوبل. كل ما على الباحث فعله هو اتباع شغفه. لا بد أن يختار بعناية أماكن دراسة مرموقة تقدم أفضل خدمات تعليمية في المجال الذي اختاره والذي يشعر فيه بالاستمتاع. بعد مكان الدراسة يأتي الاجتهاد وبذل أقصى جهد لإثبات الذات وأداء العمل على أفضل وجه ممكن. حين يتحقق ذلك قد تكون هناك فرصة للحصول على نوبل.