اكفهرت سماء المدينة الكبيرة بغتةً، وكأن كسوفًا جزئيًّا حدث للشمس، وسرعان ما تَبدَّى للعيون سبب هذا الاكفهرار، سلسلة من سحب رمادية داكنة، مشوشة، كانت تنداح قادمةً من الجنوب الغربي ومتوجهةً نحو الشمال الشرقي. ولم تكن هذه غيوم آخر الشتاء، ولا أسراب طيور مهاجرة، فهي لم تكن تتسم بجمال التشكيل السهمي لهجرة الطيور التي يتداول أفرادها القيادة، متناوبين على رأس ذلك السهم السابح في الزرقة السماوية، كما أن الكائنات التي تشكل سحب هذا الاكفهرار، كان واضحًا أنها أكثر ضآلةً من أن تكون طيورًا. وسرعان ما كشف عن هويتها تبادُل الخبر: إنه الجراد!

     أي جراد؟ كانت وسائل الإعلام قد نبهت إلى قرب قدوم جحافله، واستضافت الشاشات عديدين من الجامعيين المختصين في علم الحشرات وخبراء البيئة والزراعة، لكن كل ذلك التمهيد لم يمنع حالة الشعور بالانقباض عند رؤية حفنات من هذا الجراد تتساقط في الشوارع دائخةً مُنهَكة، كما أصابت الأطفال بهلع وصل إلى حد البكاء خوفًا مما رأوه متساقطًا في أفنية مدارسهم وعند مداخل البيوت وفي الشرفات. كان جرادًا أكبر كثيرًا مما رأوه في الحدائق أو عند زيارتهم للريف، ولم يكن بذلك اللون المائل إلى الأخضر الفستقي ، كان جرادًا "أحمر"، وعلى وجه الدقة: كان رماديًّا مُحمرًّا أغبر.

  طاعون طائر ولعنة

     كان شؤمًا غامضًا يدركه الحَدْس، أما العلم فلم يكف عن تأكيد مسوِّغات هذا الشؤم، ليس في النذير التدميري لجحفل هذا الجراد النهم المرتحل في حشود تُعَد بالبلايين فقط، بل أيضًا في معانٍ وحشية ينطوي عليها ذلك الجراد، فهول جوائحه دعا الأستراليين إلى وصمها بصفة "الطاعون"، والقبائل البدوية في تشاد تسارع بالاختباء بعيدًا عن وديان هجماته لاعتبارها لعنةً من الله. وبغض النظر عن ميل البشر إلى حشر الكائنات غير البشرية في خانات المفاهيم البشرية دون اعتبار لدوافع سلوكها العضوية والبيئية، فإن هجمات الجراد لم يكن ممكنًا التماس العذر لها من قِبَل البشر المبتلين بأهوال تدميرها.

     الدكتور "هوجيون سونج"، عالِم الحشرات بجامعة تكساس في مقال نشره موقع "ريسيرش فتشرز" بتاريخ 30 يونيو 2017، يُقدِّر أن الكيلومتر المربع الواحد من سرب للجراد يحتوي على ما لا يقل عن 50 مليون جرادة (وحتى 150 مليون جرادة)، تلتهم حوالي 100 ألف طن من النباتات في اليوم، وهو ما يكفي لغذاء نصف مليون إنسان لمدة عام. والجراد في هجماته لا يُبقِي ولا يذر، يأكل الأوراق الخضراء والأزهار والثمار والبراعم، حتى قشور النباتات يأكلها. مع ملاحظة أن ما يتحدث عنه "سونج" هو الجراد عمومًا، أما "الجراد الصحراوي" المستوطِن في أفريقيا شمال خط الاستواء، والشرق الأدنى، والجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، فهو أشد فتكًا، ولم تكن غيمة الجراد التي ظهرت في سماء المدينة الكبيرة إلا "عينة" من ذلك الجراد، الذي يضر حياة 1 من كل 10 أفراد من سكان الأرض، لكونه آفةً كبرى تدمر المحاصيل والمراعي في مساحة شاسعة تبلغ حوالي 30 مليون كيلومتر مربع تغطي أفريقيا شمال خط الاستواء والشرق الأدنى وشبه الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية، ويُتوقَّع أن يُغِيرَ على مناطق لم يكن يستهدفها من قبل، مع التغيرات المناخية المُنتظَرة، التي بدأت نُذُرها بالفعل.

من أين أتى هذا الغريب؟

     جراد كبير مُحْمَرٌّ قاتم، وفي أسراب حاشدة بالملايين، توحي بالخشية، والانقباض، وتثير الهلع! من أين أتى هذا الجراد وهو لم يكن مألوفًا من قبل لسكان هذه المدينة، وحتى للقادمين من الريف؟ سؤال لم يقتصر توارده على خواطر كثيرين من عموم الناس، بل شغل أذهان العلماء طويلًا، وكان ولا يزال موضع بحث ميداني ومعملي، كانت باكورته اللافتة عام 1921 لعالِم الحشرات الإنجليزي روسي الأصل السير "بوريس أوفاروف"، الذي عكف على البحث الميداني والمعملي لكشف لغز الأسراب الغازية المتنقلة للجراد، فاكتشف أن هذا الجراد ليس نوعًا جديدًا، بل هو مرحلة متحولة من الجراد العادي أخضر اللون صغير الحجم الذي نسميه "النطاط"، والذي لا يعدو كونه نوعًا من الجنادب آكلة العشب grasshoppers، لا يشكل خطرًا على الزراعات التي يعيش على أطرافها متفرقًا وبأعداد محدودة وشهية معتدلة. وكان جوهر عمل "أوفاروف" هو البحث عما وراء هذا التحول، فوجده يبدأ مع التغير البيئي المرتبط بالأمطار التي تفاجئ البيئة الصحراوية القاحلة -بعد موسم أو مواسم عديدة من الجفاف- بهطل غزير، سريع وعابر، فتخضر الأرض فيما تزداد أعداد الجراد بشكل ملحوظ، إن بسبب التكاثر الغزير للجراد الموجود الذي تؤجج وفرة الطعام المفاجئة نشاطه، أو بتأثير الرطوبة التي يجلبها المطر، وتجعل البيض القديم المودع في الرمال منذ سنوات عديدة -قد تصل إلى عشرين عامًا- يفقس!

      ومع تكاثُف أعداد الجراد في بيئات استيطانه بعد سقوط الأمطار يحدث الازدحام، وينشأ ما يبدو ميلًا إلى التقارب بين هذه الحشرات التي كانت تتسم بالنفور من ذلك وتفضل العيش متفرقةً إلا في فترات التزاوُج. وبمواكبة التزاحُم على الغذاء الوفير المفاجئ، يُلاحَظ النهم الشديد الذي تُقبل به هذه الحشرات على الغذاء الطالع بعد المطر، وتعزِّز هذا النهم، أو تؤججه زيادة كبيرة في معدل التمثيل الغذائي التي رصدها "أوفاروف" في أبحاثه، ومن ثم تتضخم الجرادات ويتغير لونها من الأخضر الفاتح إلى الأصفر المسود الضارب إلى الحمرة، أو البني المغبر، أو "البيج" المائل إلى الاحمرار، وكلما قضت الجحافل النهمة على مساحة خضراء وحولتها إلى جرداء، تنتقل إلى أخرى خضراء لتُشبع نهمها الذي لا يهدأ، وتنتهي إلى التجمع على آخر مساحة خضراء بمجمل حشودها، فيغدو التزاحم حشرًا تتلاطم فيه الأجسام بينما تتجرد الأرض من خضرتها، عندئذٍ يبدأ انفلات الجراد من هذا الحشر بالطيران في مجموعات يتبع بعضها بعضًا، وتتكاثف مكوِّنةً أسرابًا تُشكل غيومًا داكنة على صفحة السماء، يمتد طولها أميالًا، وترتحل لآلاف الأميال، تبحث عيونها الكبيرة في رؤوسها التي كبرت عن كل ما هو أخضر في طريقها، وتحط حشودها عليه لتمحوه، ثم تطير إلى تدمير جديد. تصير آفةً متنقلة، وطاعونًا طائرًا، وابتلاءً للأرض وما عليها، ومَن عليها!

  هرمون السعادة والتعاسة أيضًا

    اكتشاف "أوفاروف" لذلك التحول الغريب للجراد كان فتحًا كبيرًا أُطلق عليه مصطلح: "تعدد المظاهر" polyphenism، ويعني ما يلحق بالجراد من مظهر وسلوك ينقله من مرحلة هادئة "انفرادية" solitarious إلى مرحلة ثانية "احتشادية" أو "قُطعانية" gregarious. وكان طبيعيًّا أن يطرح العلم أسئلته التفصيلية المترتبة على هذا الاكتشاف الكبير، لمعرفة آليات التحوُّل ودقائقه، ثم يحاول الإجابة عنها بالبحث الميداني والمعملي، وقد استمر ذلك على امتداد سبعين عامًا ولا يزال، ومن أمثلته اللافتة بحثٌ عنوانه "كيف لمادة كيميائية في الدماغ أن تحول الجراد غير المؤذي إلى حشود من الآفات الضارة"، وقد نشرته مجلة (ساينس) في 30 يناير 2009 مبينةً أنه نتاج عمل فريق من علماء جامعات كامبريدج وأكسفورد البريطانيتين وسيدني الأسترالية، وقد توصل الفريق إلى أن زيادة السيروتونين في أجزاء من الجهاز العصبي للجراد المسالم تشكِّل بداية تحوُّله إلى جراد تدميري، ويكون التلامس الجبري الناتج عن شدة التزاحم على نباتات ما بعد المطر بمنزلة الزناد الذي يطلق إفراز السيروتونين الزائد في الدماغ، وقد أثبتت الأبحاث التي ربَّت الجراد في ظروف ازدحام مكاني يحاكي ازدحامه في مَواطِنه بعد سقوط المطر، أن تكرار ملامسة الساقين الخلفيتين للجراد تثير مستقبلات عصبية حِسيَّة، وحركية، تعمل على زيادة إفراز السيروتونين في الجهاز العصبي، وأن هذه الزيادة في ذلك الناقل العصبي المهم، مسؤولة عن زيادة جرأة الجراد وتحوُّله من الميل إلى العيش الانفرادي إلى الاحتشاد في أسراب مهاجرة تدميرية. ولإيضاح ذلك قال "سويدبرت أوت" أحد المشاركين في البحث من جامعة كامبردج: "نعرف أن السيروتونين يؤثر بعمق على سلوك البشر وتفاعلهم، وها نحن نجد هذه المادة في الدماغ تسبب تحوُّل حشرة مُسالمة إلى حشرة "سيكوباتية" (معادية للمجتمع)، مثل فرد ينضم إلى عصابة ضخمة، وهذا أمر مدهش".

Credit: pawopa3336/ iStock/ Getty Images Plus

فتش عن الزحام

     بل هو أمر شديد الإدهاش، أن يكون السيروتونين الذي يقدح زناد إطلاقه التلامس الجبري بين الجراد في ازدحامه، هو المسؤول عن هذا التحول التدميري في سلوكه، فهذا الناقل العصبي الذي تفرزه –بالأساس- العصبونات، أو الخلايا العصبية في المخ، يشتهر لدى البشر بمُسمَّى "هرمون السعادة"؛ لارتباطه عند مستوياته المعتدلة بمشاعر الابتهاج والانتعاش والرغبة الجنسية ومقاومة الإجهاد. ويؤدي نقصانه إلى الاكتئاب، أما زيادته فتقود إلى الهوس. وتؤدي زيادته البالغة إلى هياج ذهاني يتسم بالجنون التدميري. تدمير الذات، أو تدمير الغير، أو كليهما. فإذا كان السيروتونين هو المسؤول عن التحول العاصف للجراد، من جرَّاء فرط الازدحام، فماذا عن البشر؟