بعد انفجار خبر تسجيل اللقاح الروسي "سبوتنك ــV"، المضاد لوباء كوفيد-19، وفي مواجهة حملة التشكيك التي أثارها هذا الخبر الذي طُرِح سياسيًّا قبل أن أن يُقدَّم علميًّا، شنَّت السلطات الروسية حملةً مضادة، تضمنت نشر أوراق بحثية عن المسيرة العلمية لهذا اللقاح، وعن مركز "جاماليا" لأبحاث الأوبئة والأحياء الدقيقة، الذي أنجزه. وفي التوقيت ذاته، وللتذكير بعراقة هذا المركز العلمي، ظهر على شاشات قناة "روسيا اليوم" فيلم تسجيلي عن أحد رموز هذا المعهد، وهو العالِم الروسي "ليف ألكسندروفيتش زيلبر"، الذي يضعه إنجازه العلمي في مصاف الرواد العالميين الكبار. وبرغم أن توقيت عرض الفيلم لا يُخفي أنه مُكرَّس لنصرة اللقاح الروسي، إلا أن مادته قدمت موجزًا صادقًا لتراجيديا حياة هذا العالِم الاستثنائي، عرَّت فصلًا من فصول جحيم دولة ستالين الشمولية القمعية، وكشفت فداحة أن هذا الجحيم لم يستثن من عذابات نيرانه أصحاب عقول علمية نادرة، كان نموذجها العالِم "ليف زيلبر".

     شاهدت الفيلم، وكررت المشاهدة، ووسَّعت الرجوع إلى مصادر تحكي قصة هذه الأسطورة البشرية الحقيقية. وكنت بين حبس الدموع وجَيَشان الإجلال، مذهولًا أتساءل: كيف؟ كيف؟ كيف استطاعت هذه النفس الإنسانية أن تعبر هذا الجحيم، ليس فقط لمواصلة الحياة، بل أكثر: للإبداع في هذه الحياة. وأي إبداع؟!

    في 15 مارس عام 1894 وُلِد "ليف ألكسندروفتش زيلبر" ببلدة صغيرة في جمهورية نوفوجورد في شمال شرق روسيا، وود أبوه الموسيقي المحلي أن يصير ولده الأكبر "ليف" موسيقيًّا يتجاوزه، درَّبه منذ الصغر على الكمان فصار عازفًا واعدًا، لكنه اختار العلم طريقًا، وساعدته الموسيقى على ذلك، فعندما ارتحل إلى مدينة بتروجراد عام 1912 ليدرس العلوم الطبيعية بجامعتها، وحتى يخفف العبء عن أسرته ذات الدخل المتواضع، كان يعزف مساءً في أحد المقاهي على الكمان، بصحبة البيانو الذي يعزف عليه شقيقه الأصغر "ألكساند"، وكان عزفهما مقابل الطعام!

    عام 1915 اختير ليدرس الطب في أشهر جامعات موسكو، ولنبوغه سُمح له بأن يكمل دراسته للعلوم الطبيعية في الوقت ذاته. تخرج في كلية العلوم عام 1917، وفي كلية الطب عام 1919. وبعد تخرجه عمل طبيبًا عسكريًّا برتبة مرموقة، لكنه سرعان ما تنازل عن ذلك والتحق بموقع متواضع، باحثًا مساعدًا في قسم الميكروبيولوجيا بجامعة روستوف، ولم يمضِ عامٌ على ذلك حتى سجل أول براءة اختراع لمصل يعالج مرض التيفوس الذي ينقله القمل. وفي سنة 1921 وصل إلى مرتبة "عالم كامل" نتيجةً لبحوثه فيما سُمي "المناعة المُحيطة" para immunity، التي تعني تحفيز الجهاز المناعي ككل، لمواجهة الميكروبات المسببة للعدوى عمومًا. كما درس الثبات الحراري للأمصال، والتأثير المناعي لبعض المعادن في الحالة الغروية كمواد مرشحة للإضافة إلى الأمصال من أجل تعزيز فاعليتها. وهذه كلها كانت بحوثًا مبكرة الريادة في علم المناعة على مستوى العالم.

أول انتصار / أول اعتقال

    عام 1929 عُين "زيلبر" رئيسًا لقسم الميكروبيولوجيا في "باكو" عاصمة جمهورية "أذريبيجان" التي كانت سوفيتيةً آنذاك، وفي شتاء 1930 ــ 1931 ظهر الطاعون في أكثر من بؤرة بإقليم "ناجورنو كاراباخ"، الإقليم نفسه الذي يكتوي بالحرب الآن، والذي يوحي اسمه ببؤس تاريخه، ويعني "مرتفعات الحديقة السوداء"! هذا الإقليم كانت تسكنه أغلبية أرمنية تتعايش بتسامح مع الأذريين، إلى أن زُرِعت الفتنة مع عبث ستالين لتفريق الإثنيات وتنقيل الهويات، حتى ينشغل بعضهم ببعض، ويَأمن تمرد أيهما على نظامه الشمولي المتسلط.

    وبرغم أن زيلبر لم يكن عالِم وبائيات حين أُوكلت إليه مهمة مكافحة طاعون كاراباخ، إلا أنه استطاع استيعاب الأمر بسرعة وكفاءة، ونظَّم العمل الوقائي والعلاجي فقضى على الوباء في فترة وجيزة. لكن الجهاز الأمني في النظام الستاليني الحاكم، والمهووس بالبحث عن "مخربين أجانب" ينسب إليهم كل شر، رأى أن انتشار الطاعون حدث بفعل تآمر أجنبي على الأرض السوفيتية، بدليل العثور على جثث مقطوعة الرؤوس ومنزوعة القلوب والأكباد في عديد من قبور ضحايا الوباء. وبرغم حقيقة اكتشاف هذه الجثث المشوهة التي عاينها زيلبر بنفسه، إلا أنه أعلن عدم اقتناعه بفرضية التآمر الأجنبي؛ لأن البكتيريا المسببة للطاعون بات يسيرًا الحصول عليها بوفرة في المختبرات دون حاجة إلى تقطيع الرؤوس وانتزاع القلوب والأكباد. وكان ذلك يعني -في العرف الأمني الستاليني المهووس بمؤامرات الجواسيس الأجانب- أن الدكتور زيلبر يتستر على الأعداء. ومن ثم، وبمجرد تقرير أمني، أُودع في السجن محكومًا بثلاث سنوات، لم يقض منها غير ثلاثة أشهر!

     لقد قادت الصدفة إلى العثور على رجل من السكان المحليين يتكلم الروسية بصعوبة، وأفاد أن الجثث مقطوعة الرؤوس ومنزوعة الأعضاء كانت بأيادي سكان جبال كاراباخ أنفسهم، لإيمانهم بأسطورة تقول إنه عندما يبدأ الموت يتخطَّف عائلات بكاملها، فذلك يعني أن الميت الأول يكون حيًّا لا يزال، ويظل ينادي أقاربه فيلحقون به، لهذا وحتى يُبطلوا لعنة هذا الموت المتسلسل، كانوا يقطعون رأس هذا الميت الأول ليكتمل موته، وينتزعون من أعضائه ما يؤكد هذا الموت. هكذا حُلَّ اللغز، ونجح التشفُّع للسلطات، فخرج زيلبر من محبسه بعد ثلاثة أشهر. وكانت هذه أقصر فترات اعتقاله، وأقلها قسوة!

الاعتقال الثاني/ التحام الضلوع

    تاريخ انتصار زيلبر على الطاعون ظل يستدعيه لمكافحة أوبئة أخرى، واصل فيها نجاحه الباهر، ومنها استئصال وباء الجدري الذي عصف بجمهورية كازاخستان عام 1933. وببصيرة عالِم فذ، أدرك أن مسبِّبات الأوبئة لا يمكن أن تقتصر على البكتيريا ما دامت هناك الفيروسات، لهذا، وبرغم ندرة المعلومات عن الفيروسات في بلاده كما في العالم آنذاك، كرَّس الكثير من جهده بين عامي 1931 و1934 لدراسة سلوك الفيروسات، وكشف مبكرًا عن آلية غزو جينوماتها للخلايا وتسخير جينومات ومقدرات الخلايا لتكاثرها، وكان بذلك الكشف أحد رواد البشرية في تأسيس علم الفيروسات، وإليه يرجع الفضل في إنشاء أول مختبر لدراسة الفيروسات في معهد "جاماليا". ثم جاءت الفرصة لمَن يستحقها، وحقق زيلبر خطوةً هائلةً في تاريخ ذلك العلم الوليد وما يرتبط به من علم المناعة، فكوفئ بأقصى العذاب؟!

     عام 1935 ظهرت بؤر لوباء مجهول السبب في مناطق غابات التايجا بالشمال الشرقي الروسي، ولم يكن هناك اسمٌ لهذا الوباء، بل يشار إليه بأنه "نزلات برد سامة تسبب الحمى المخية"، وبعد سنتين من ظهوره استشرى الوباء في صيف 1937، ووجهت السلطات الصحية زيلبر للمكافحة، لكنه لم يكتفِ بالمكافحة، بل ذهب إلى ما هو أبعد، بحث عما وراء الوباء، واكتشف السبب: إنه فيروس يحمله نوع من قراد الغابات بالغ الضآلة، يلتصق بالجلود غارسًا فيها ممصاته الدقيقة، يُدميها وينقل عبر دمائها الفيروس المسبب لالتهاب الدماغ الغامض والقاتل. وبذلك تيسرت مكافحة الوباء بتطهير الأماكن من ذلك القراد وتحاشي التعرُّض لهجماته.

    كانت النتائج مذهلة، وزاد زيلبر على ذلك نجاحَه في عزل الفيروس كعامل مسبب للوباء، وتم نشر ورقة علمية حلت لغز هذا النوع من العدوى القاتلة، ليس في روسيا وحسب، بل في اليابان أيضًا حيث كان ينتشر فيها نوعٌ مشابه يحمل اسم الحمى المخية اليابانية، ونشرت روسيا عام 1937 ورقة بحثية تباهى بها الاتحاد السوفييتي عالميًّا عنوانها "الأصل الفيروسي للحمى المخية المنقولة عبر قراد الغابات (TBE)". لكن البحث المنشور خلا من اسم مكتشف الفيروس ومساعديه، فقد كان زيلبر واثنان من مساعديه رهن الاعتقال بوشاية ملفقة من "موديتشنكو"، الباحث عديم الكفاءة العلمية، وعظيم النفاق للسلطات الحزبية الحاكمة، التي كافأت نفاقه بترسيمه مديرًا للمعهد الذي ينتمي إليه ليف زيلبر!

     كانت الوشاية منافيةً لكل منطق؛ إذ تتهم زيلبر ومساعديه بأنهم "تحت ستار مكافحة وباء الحمى المخية المنتقلة عبر قراد الغابات، كانوا ينشرون الوباء"! لم يكن ذلك معقولًا ولا مدعومًا بأي قرائن، كان كذبةً منحطة اعتنقتها العقول الأمنية الستالينية الوسواسية، فأمعنت في إثباتها بقسوة التحقيقات مع العالِم الكبير ومساعديه في المرحلة الأولى من اعتقالهم بسجن "سوخانوف" الذي كان أشهر سجن للتعذيب. وقد ترك هذا السجن في جسد زيلبر أثرًا يصعب إخفاؤه، ظهر في صورة شعاعية أُجريت على صدره بعد خروجه من المعتقل، فقال له طبيب الأشعة متعجبًا: "هناك ضلعان ملتحمان بغرابة في صدرك يا بروفيسور"، وأجاب زيلبر مهوِّنًا: "إنه مجرد عيب فطري"، لكنه عندما راقص فتاةً بريئة العمر دعته للرقص في احتفال عائلي بعيد ميلاده بعد الإفراج عنه بسنوات، سألته "ماذا لديك هنا؟"، وأشارت إلى نتوء واضح لا يُخفيه صدر سترته؟ فقال لبراءة العمر التي لا تحتمل الكذب: "لا شيء.. ركلتان بجزمة ثقيلة، وإذا بالضلوع يلتحم بعضها مع بعض هكذا!".

    أية فظاعة لامعقولة في زمن كابوسي لامعقول يحقق في اتهامات لامعقولة موجهة إلى عقول عبقرية لا يُعقل أن تركل بالجزم؟! انحطاط بالغ استنفر مجموعةً من العلماء العارفين بقيمة وقامة زيلبر ومساعديه، فسعوا إلى تبرئته من تهمة كان يمكن أن تلصق بهم فرية "التواطؤ في تخريب كيان اتحاد الجمهوريات السوفييتية الفتية"، فينالهم ما نال زيلبر ومساعديه، وربما أكثر!

    بعد حفلات الاستقبال الوحشية، وجلسات التحقيق المجنون تحت التعذيب في سجن "سوخانوف"، والتي كان مطلوبًا فيها أن يعترف زيلبر على نفسه لتسويغ الحكم عليه وعلى مساعديه، وهو ما لم يفعله، تم نقله إلى معسكر اعتقال "بيتشورا" الذي لا تعذيب فيه، بل فقط التسخير في "الأعمال الشاقة"! وظل هذا العقل اللامع سنةً كاملة يشقى في تقطيع الأخشاب قاسية الصلابة بأدوات بدائية، لكن عندما عُرفت براعته في علاج الحالات الطارئة والتوليد الناجح لزوجة مدير المعتقل، صار مسؤولًا عن مستوصف المعسكر، وفيه أنشأ مختبرًا لمكافحة نقص الفيتامينات لدى السجناء الذين اقتصرت حصة طعامهم على مجرد خبز وحساء بائس من بعض الحبوب، وكشفت أبحاثه عن وجود مجموعة من الفيتامينات، على رأسها فيتامين ب المركب، تتوافر في نوع من الطحالب المتوافرة في المكان. طهى منها مرقًا يتناوله السجناء، وهو معهم، فوقى نفسه، وشفى المئات وربما الآلاف من البلاجرا التي كانت تتفشى في السجن. وقد سُجِّلت براءة اكتشاف بهذا الدواء الواقي من البلاجرا، والذي لا يزال ناجحًا ومتداولًا في الصيدلية الروسية تحت اسم "أنتي بلاجرين". ومن مساخر الأمور أن براءة الاكتشاف لم تُنسب إلى ليف زيلبر، بل نُسبت إلى "مفوضية الشعب لشؤون الأمن"!

     كان مقدرًا لليف زيلبر أن يقضي عشر سنوات في هذا المعتقل، لكن عديدين من زملائه العلماء العارفين بقدره، وزوجته السابقة العالمة "زينايدا يرميلوفا"، وشقيقه الأوسط الذي صار الكاتب المعروف "فينامين كوفرين"، وصديقه الأقرب وزميل الدراسة الكاتب والناقد الأدبي "يوري تينيانوف"، لم يكفوا عن محاولة المطالبة بالإفراج عنه؛ لكونه مظلومًا، وعالمًا نابغًا يخسر الوطن بحبسه، وقد استعان شقيقه في ذلك بالأديب الكبير مكسيم جوركي، كما رفع زملاؤه وزوجته السابقة مطالباتهم إلى ستالين وأيضًا إلى وزير أمنه الرهيب "بريا"، وللغرابة في ذلك الواقع شديد الغرابة، رُجِّح أن نجاح التشفع للإفراج عن ليف زيلبر كان وراءه إعجاب "بريا" بروايات "يوري تينيانوف" الذي كان مشلولًا تقريبًا! وغادر زيلبر سجن بيتشورا عام 1939، لكنه لم يهنأ بالحرية طويلًا، فقد اعتُقل للمرة الثالثة، باتهامٍ كاذبٍ أعجب، وفي سجن أكثر عجبًا!

 الاعتقال الثالث/ العبودية العلمية

     عام 1940 تفتحت شهية الشر العالمي -شرقه وغربه- للبحث عن القوة بأي ثمن، ولو بأدوات قتل لا تكتفي بنيران المدافع وتفجيرات القنابل التي تقتل الناس من خارجهم، بل بأدوات جديدة تأكلهم من داخلهم. كانت تلك هي "الحرب الجرثومية". ودُعي زيلبر للمشاركة فيها، لكنه رفض معلنًا أنه لن يستخدم علمه في إيذاء البشرية. وكان ذلك كافيًا للزج به في معتقل جديد، بعد أن رموه لأسابيع في سجون للصوص والمجرمين. أما الذريعة، فكانت اتهامًا لزيلبر بأنه يعمل خفيةً لتسميم مياه موسكو! وبلا قرائن ولا دفاع تم الحكم عليه بالسجن مجددًا عشر سنوات! ويا لها من سنوات، ويا له من سجن!

    لقد اهتدى الذكاء الشرير لنظام ستالين القمعي، إلى أن إعدام العلماء غير المرضيِّ عنهم هو خسارة لا داعي لها، ومن ثم ابتُدِع نوعٌ من معسكرات الاعتقال مزود بمختبرات للبحث العلمي يسمى "شارشكا"، حُشر فيها العلماء المشكوك في ولائهم للستالينية، ليشتغلوا بأبحاث مفيدة لنصرة الدولة السوفيتية إبان الحرب العالمية الثانية. وكان المطلوب من زيلبر أن يطور اكتشافه في الحصول على الكحول من أحد أنواع الأشنات المتوافرة في الطبيعة. كان الكحول مطلوبًا بشدة! وقد دَمَغ زيلبر العمل في مختبرات هذه السجون باسم "العبودية العلمية"، لكنه بأدوات هذه العبودية، نجح في التكريس لدرة كشوفه العلمية ذات السبق العالمي، والفتح التاريخي. ففي المختبر الذي خُصِّص ليعمل به في شارشكا -تحت مراقبة دائمة من "مساعد علمي" عينه جهاز الأمن- انطلق ليف في إجراء تجاربه خفيةً عن عيون المساعد المخبر، لإثبات نظريته عن "الأصل الفيروسي للسرطان"، التي بُنيت عليها اكتشافات تشخيصية وعلاجية نال عديدون عنها جائزة نوبل فيما بعد، ومن الطريف واللطيف أن زيلبر كان يُجري تجاربه التي تثبت وجود أصل فيروسي لحدوث العديد من أنواع السرطان، على فئران يصطادها له بعض السجناء، مقابل التبغ!

     ولأن زيلبر كان قد اكتوى كفايةً من جحود جهوده ونكران حقوقه، ولو المعنوية، راح عندما يغيب مساعده المخبر، يدوِّن معطيات بحثه بخط بالغ الدقة على ورق السجائر، ثم يطويه فلا يعود ملحوظًا، ويزلقه خلسةً في كف مَن كان يزوره من أقاربه، مرةً كل ثلاثة أشهر، ثم كانت هذه الأوراق تتسلمها العالمة زينايدا يرميلوفا زوجته الأولى وطليقته التي ظلت أوفى أصدقائه، وكانت "زينايدا" تعكف على هذه الأوراق لقراءتها بعدسة بالغة التكبير، ثم تكتبها بخط واضح لتُطبع وتُنسخ في النهاية، ثم يجري توزيعها على مجموعة مختارة من كبار علماء الاتحاد السوفييتي، وسرعان ما اكتُشفت القيمة العلمية العالمية لهذه الأبحاث كفتح تاريخي في عالم السرطان، فنادت مجموعة العلماء هذه بضرورة الإفراج عن صاحب هذا الكشف. وقد كتبت زينايدا منفردةً رسالة إلى ستالين جوهرها: "إن عالِمًا بهذا الوزن لا يجوز -لصالح الوطن- أن يبقى في السجن".

     أُفرِج عن ليف زيلبر عام 1944، بعد خمس سنين من الاعتقال في معسكر "العبودية العلمية" ذاك، وكان إفراجًا تحوطه الفتون دون أن يفلت من الشجون، ومن فتونه هذا الحب الكبير في قلب زينايدا لزوجها الأول برغم انفصالهما وتكوين كلٍّ منهما أسرةً جديدة. ظل ولاؤها غير مشروط لموهبته العلمية الفذة التي لا يقدِّرها إلا عالِمة استثنائية كانتها هذه المرأة الأسطورية التي كانت تجلُّها أمتها، من عموم الناس، وحتى ستالين نفسه. فبفضل عملها الدائب واللامع في استخلاص سلالة جديدة من البنسلين بالغة الفاعلية من فطريات شائعة غير تلك التي اكتشفها فيلمنج، تمكنت من إنقاذ حياة وأطراف آلاف من الجنود والمدنيين الروس المصابين في مواجهة الهجوم النازي على مدينة ستالينجراد، مما يسر انتصار هذه المدينة، وفتح الطريق إلى هزيمة النازية. لهذا كان تبجيل ستالين ليرميلوفا يجعله معها شديد الود، ولقد تردد أنه قال لها: "اختاري مَن تودين إخراجه من السجن"، فاختارت زوجها السابق ليف زيلبر، وزوجها الآخر آنذاك، الذي كان عالِمًا أيضًا، ومسجونًا أيضًا في سجن "شارشكا"!

     أما شجن الشجون في سنوات الاعتقال الخمس تلك، فكان عنوانه زوجة ليف الثانية والأخيرة "فاليريا كاسيلوفا"، فمع اشتداد القمع الذي كان لا يكتفي بمَن يعدهم النظام خصومًا، بل يشمل ذويهم بقمعه، قرر ليف وفاليريا ألا يسجلا زواجهما، بل لم يكونا يحتفظان بدفتر تليفونات، وكانا عندما يحادثان أقاربهما ومعارفهما في الهاتف، يفعلان ذلك تحت خباء من الأغطية، حتى لا تفلت كلمة من هنا أو من هناك، يمكن أن تسمعها الحيطان! وعندما أنجبت له الولدين، سجلتهما باسم أسرتها، فلم تستطع زيارته غير مرة واحدة، رأى فيها ولده الأكبر طفلًا، أما الأصغر فلم يره إلا وعمره أربع سنوات، ففي عام 1941 زادت الأحزان الغليظة من قسوة بطشها، فمع اقتراب قوات النازي من موسكو عام 1941 قررت فاليريا وشقيقتها الابتعاد عن موسكو والاختباء مع الطفلين في بيت ريفي تملكه الأسرة في قرية بعيدة، وما كادوا يستقرون حتى بدأت قوات النازي في الانسحاب، مارةً بهذه القرية، وساحبةً معها تحت تهديد الرصاص كل مَن تعثر عليهم، كأسرى!

    خرج زيلبر من الحبس الطويل شقيًّا بفقد أسرته، ولم يعرف إلا أنها اختفت منذ أربع سنوات، وبرغم حزنه العميق، لم يتوقف عن تجويد أبحاث كشفه عن الأصل الفيروسي للسرطان. ثم حدث أن وصلت إلى حماته بطاقة بريدية من معسكر اعتقال في الجانب الألماني، تفيد أن ابنتيها وحفيديها هناك، وما إن علم زيلبر بذلك، وكان قد أعيد تعيينه بروفيسورًا مميزًا في معهد أبحاث "جماليا"، حتى ذهب إلى وزير الصحية السوفييتي الذي كان متعاطفًا معه، وطالبه بأن يرسله إلى الجبهة تحت مسمى طبيب مشرف على الفيلق السوفييتي في الجانب الألماني. وحار الرجلان في الوسيلة التي تتيح ذلك؛ لأن طلبًا بهذا الحجم كان يستلزم توقيعًا من جهات عليا. وفي لفتة عميقة الدلالة، غامر وزير الصحة مغامرةً كان يكفي اكتشافها لإعدامه بدانة مدفع، وليس برصاصة أو زخة كلاشينكوف، فقد قلَّد توقيع جوزيف ستالين على قرار تكليف ليف زيلبر بما طلب. وكان هذا التوقيع الجنوني يفتح له أبواب الحواجز السوفييتية على اتساعها، ويَمنحه أقصى التسهيلات دون مناقشة لما سيفعله بها!

     عاد ليف زيلبر بأسرته بعد مغامرة قاد فيها سيارات عسكرية منتقاة، عبر مئات الكيلومترات من طرق خربتها الحرب، ثم حملته طائرة حربية مع أسرته إلى موسكو. لقد ذاق أخيرًا بعضًا من طعم السعادة التي افتقدها سنينًا، واندفع في تطوير أبحاثه وتدقيقها، فخاض غمار علم مناعة السرطان cancer immunology، وأبحاث اللقاحات المضادة للأورام antitumour vaccination. لكن عبقريته لم تخترق "الستار الحديدي" إلا بعد موت ستالين في مارس 1953. وبدأ المجتمع العلمي العالمي يتعرف على إنجازه، وعلى شيء من تراجيديا حياته التي لم يكن يحب الخوض فيها.

      أذهلت أبحاثه وفد العلماء الأمريكيين الذي زار موسكو عام 1955 بعد ذوبان الجليد الستاليني وتولي خروتشوف دفة القيادة، واستوقفت "بيتر مِدَّور" -العالم البريطاني لبناني الأصل ـ الحاصل على جائزة نوبل لبحوثه في "المناعة المكتسبة"، وتعاونا في تبادل المعلومات في حقل المناعة، كما سُمح لزيلبر بالسفر إلى الخارج لحضور مؤتمرات علمية كان يُدعى إليها كضيف مميز. وفي آخر أيامه كان هناك مؤتمر علمي يرأسه داخل المبني الجديد -آنذاك- بمعهد "جاماليا"، وكانت المصاعد لم تشتغل بعد، وبرغم تجاوُزه السبعين، راح يصعد الدرج إلى الطابق الرابع جريًا كعادته، فداهمته نوبة قلبية أفضت إلى احتشاء أنهى حياته.. في مكتبه، وبين تلامذته.

     رحلة مليئة بثنائية القهر والنصر، تثير الإعجاب وتدعو إلى إمعان التأمل. وقد ورد في فيلم "الهامس إلى الفيروسات" على لسان العالِم "ألكسندر جينتسبورج"، مدير مركز "جاماليا" لبحوث الوبائيات والأحياء الدقيقة: "لقد كابد زيلبر ثماني سنوات من السجن، لكنه صمد بفضل طبعه الحازم والناس المحبين له"، وهذا حقيقي، لكنه جزء من حقيقة حياة إنسانية استثنائية تدعو إلى التساؤل: كيف استطاع ليف زيلبر أن يعيش ثلاثين سنةً من عمره تحت نير القهر الستاليني ويظل حيًّا، لا الحياة العضوية المعتادة فقط، بل الحياة الإبداعية في العلم، وهذا مُنجَز كبير، وكبير جدًّا، يتجاوز حدود الطبع الحازم وحب الناس، مع كامل التقدير لبداهة فضلهما وحتم ضرورتهما. لكن هناك إضافةً تلوح أعمق وأكثر فاعليةً في صياغة تراجيديا حياة ومَأْثَرَة وجود بهذا الحجم.

     إنها روح الإبداع، فقد كان ليف زيلبر مبدعًا كبيرًا في العلم، عبقريًّا، وموهوبًا، وهي حالة تكاد تناظر -وربما تفوق- الإبداع الأدبي والفني، فلم يكن الشغف وحده هو ما يقوده إلى الحرث والبذر في حدائق البحث العلمي، بل كان هناك ذلك العزاء العظيم في قطف ثمار كل ما يزرع: متعة الإبداع، وهناءة العيش الموازي في تلك الجنة الأرضية المعنوية، التي تجبر الخاطر المنكسر، وتدفع إلى الصدر المكلوم غبطةً تأسو كل كَلْم. هل كان دوستويفسكي، كمثال ذي قرابة، يستطيع أن يحتمل كل ذلك الشقاء الذي عاناه سجينًا وفقيرًا ومريضًا، لولا هذا الإكسير الروحي الذي يناله عبر الإبداع. هل كان يستطيع عبور جحيم الحياة الفظة، بمقياس حساسيته البالغة، دون أن يجد نفقًا مسحورًا عبر هذا الجحيم يُفضي به إلى فردوس البهاء السحري؟

     لقد استطاع ليف زيلبر أن يعبر الجحيم الأرضي، إلى جنة السحر الإبداعي عبر موهبته، سحر الكشف العلمي الذي أراه أبلغ من سحر الخيال الأدبي؛ لأنه سحرٌ ماثلٌ ومتجسدٌ وملموس، فهو "سحر الواقع" بكل ما يزخر به من فتنة حية وجمال وجود. لولا ذلك لانفجر ليف زيلبر ومات، موتًا جسديًّا أو نفسيًّا أو كليهما. وهو ما لم يحدث. وعندي دليل.. في ذلك الفيلم، يذكر العالم ألكسندر جينتسبورج أنه عندما التحق بالمعهد باحثًا شابًّا، التقاه البروفيسور ليف زيلبر وأغراه بالانضمام إلى فريقه، قائلًا له بحماس بالغ وبهجة: "لديَّ فيروسات ممتعة، تعال للعمل معي".