أبلغ الأطباء والدَي الفتاة ذات الـ9 أعوام بأن خصوبة ابنتهم في خطر. إذ اقتضت إصابتها بمرض فقر دم حوض البحر المتوسط "ثلاسيميا-بيتا" إجراء عملية زراعة نخاع العظم، ومن ثَم تعرُّضها لعلاج كيميائي، وهو ما سيُفقد المبايض خصوبتها. ولكن الوالدين لم يفقِدا الأمل في أن تنجب ابنتهم في يوم ما. وبعد 15 عامًا أنجبت الفتاة الإمارتية ابنها "راشد" من مبيضها المجمد.

 في مستشفى بورتلاند في العاصمة البريطانية لندن، قام الفريق الطبي بإشراف أخصائية الخصوبة سارة ماثيوز بإعادة زراعة نسيج من المبيض الأيمن الذي جرى استئصاله وتجميده في المبيض الأيسر المتوقف عن العمل، وبعد العملية لاحظ الأطباء انتظام مستويات الهرمونات لدى المريضة بمعدل طبيعي، بعدها بدأ الطمث، لتصبح موزة المطروشي -24 عامًا- أول امرأة تنجب بمبيض تم تجميده وهي طفلة.

الإجراء الذي جرى الإعلان عنه في ديسمبر 2016 ليس الأول من نوعه، إذ خضعت أكثر من 60 حالة من قبل لهذه الجراحة، إلا أن المزيد من البحوث في هذ المجال يفتح بابًا للإبقاء على الخصوبة، لا لـ"مَن يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ" فحسب، لكن أيضًا للفتيات الصغار اللاتي يواجهن خطر الحرمان من الأمومة، بسبب تعرُّضهن للعلاج الكيميائي نتيجة الإصابة بالسرطان أو غيره.

وبالرغم من قدرة كلٍّ من: العلاج الكيميائي المكثف والإشعاعي وزراعة النخاع الشوكي، على علاج 90% من حالات السرطان لدى البالغات والصغيرات، تؤكد دراسة منشورة على Elsevier في 2004 أن الأثر الذي تخلفه المواد المستخدمة على المبيض، مثل المواد المسممة للخلايا cytotoxic treatment، والأشعة المؤينة ionising radiation، تتسبب في خسارة كلٍّ من الغدد الصماء، والجهاز التناسلي.

وتستهدف هذه المواد قتل الخلايا ذات الانقسامات السريعة، والتي غالبًا ما يُشتبَه في كونها خلايا سرطانية، لذا نَلْحظ أثر هذه العلاجات على نمو شعر مريض السرطان مثلًا، كما تؤثر على البويضات بسبب قدرتها على الانقسام، ومن هنا يأتي الحديث عن الأثر الذي تخلفه هذه العلاجات على الخصوبة.

قصص تبعث على الأمل

إن نجاح هذه العملية يحمل في طياته الكثير من الأمل، فزراعة المبايض المجمدة تمكِّن المرأة من الإنجاب أكثر من مرة مع تلافي سلبيات عملية التلقيح الصناعي "IVF" كما يؤكد القائمون على العملية.

وهذا ما حدث مع شتاين برجولدت، فبعد رحلة علاج من السرطان، تعرضت فيها لجرعات مكثفة من العلاج الكيميائي توقف التبويض عندها كليًّا، لكن الفتاة ذات الـ27 عامًا اتبعت نصائح طبيبها وجمدت حوالي ثلث مبيضها الأيمن قبل تلقي العلاج.

وبعد توقف العلاج، في عام 2007 قررت الفتاة الدنماركية أن تنجب، فتوجهت للبروفيسور كلاوس يدينج أندرسون وفريقه، وقاموا بزراعة 6 شرائح تعادل (حوالي 15%- 20%) من حجم المبيض، وتخصيبها عن طريق الحقن المجهري لتلد طفلتها الأولى.

القصة لم تنتهِ، ففي 2008 قررت برجولدت معاودة زيارة الطبيب وسؤاله حول إمكانية العلاج لمحاولة إنجاب طفل آخر، لتفاجَأ بأنها حامل للمرة الثانية دون الخضوع لعلاج، لتكون أول امرأة في العالم تنجب مرتين من عملية زراعة خلايا المبيض المجمدة.

وفي عام 2013 أعلن فريق الحفاظ على الخصوبة بمجموعة عيادات فيترس هيلث بأستراليا عن نجاح أول عملية في العالم لزراعة أنسجة مبيض مجمدة، ولكن هذه المرة دون وجود مبيض.

المميز في هذه الحالة هو أن المريضة اضطرت في وقت سابق إلى استئصال المبيضين، الأمر الذي دفع فريق العمل إلى التفكير في كيفية إيجاد مكان بديل خارج الحوض، فتمت زراعة الأنسجة في ﺟﺪار اﻟﺒﻄﻦ اﻷﻣﺎﻣﻲ Anterior Abdominal Wall.

وأكدت بروفيسور كيت سترن -قائد الفريق الطبي- أنه "من خلال التجارب تبين أنه لا زيادة في المخاطر لولادة طفل غير سليم بهذه الطريقة مقارنة بالطرق المعتادة"، وعن آخر الأبحاث التي تقوم بها مع فريقها قالت سترن: "نبحث الآن في كيفية تقليل مخاطر انتقال السرطان إلى خلايا المبيض في حالة إصابة المريضة بسرطان الدم".

أما بالنسبة للوضع في مصر فيقول الدكتور شريف باشا سيف -استشاري الخصوبة وأطفال الأنابيب-: "قريبًا سنتمكن من إجراء عمليات زراعة خلايا المبايض المجمدة. العائق الوحيد أمامنا هو عدم توافر بعض الأدوات والمستهلكات الضرورية"، وأوصى الدكتور سيف بعمل حملة توعية لأطباء الأورام بضرورة تعريف مريضات السرطان بتلك الإمكانية فور اكتشاف المرض وقبل البدء في العلاج.

كل تلك النجاحات بوارق أمل في أنه بالعلم تستطيع مَن أصيبت بالسرطان وهي طفلة أن تحقق حلم الأمومة وتنجب أكثر من طفل سليم في أي سن (حتى في سن انقطاع الطمث).