في خطوة هي الأولى من نوعها، صنفت منظمة الصحة العالمية إدمان ألعاب الفيديو باعتباره "مشكلة صحية عقلية"، وذلك في أحدث تصنيف للأمراض أصدرته المنظمة بعد أكثر من عشر سنوات من العمل على إعداده.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن التصنيف الدولي للأمراض هو "حجر الأساس للإحصاءات الصحية؛ إذ يقنن الحالة البشرية منذ الولادة وحتى الموت، متضمنةً جميع العوامل التي تؤثر على الصحة"، وتشير إلى أن "التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض والمشكلات الصحية يوفر مفردات مشتركة لتسجيل المشكلات الصحية والإبلاغ عنها ومراقبتها، وذلك في عالم يفوق عدد سكانه مليار شخص يتحدثون ما يقرب من 7 آلاف لغة".

وقال "تيدروس أدانوم جبريسيس" -المدير العام لمنظمة الصحة العالمية- في بيان صحفي مُصاحب لإعلان ذلك التصنيف: "إن التصنيف الدولي للأمراض هو خطوة تمكِّننا من فهم الكثير حول ما يجعل الأشخاص يمرضون ويموتون، وتتخذ إجراءات لمنع المعاناة وإنقاذ الأرواح".

من جهته، يقول خالد سعيد -المستشار الإقليمي للصحة النفسية بالمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط- في تصريحات لـ"للعلم": "إن اضطراب الألعاب يتميز بنمط سلوك اللعب المستمر أو المتكرر، كما يمكن أن يكون هذا الاضطراب ناجمًا عن ضعف التحكم في تواتر اللعب وشدته ومدته، وزيادة الأولوية الممنوحة للألعاب إلى درجة أنها تحتل مكان الأسبقية على الأنشطة والالتزامات اليومية الأخرى".

ويضيف أنه "لا يوجد عدد محدد للأفراد المصابين بالاضطراب الناجم عن ضعف التحكم في تواتر ممارسة ألعاب الفيديو وشدتها ومدتها"، مشيرًا إلى أن "تلك الألعاب، سواء كانت متصلة أو غير متصلة، يمكن وصفها بأنها نشاط يشارك فيه ملايين الأشخاص حول العالم، والغالبية العظمى من الأشخاص الذين يمارسون تلك الألعاب لا يعانون من أي عواقب صحية سلبية، لكن في الوقت نفسه، هناك مخاوف صحية مشروعة مرتبطة بسلوك الألعاب، وبالنسبة لبعض الأفراد، يمكن أن يؤدي الإفراط في ممارسة تلك الألعاب إلى تطوير ما نسميه "اضطراب الألعاب".

تشير المنظمة إلى أن "إدمان ألعاب الفيديو قد يؤدي إلى ضعف كبير في المجالات الشخصية والأسرية والاجتماعية والتعليمية، أو المهنية وغيرها من المجالات المهمة، وعادةً ما تكون جوانب الاضطراب واحدة لمدة 12 شهرًا على الأقل، وهو ما يستلزم سرعة التشخيص"، مضيفةً أن "هناك أوجه شبه بين إدمان ألعاب الفيديو وإدمان القمار والكحوليات؛ إذ إن الأشخاص الذين يقعون في قبضة إدمان ألعاب الفيديو يضعون ممارسة تلك الألعاب على قائمة أولوياتهم الحياتية، ويهتمون بها على حساب أنشطتهم اليومية العادية، وفي بعض الأحيان لا يأكلون أو يذهبون إلى الحمام، ما قد يؤدي إلى عواقب صحية وسلوكية سلبية يتم توثيقها على نحوٍ متزايد في جميع أنحاء العالم، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى النظر في هذه القضايا من منظور الصحة العامة".

وتوضح أن "التدخلات أو العلاجات التي يجب تقديمها لهؤلاء الأشخاص ينبغي أن تعتمد على مبادئ أو أساليب العلاج السلوكي المعرفي، والتي تشمل التدخلات النفسية والاجتماعية والدعم الاجتماعي والدعم الأسري"، مشددةً على أن "القلق الشديد ينتاب كثيرًا من الآباء، ليس فقط لأنهم قد يرون أطفالهم ينقطعون عن الدراسة، ولكن لأنهم يرون الهيكل الكامل للأسرة ينهار من جَرّاء إدمان مثل تلك الألعاب".

وحول الأسباب التي دفعت منظمة الصحة العالمية إلى تصنيف إدمان ألعاب الفيديو بوصفها "اضطرابًا في الصحة العقلية"، يقول "سعيد": "إن هناك عدة أسباب، أهمها مساعدة المعنيين بالشؤون الصحية على تعرُّف أولئك الذين قد يدمنون على الألعاب في وقت مبكر، مثل المراهقين أو الشباب الذين قد لا يطلبون المساعدة بأنفسهم، وكذلك الوعي بالمخاطر الأخرى المحتملة التي قد تنجم عن إدمان ألعاب الفيديو، مثل تداعياتها السلبية على الصحة البدنية والعقلية ونظم التغذية والنشاط البدني، بحيث تتوافر لدى المعنيين بالشؤون الصحية الدراية اللازمة بالمخاطر المرتبطة بإدمان ألعاب الفيديو، وأن يكونوا قادرين على تقديم المشورة الصحية، والتدخل الوقائي إذا لزم الأمر، فضلًا عن تقديم إرشادات واضحة بشأن تشخيص هذه الحالة لمنع تطورها إلى حالة أكثر سوءًا".

ويرفض "سعيد" الانتقادات التي وجهها البعض إلى هذا التصنيف بزعم أنه "يشوه صورة اللاعبين"، مضيفًا أن "تصنيف إدمان الألعاب على أنه اضطراب في الصحة العقلية سيؤدي إلى زيادة اهتمام المتخصصين في مجال الصحة بمخاطر تطور هذا الاضطراب، وبالتالي زيادة اتخاذ التدابير اللازمة للوقاية منه وعلاجه، وتبنِّي حملات تعليمية وصحية للتوعية به، ووضع خطط مستقبلية لتشخيصه والتعامل معه بصورة مبكرة".