نحن نولد قِطعًا غضة من اللحم لا اسم لها، ولا نصير كيانات لها موقع ضمن الجماعة البشرية في رحاب الحياة، إلا بعد أن يكتسب كلٌّ منا اسمًا يدل عليه، وهاهي نظرية علمية كبرى عن كوكبنا تولد من إشراقة عقلٍ جميل، وتظل تواجه الإنكار على امتداد ستٍّ وثلاثين سنة، بينما تتوالى إثباتاتها العلمية ويسميها أديب عالمي كبير، فتُشكِّل اختراقًا إبداعيًّا إنسانيًّا، يكشف لنا عن ذلك التآزر الخلاق، بين الأرض وساكنيها، وبين "ثقافتين" تتكاملان.

     قال جيمس لفلوك، يلخص النظرية التي اهتدى إليها منذ خمسة وستين عامًا: "إن الأرض بكاملها، بما في ذلك الغلاف الجوي والمحيطات والطبقات العليا من الصخور، تعمل ككائن حيٍّ واحد، تنظم بيئتها الداخلية مثلما ينظم الحيوان درجة حرارة جسمه وتوازنه الكيميائي، فعلى مدار 3.8 مليارات سنة ماضية، تم تشغيل نظام التغذية المرتدة الشامل في المحيط الحيوي، لينظم مجمل أشكال الحياة ودرجة الحرارة ونسب الغازات في الغلاف الجوي لصالح الحياة، وبهذا أصبح علم نظام الأرض راسخًا كإطار فكري قيِّم لفهم الكوكب الوحيد المعروف أنه يؤوي الحياة".

     سطور قليلة خطيرة، وخطورتها تسطع من اعتبار كوكبنا -المتفرد باحتضان الحياة- يسلك في الحفاظ على شروط استمرار الحياة مسلك كائن حي، وبتآزر بين كل الأحياء وحتى ما كنا نعتبره "جمادات"، فهل كان ذلك مجرد تعبير بلاغي خارج نطاق العلم؟ أبدًا، هذا ما يقول به القبول الواسع الآن بتلك الفرضية التي حولتها الإثباتات العلمية إلى نظرية، يصفها البعض بأنها تعتبر اختراقًا علميًّا تاريخيًّا، يضاهي اختراق "كوبرنيكوس" بفرضية مركزية الشمس، لا الأرض التي هي مجرد تابع يدور حول الشمس، فنظرية "لفلوك" تكاد تقول بأن الأرض تحيا، كل ما فيها يخفق بنبض الحياة، هذا لو لجأنا إلى تعريف الحياة بما يتجاوز "التكاثر"، وهو ما عبَّر عنه "لفلوك" عندما رد على الساخرين من فرضيته بأن "الأرض لا تحقق أهم شروط وجود الكائنات الحية، فهي لا تتكاثر"، قال مبتسمًا بمكر ساخر: "وهل كوكب عاش أربعة مليارات سنة في حاجة إلى تكاثر؟!"، ولم يكن في حاجة لتأكيد أنه لم يقل بأن الأرض كائن حي، لكنه لم يتنازل عن رؤيته بأن الأرض "تحيا"، فلنبدأ القصة.

الميلاد.. ومضة استنارة

     يحكي جيمس لفلوك أن فكرة فرضية "جايا" (قبل أن يعثر لها على اسم) حدثت له كإلهام شخصي وبشكل مفاجئ تمامًا، "كأنها ومضة استنارة"، كان في غرفة صغيرة في الطابق العلوي من مبنى الدفع النفاث لوكالة ناسا الأمريكية في باسادينيا بكاليفورنيا، في ذلك الخريف من عام 1965، وفي لحظة، خطرت له الفكرة، فوقعت الرهبة في نفسه، لقد أدرك أن الغلاف الجوي للأرض كان استثنائيًّا مقارنةً بالغلاف الجوي للمريخ الذي سبر بنفسه غور غازاته وهو على الأرض، عبر تليسكوب ومطياف يحدد كنه هذه الغازات، وقد أنبأته هذه الغازات المريخية بأنها مجموعة ساكنة منذ أمدٍ بعيد، مما يقطع بأنه لا حياة في هذا الكوكب الأحمر، أما غازات الغلاف الجوي للأرض، فكانت على العكس في حالة حركة دائبة، تتغير نسبها طوال الوقت بفعل ما تنفثه فيها الكائنات الحية وما تأخذه منها، ومع ذلك يظل تركيبها ثابتًا في نطاق لا تتعداه، فلا بد أن هناك ما ينظم توازن غازات هذا الغلاف، وبشكل متواصل، بتقليل ما يزيد منها، وزيادة ما يقل، ورأى "لفلوك" أن الحياة -بمجموع الكائنات الحية في كوكب الأرض- لا بد أن تكون مشاركًا رئيسيًّا في استتباب هذا التوازن، فكأن الحياة تصنع شروط استمرارها في هذا الكوكب، وتحافظ على ثباتها!

     كان ذلك ضربًا من تفكير غير مطروق في علوم الأرض التي تهيمن عليها الجيولوجيا، على اعتبار أن التفاعلات الفيزيائية للأرض، والتفاعلات الكيميائية لها، هي الضامن لمواصفات النطاق الذي تعمره الحياة، وكأن الأرض كرة كونية من الصخور والماء والهواء سكنتها الحياة دون أن تؤثر فيها، ولم يكن ذلك ليقنع "لفلوك"، ففيزياء كوكب المريخ وكيمياؤه لم يُظهرا نبض الحياة في غلافه الجوي، أما أمر الغلاف الجوي للأرض فمختلف.

خيطٌ طويلٌ من المواد الشمسيَّة التي كانت تدور في فلك الشمس يندفع إلى الفضاء الخارجي للشمس Credit: NASA/GSFC/SDO

     يعلق على ذلك عالِم الفيزياء الكبير، والكاتب العلمي، فيرتيوف كابرا، قائلًا: "كانت سيرورة "التنظيم الذاتي" Autoregulation هي المفتاح لفكرة "لفلوك"، فقد عرف من علماء الفيزياء الفلكية أن حرارة الشمس زادت بنسبة 25% منذ بدأت الحياة على الأرض، وعلى الرغم من هذا ظلت حرارة سطح الأرض ثابتةً عند مستوى مناسب للحياة"، وفي هذا السياق يمكن أن نضيف إلى ملحوظة "كابرا" الثاقبة مؤشرات أخرى أوحت لجيمس لفلوك بمركزية "التنظيم الذاتي" كحافظ لشروط الحياة على الأرض تشارك في تحقيقه كائناتُها الحية، كثبات نسبة الأوكسجين في الغلاف الجوي عند 21%، وكذلك نسبة ملوحة البحار والمحيطات في نطاق لا تخرج عنه، نبض من التغيرات الطفيفة المُلاحقة بمراجعة مستمرة تضمن ثبات شروط الحياة في المنطقة التي تسكنها الحياة على كوكبنا المسماة "نطاق الحياة" أو "الغلاف الحيوي" Biosphere الذي يضم: الغلاف الترابي (قشرة الأرض من سطحها وحتى بضعة كيلومترات في العمق)، والغلاف المائي بمحيطاته وبحاره وأنهاره، والغلاف الهوائي ممثلًا في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي الملاصقة للأرض أو "التروبوسفير"، خيمة رقيقة عجيبة لإيواء الحياة على هذا الكوكب، ومنطقي جدًّا أن تشارك في صونها الحياة، ولا بد أن هذا مثَّل شحنة الومضة التي ألهمت لفلوك فرضيته، وفي القلب منها أعجوبة "الضبط الذاتي" التي هي أعجوبة الحياة، فينا وفي كل حي، وهو ما كان ماثلًا في عقل جيمس لافلوك، قبل غيره، ومنذ عمرٍ مبكر.

كم يشبهنا كوكبنا.. وكم نشبهه!

     لنتذكر أن جيمس لفلوك، بدأ طبيبًا بالأساس، ومفهوم "التنظيم الذاتي" في دراسة الطب هو أساس علم الفسيولوجيا الشارح لكل وظائف أجسادنا في حالة الصحة، وهذا بدوره يستدعي مفهوم "التوازن" أو الاستتباب homeostasis، للحفاظ على مؤشرات الأداء الصحي لكل عضو ووظيفة، بإعادة كل تغيُّر إلى نطاقه الطبيعي، عبر آلية "التغذية الراجعة " feedback mechanismالتي يعرفها كل دارس لعلوم الأحياء والحياة، خاصةً الطب، ومن ثم كان إلهامًا صادف أهله عندما لمح "لفلوك" سيرورة "التنظيم الذاتي" كأساس لصيحته "الأرض تحيا"، التي ترنمت بها "فرضية جايا"، قبل أن تنال اسمها البديع، وتعالوا ننظر في أنفسنا، فنرى ما كان خافيًا عنا في كوكبنا.

     نعرف جميعًا أن درجة حرارة جسم الإنسان القياسية الطبيعية هي 37 درجة مئوية، وتخضع لتقلبات غير ذات أهمية فيما يسمى "النطاق الطبيعي"، الذي يتراوح عند الشخص البالغ من 36.5 إلى 37.5 درجة مئوية؛ فكيف يستمر هذا النطاق الطبيعي سواءٌ عاش الإنسان في بيئة قارسة البرودة أو لاهبة الحرارة؟

في الأجواء الحارة، كهذه التي تُلهب عالمنا الآن (وتثبت تحقق الاحترار العالمي الذي أكده "لفلوك" من خلال نظرية جايا قبل عدة عقود)، يستقبل مركز تنظيم درجة حرارة الجسم في منطقة ما تحت المهاد hypothalamus بالمخ، رسائل من مستشعرات الجلد تفيد بأن زخم حرارة الجو يتسلل إلى الجسم ليرفع حرارته ويهدد أداء وظائفه بالاضطراب، فيصدر المركز مجموعة من الأوامر تنفذها شبكة من الفعاليات تحقق تمدد الأوعية الدموية في الجلد للسماح بمزيد من تدفق الدم بالقرب من سطحه لتشع الحرارة الزائدة في البيئة المحيطة، كما أن زيادة تدفق الدم تنشط الغدد العَرَقية، فيزيد العَرق ليتبخر مبددًا بعضًا من الحرارة الزائدة، وبالمصاحبة يصير التنفس أعمق، ومن الفم غالبًا، فيزيد فقدان الحرارة عبر بخار الماء الدافئ في الزفير، وبذلك كله، تظل درجة حرارة أجسامنا في نطاقها الطبيعي حول 37 درجة مئوية!

     أما في البرد القارس فيحدث العكس تقريبًا، تصل منبهات خطر الابتراد إلى مركز التنظيم الحراري في المخ، فيصدر أوامره لشبكة تنفيذية تؤدي إلى: انقباض الأوعية الدموية في الجلد لمنع تدفق الدم بالقرب من سطح الجسم لتقليل فقد الحرارة، وتتلقى العضلات ما يؤدي إلى تقلصها لحدوث الارتعاش وتوليد حرارة داخلية تواجه برودة الخارج، كما تُحفَّز الغدة الدرقية (عبر الغدة النخامية) لإفراز المزيد من هرموناتها لزيادة نشاط التمثيل الغذائي وإنتاج مزيد من الحرارة الداخلية، ويمكن تحفيز الغدة الكظرية لإفراز هرمون الأدرينالين لتحويل الجليكوجين (المُخزِّن للسكريات المعقدة الغنية بالطاقة) إلى جلوكوز يسهل إحراقه لإطلاق طاقة تدعم التدفئة الداخلية للجسم، وتظل في النطاق الطبيعي حول 37 درجة مئوية!

     المثال السابق ما هو إلا نموذج واحد من عمليات "التنظيم الذاتي" التي تحافظ -عبر آلية "التغذية المرتدة"- على حالة "الاستتباب" لشروط استمرار الحياة، وهي عديدة ومدهشة، تكاد لا تستثني وظيفة من وظائف أجسادنا (وأجساد كل الأحياء، وإن بطرق مختلفة)، فهي تحدث للحفاظ على مستوى السكر في الدم، وانتظام ضربات القلب، وضبط ضغط الدم، وعمل الكلى، وغيرها، لكن الملحوظ أن آلية التغذية المرتدة في هذه النماذج تنتمي إلى ما يسمى "التغذية المرتدة السلبية"، التي تعمل على إنقاص المثير للعودة إلى الحالة الطبيعية، بينما هناك "تغذية مرتدة إيجابية" لزيادة المثير للوصول إلى نتيجة داعمة للحياة أيضًا، وإن بشكل مختلف، فهي تحدث في الولادة بزيادة الضغط على عنق الرحم لدفع الجنين إلى الخروج، وعند حدوث جرح لتزيد من إنتاج الصفائح الدموية لإحداث خثرة تغلق الجرح المفتوح، فماذا عن هذه التغذية المرتدة عبر التنظيم الذاتي للوصول إلى استتباب شروط الحياة على مستوى كوكبنا، كما تقول نظرية جايا؟

شروق الحقائق الجديدة يربك بعض العيون

     لقد كان أول نشر لهذه النظرية (قبل أن تكتسب اسمها الشهير) عام 1968 في مجلة "العلوم الفلكية الأمريكية" تحت عنوان "أجواء الكواكب: التركيب والتغيرات الأخرى المرتبطة بوجود الحياة"، وكان يتعلق بشكل رئيسي بتحليل الغلاف الجوي لكوكبنا كنموذج يشير إلى حيوية الحياة فيه، ومشاركتها في تشكيل هذا الغلاف، وبعد عام من التجاهل الغريب والمريب لهذا النشر الأول للفرضية، قام "لفلوك" عام 1969 بتقديمها في مؤتمر علمي ببريستون تحت عنوان "الأرض كمنظومة ذاتية التنظيم"، عندها تحول تجاهُل ما سماه لفلوك "المجتمع العلمي" إلى هجوم عدواني تضمَّن ازدراءات من نوع أن هذه نظرة غير علمية، ولغوٌ غائي، أي موجه نحو غاية مرسومة له مسبقًا، وكان أبرز المهاجمين من علماء الأحياء التطورية الداروينيين القدامى، والداروينيين الجدد، ومنهم مشاهير مثل ريتشارد دوكينز، وستيفن جاي جولد، إذ رأوا أن الانتقاء الطبيعي الذي عمل ويعمل على الكائنات الحية لا يمكن أن يؤدي إلى توازن على نطاق الكوكب الذي هو كرة من صهارة وحجارة وتراب وماء وهواء! وغير هؤلاء المعارضين العلميين، كان هناك مَن تجاوز المُحاججة العلمية إلى السباب والوصم بترويج الهراء!

صورة التقطت للعالم جيمس لافلوك في عام 2005 credit: CC BY-SA 1.0

     لم ينل ذلك من جيمس لافلوك، المتواضع بقوة، والعنيد بوداعة، وإن ظل قابضًا على إشراقة رؤيته للأرض ككيان ذاتي التنظيم، وقد عبر عن كل هذا عندما كتب عن "تاريخ نظرية جايا" فقال: "كانت نظرية جايا ثوريةً جدًّا كي تُقبَل فورًا، وكان عليَّ أن أتوقع ذلك حتى تُجمَع كمية معتبرة من الأدلة، وفي الواقع لم ينل المبدأ قبولًا جزئيًّا حتى عام 2001، أي بعد مضي ستة وثلاثين عامًا، وخلال كل هذه السنين من الإنكار حدث أمران فارقان لصالح رؤية "لفلوك"، أولهما اكتساب هذه الرؤية اسمًا اقترحه أديب عالمي، فتح لها الأفق المعنوي، وثانيهما دخول عالِمة فذة على خط دعم هذه الرؤية بالقرائن العلمية من واقع اختصاصها كعالِمة أحياء دقيقة، إضافة إلى كونها مقاتلة جميلة وشديدة البأس، جندلت محاربيها من الداروينيين المتشددين والداروينيين الجدد (ومنهم ريتشارد دوكنز الشهير نفسه) عندما أكدت أبحاثها آلية التكافل symbiosis كطريق للتطور (غير الصراع والتنافس) نشأت عنه الخلايا حقيقية النواة والميتوكوندريا، وكان ذلك المدد فاتحة لتنشر نظرية جايا مزيدًا من أضوائها، وتتلقَّى المزيد من أنوار التأييد العلمي.

أديب يُسمِّي.. وعالِمة تؤصِّل  

     لقد رتبت الأقدار لجيمس لفلوك صدفة جيرة وصداقة في القرية التي اختار أن يسكنها بعيدًا عن صخب المدن، تمثلت في الأديب الإنجليزي وليام جولدنج، الحاصل -فيما بعد- على جائزة نوبل، فقد عاشا معًا في قرية "بورتشوك" القريبة من ساليسبري غرب إنجلترا، وكانا خلال اللقاء غالبًا ما يتحادثان في موضوعات علمية في أثناء تمشيتهما حول القرية أو جلوسهما في حانتها، وكان "جولدنج" مهتمًّا بالعلم، إذ كان قد درس الفيزياء في أكسفورد، وحكى لفلوك لجولدنج عام 1969 ما تلقاه فرضيته عن الأرض ككيان ذاتي التنظيم من معارضة، وأبدى "جولدنج" تفهمًا وحماسًا لهذه الفرضية، وقال للفلوك: "إذا كنت تزمع الخروج بفكرة عظيمة كهذه فعليك إعطاؤها تسميةً مناسبة، وأقترح عليك اسم جايا"، وفرح "لافلوك" بهذا الاسم، إذ كان يرى الأرض كينونةً حية -على الأقل- تتحكم في مناخها وكيميائيتها، كما انتبه إلى أن القليل من العلماء يلمون بالآداب الكلاسيكية، ولا يعرفون أن "جايا" ماثلة بالبادئة "جي" GE)) في أسماء كثير من علوم الأرض، في "جيولوجيا" و"جيوفيزياء" و"جيوكيمياء"، وكانت "جايا" في الأساطير الإغريقية هي "ربة الأرض"، "التي جلبت النظام من الفوضى"، وكان ذلك ينطبق تمامًا على محصلة عمليات "التنظيم الذاتي" التي تُرجِع عشوائية التغيرات الناتجة عن أنشطة الكائنات الحية واضطراب الكوكب إلى التوازن الأساسي الملائم للحياة، لكن "لفلوك" لم يكن يعرف أي الكائنات الدقيقة هي التي تصدر هذا الغاز أو ذاك الذي يدور في حلقة هذا "التنظيم الذاتي" لحرارة سطح الأرض وكيمياء الغلاف الهوائي عليها؟

     هنا، تقدمت المتمردة الجميلة عالِمة الأحياء الدقيقة "لين مارجوليس" لتعضد حدس "لفلوك" بالقرائن العلمية، مؤكِّدةً أن الكائنات الدقيقة تطلق الغازات التي تسهم في هذا التنظيم الذاتي لكوكب الأرض، وحددت نوع كل كائن ونوع الغاز الذي يطلقه، وصارت "لين" المشاكسة شريكةً لجيمس الوديع في الدفاع العلمي عن نظرية جايا، هي تتولى مهمة إثبات الأصول البيولوجية لغازات الغلاف الهوائي للأرض، وهو يقدم إثباتات حدوث التنظيم الذاتي له، عبر الكيمياء والديناميكا الحرارية والسيبرانية (بنموذج رياضي حاسوبي كاسح النجاح أكد النظرية)، وبعد هذا المدد الأدبي والعلمي والنشاط البحثي الدائب والصائب، بدأت الأبحاث العلمية تنهال على النظرية بمزيد من تأكيدات صحتها، فصارت نظريةً كبرى لكوكب الأرض ككيان ذاتي التنظيم، تتواشج في تنظيمه كل أشكال الحياة على أرضه وفي بحاره وأنهاره وهوائه، بل تشارك فيه حتى الصخور، نعم الصخور!

دورة ثاني أكسيد الكربون المدهشة

     لقد ظلت براكين الأرض على امتداد ملايين السنين تلفظ كمياتٍ هائلةً من ثاني أكسيد الكربون، وهو من غازات الدفيئة التي تزيد احترار الأرض، ومع تزايُد ما تصبه الشمس -كنجم يتوسع ويستعر- من حرارة على هذا الكوكب، كان لا بد من تقليل هذا الغاز في الغلاف الجوي وإلا صارت الأرض أتُّونًا لا يصلح للحياة، وهنا كانت الحيوانات والنباتات تقوم بتدوير كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون والأكسجين عبر عمليات التركيب الضوئي والتنفس والتعفن، لتقليل ثاني أكسيد الكربون وموازنة نسبته مع الأوكسجين، وكان ذلك يشكل جزءًا من حلقة تغذية مرتدة للوصول إلى استتباب درجة حرارة الأرض، أما الجزء الباقي فكان من نصيب الصخور! فعملية حت الصخور تتضمن اتحادًا بين الصخور ومياه المطر الذائب فيها ثاني أكسيد الكربون لتكوين الكربونات، وقد ثبت -كما تنبأت نظرية جايا- أن الحياة ممثلة بالبكتيريا تزيد من حت الصخور لتتحول إلى تراب من كربونات الكالسيوم، ينجرف إلى المحيطات لتمتصه أشنات Lichen لا تُرى بالعين المجردة، وتحوله إلى قواقع بديعة تتنقل بها، وبموازاة ذلك تمتص بكتيريا المحيط ثاني أكسيد الكربون مباشرةً من طبقة الهواء الملامسة لسطح الماء، وهكذا تؤول كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون إلى المحيط، فتقل نسبته في الهواء ويقل الاحترار، ثم، عندما تموت الأشينات تنهمر قواقعها إلى القاع السحيق للمحيط لتشكل ترسباتٍ ثقيلةً من الحجر الكلسي، تتسرب إلى وشاح الأرض وتذوب فيه، ومن جديد تعود البراكين لتلفظ جزءًا من ثاني أكسيد الكربون الذائب في الصخور إلى الهواء، وتتكرر الدورة!

جايا والثقافة الجامعة

     في المفهوم الأسطوري الإغريقي تمثل جايا "ربة الأرض التي أتت بالنظام من الفوضى"، وهذا يمثل بالمفهوم الأدبي "استعارة" أو "مجازًا" عابرًا للأزمنة، وجاءت "نظرية جايا" لتدهشنا بأن الاستعارة يمكن أن تكون منطويةً على حقيقة ملموسة من حقائق حياتنا على الأرض، يكشف عنها العلم بأدواته وإشراقات مبدعيه، فنرى الواقع في ضوء جديد، يُبصِّرنا بما كان خافيًا عنا، ويهدينا بهذا التبصر إلى ما يكتنف وجودنا من سحر بديع أو خطر داهم، وهو ما يحتاج رحبة (أرض واسعة) ثانية لنظرية جايا، أما الآن، فلعله صار جليًّا أن ذلك الفصل الثقافي المفتعل بين الثقافة الأدبية والثقافة العلمية يخصم من حق البشر في معرفةٍ تمزج بين الثقافتين، لتكون ثقافة جديدة، أفعل وأجمل، وهذه رحبة أخرى!