حذرت دراسة حديثة من خطورة استغلال الجماعات المتطرفة للتمييز والعنف ضد المرأة كأداة لتجنيدهن أو تجنيد أقاربهن من الرجال للانضمام إلى صفوف التنظيمات الإرهابية في ليبيا.

تقول الدراسة التي حملت عنوان "المساواة بين الجنسين والتطرف القائم على العنف: أجندة بحثية عن ليبيا"، إنه "على الرغم من أن هناك نظريات عامة تفسر صعود التطرف القائم على العنف الذي يركز على العوامل المادية أو الاقتصادية مقابل العوامل السياسية الأيديولوجية أو الدينية، إلا أن هناك عوامل خاصة أدت إلى التطرُّف والتطرُّف المصحوب بالعنف في ليبيا، ومن ذلك تأييد العنف ضد المرأة أو التغاضي عنه، الذي يُعد العامل الإحصائي الوحيد الذي يرتبط بدعم التطرف العنيف على الأراضي الليبية".

تناولت الدراسة الميدانية -التي امتدت من أكتوبر 2018 وحتى مارس 2019- العلاقة بين التطرف العنيف والنوع الاجتماعي، وكذلك التعرف على دوافع النساء للانضمام إلى الجماعات الإرهابية والأدوار التي تؤديها في صفوفها، والإستراتيجيات التي تستخدمها النساء لمكافحة التطرف العنيف. كما تناولت الدراسة الدور الذي يؤديه النوع الاجتماعي في دفع الأفراد إلى الانخراط ضمن صفوف الجماعات الإرهابية والمتطرفة والعنيفة، وكيفية تفاعُل عدم المساواة بين الجنسين والتمييز داخل المجتمع الليبي مع عوامل أخرى كالعوامل الاقتصادية والسياسية والدينية لنشر التطرف القائم على العنف.

وتستكشف الدراسة كيف يجري التلاعب بالهيكل الاجتماعي للذكورة والأنوثة (وما يترتب على ذلك من أدوار ومسؤوليات) من قِبَل الجماعات المتطرفة القائمة على العنف من خلال إستراتيجياتها لتجنيد عناصر جديدة والسيطرة عليها.

استهدفت الدراسة -التي أجراها المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة للدول العربية، وجامعة "موناش" الأسترالية بالشراكة مع المؤسسات الوطنية والجهات الفاعلة في ليبيا، وبدعم من حكومة المملكة المتحدة- التوصل إلى فهم أوسع للدوافع المتعلقة بالنوع الاجتماعي، والتي تدفع تلك العناصر إلى الانضمام إلى الجماعات المتطرفة والإرهابية في ليبيا، وكيفية تفاعُل عوامل عدم المساواة بين الجنسين والتمييز ضد المرأة في المجتمع الليبي مع العوامل الاقتصادية والسياسية والدينية لنشر الأيديولوجيات المتطرفة.

وأظهرت أن الجماعات المتطرفة العنيفة تستخدم الحوافز المالية لإغواء الرجال والنساء للتطرف من خلال استغلال المعايير المجتمعية عن الذكر بوصفه المُعيل والقائد، والمرأة بوصفها ضعيفة اقتصاديًّا، وأنه عادةً ما تكون النساء اللائي يتبعن و/أو يعتمدن على أقارب ذكور متطرفين، أكثر عرضةً لأن يتم تجنيدهن من قِبَل هؤلاء الأقارب. ووجد البحث أيضًا أن النساء يؤدين أدوارًا غير رسمية ولكنها مهمة في مواجهة التطرف العنيف ومنعه، بالإضافة إلى الدفاع عن حقوق المرأة في ليبيا، مشيرةً إلى أن هذه الأدوار "لا يجري توثيقها بشكلٍ كافٍ".

أجرى الباحثون دراستهم في أربع مناطق ليبية مختلفة (بنغازي وأجدابيا وطرابلس وسبها)، كما صمموا استبانةً استمرت لمدة ثلاثة أشهر امتدت بين مارس ويونيو 2019 بمشاركة 1007 من الأشخاص من المناطق الأربع، واعتمد الباحثون على مقياس "ليكرت الخماسي" لرصد إجابات عينة البحث، وهو مقياس يتضمن خمس نقاط للإجابة تتراوح بين "لا" و"أوافق بشدة"، واستهدفت الأسئلة تحديد نتائج البحوث الميدانية، وتقديم تحليل أكثر شمولًا للعلاقة بين المواقف تجاه المساواة بين الجنسين -والمرأة على وجه الخصوص- ودعم التطرف القائم على العنف.

سلاح الاغتصاب

جرى تقسيم عينة البحث المشارِكة في الاستبانة بالتساوي (تقريبًا) بين الذكور والنساء (507 من الرجال، و500 امرأة يمثلن 49.65% من إجمالي عدد المشاركين)، وحرص الباحثون على ضمان التقارب بين المشاركين من حيث المستوى التعليمي والوظيفي والحالة الاجتماعية والدخل الشهري؛ لتجنُّب تأثير العوامل الأخرى المرتبطة بتجنيد الجماعات المتطرفة للجنسين، كما حرصوا على زيادة عدد المشاركين في الدراسة من الشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا) باعتبارهم الأكثر عرضةً للتجنيد من قِبَل الجماعات المتطرفة القائمة على العنف.

وأيد 386 من المشاركين في الاستبانة (38.3%) فرضية أن بعض الرجال يرغبون في الانضمام إلى الجماعات المتطرفة بدافع الرغبة في الهيمنة على المرأة، أو غيرها من الدوافع المتحيزة جنسيًّا التي تروج لها هذه المجموعات المتطرفة.

واتفق حوالي نصف مَن جرت مقابلتهم على أن العنف القائم على أساس نوع الجنس يمكن أن يدفع النساء للانضمام إلى الجماعات المتطرفة، إذ صرحت امرأة من مدينة سبها بأن "الإفلات من هذا النوع من العنف أحد العوامل التي تجتذب النساء إلى الجماعات الأصولية المتطرفة"، في حين ذهب 39% من المشاركين إلى أن "الاغتصاب أحد العوامل التي تدفع النساء للانضمام إلى الجماعات المتطرفة القائمة على العنف"، وفي حين أيد 10% من المشاركين في الاستبانة (بشدة) فرضية أن النساء اللواتي يتعرضن للعنف من أزواجهن أو آبائهن أو إخوانهن يكنَّ أكثر عرضةً للانضمام إلى الجماعات المتطرفة القائمة على العنف، ووافق 41% من الرجال على استخدام العنف لمعاقبة الفتاة "في حالة جلبها العار إلى الأسرة"، في حين أيد 24% من النساء استخدام العنف القائم على حماية الشرف".

6 نتائج رئيسية

توصلت الدراسة إلى 6 نتائج رئيسية؛ إذ ذهبت النتيجة الأولى إلى أن "المواقف الداعمة أو المتغاضية عن العنف ضد المرأة هي العامل الإحصائي الوحيد المرتبط بشكل إيجابي بدعم التطرف القائم على العنف. وبعبارة أخرى فإن الأشخاص الذين يدعمون العنف ضد المرأة هم أكثر عرضةً لدعم التطرف القائم على العنف. ولم يرتبط أي متغير آخر (مثل السن والدين والتعليم والوظيفة ودرجة التدين) بدعم التطرف القائم على العنف. وشمل هذا الاستنتاج جميع مَن خضعوا للاستبانة".

أما النتيجة الثانية، فذهبت إلى أن الجماعات المتطرفة القائمة على العنف مثل "داعش" تركز على تجنيد الرجال ثم على تجنيد أفراد عائلاتهم من النساء، وبمجرد أن يُحكموا سيطرتهم على النساء يستخدمونهن كأداة للضغط على الرجال؛ ففي حال تردُّد أيٍّ من الرجال عن مواصلة الانتماء إلى تلك التنظيمات، يصبح من السهل ابتزازه عن طريق تهديده باستخدام العنف ضد أفراد أسرته من الإناث.

كما حذر الباحثون في النتيجة الثالثة التي توصلوا إليها من "لجوء الجماعات المتطرفة إلى إنشاء منصات إعلامية مخصصة لتجنيد النساء"، مشيرين إلى أنه "وفقًا للعمل الميداني، فقد أسهمت القنوات التلفزيونية في انتشار التطرف القائم على العنف بين النساء، وأن التلفاز يُعد من أرخص وسائل الإعلام وأكثرها انتشارًا في ليبيا، حيث تتابع "ربات البيوت" برامج تليفزيونية تبث الرسائل المتطرفة. وكثيرًا ما تقدم هذه القنوات والبرامج التلفزيونية بعضًا من دعاة الأفكار المتطرفة والمروجين لها، مطلقين العنان للفتاوى المتعصبة الداعمة لتبعية النساء للرجال، ومعزِّزين فكرة "العقاب الإلهي" لمَن يخرجن عن تلك التبعية، وأن الدعاة يستغلون ظهورهم على هذه الوسائل الإعلامية التلفزيونية لاستخدامها كمنبر لتقديم ونشر أفكارهم الراديكالية بين النساء الليبيات، إضافة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت هي الأخرى بمنزلة قنوات مهمة لنشر الأيديولوجيات المتطرفة، وتجنيد الرجال والنساء في الجماعات المتطرفة".

الزواج القسري

وربطت النتيجة الرابعة بين وشائج القربى والتطرف القائم على العنف، مشيرةً إلى أن "الزواج القسري للفتيات القاصرات من قِبَل متطرفين يتسمون بالعنف يمثل أحد عوامل الضغط على النساء للانضمام إلى الجماعات المتطرفة؛ إذ يجبر بعض أولياء الأمور فتياتهن على الزواج من أتباع الأيديولوجيات المتطرفة دون موافقتهن، ما يجبرهن على مواصلة الحياة الزوجية خوفًا من أن يصبحن سيدات مطلقات، وهو أمرٌ غير مقبول في المجتمع الليبي.

وشددت النتيجة الخامسة على أن "بعض المؤسسات الدينية تنشر التعصب وتتحيز ضد المرأة؛ إذ تؤكد المناهج الدراسية في المدارس الدينية -وكذلك المدارس العادية- أن "دور المرأة يقتصر على تقديم الرعاية الأسرية والعملية الإنجابية فقط"، محذرةً من أن "زيادة المدارس الدينية أدت إلى انتشار التعصب والتطرف والأيديولوجيات التي تميز بين الجنسين".

أما النتيجة السادسة، فذهبت إلى أن "الجماعات المتطرفة تمارس العنف ضد القيادات النسائية وعائلاتهن؛ لأنهن يؤدين دورًا في زيادة الوعي في المجتمع، إذ وافق 40% من النساء على أن الهجمات على القيادات النسائية كانت من علامات تنفيذ الميليشيات لهجمات وشيكة، في حين ذهب 33% من الرجال إلى أن عناصر التنظيمات الإرهابية يلجأن إلى ذلك السلوك الموجه ضد القيادات النسائية وعائلاتهن؛ لإثنائهن عن ممارسة دورهن النشط في مواجهة هذه التنظيمات. كما وافق 27% من النساء و19% من الرجال (بشدة) على مقولة "يمكنني معرفة متى سيكون هناك عنف متطرف بمجرد أن تبدأ الميليشيات في مهاجمة القيادات النسائية".

التمييز بين الجنسين

من جهتها، تقول ميليسا جونستون -الحاصلة على درجة الزمالة في أبحاث ما بعد الدكتوراة في مركز الشؤون الجنسانية والسلام والأمن في جامعة موناش الأسترالية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن حرمان المرأة من حقوقها وعدم المساواة والتمييز بين الجنسين يوفر أرضية خصبة للتطرف العنيف، فهذه مشكلة خطيرة في ليبيا أو حول العالم". وأضافت: "نرى حاليًّا رد فعل عنيفًا ضد حقوق المرأة في جميع أنحاء العالم، ما يدفعهن إلى أحضان الأيديولوجيات والجماعات المتطرفة (العنيفة)، التي تتضمن تنظيمات داعش واليمين المتطرف والمتمردين، لذلك فهي مشكلة خطيرة للغاية، سواء في ليبيا أو خارجها".

تشدد "جونستون" على أن "الاعتداء الجنسي يُعَد من المحرمات الكبيرة في ليبيا، لكننا لا نعرف إلى أي مدى هو شائع؛ لأنه لم يتم إجراء دراسة حول انتشار العنف ضد المرأة على مستوى البلاد، ويتطلب منع الاعتداء الجنسي والاغتصاب سياساتٍ دقيقةً وواضحة تجاهه، وتوفير مزيد من الدعم والموارد للنساء الضحايا، ويكمن حل هذه الظاهرة في تعزيز المساواة بين الجنسين، بحيث تكون المرأة حرةً في اتخاذ خيارات صحيحة، وبالتالي تحمي أسرتها من أن تكون عرضةً للتجنيد والاستغلال من قِبَل التنظيمات الإرهابية".

بدورها، طالبت جاكي ترو -أستاذة العلاقات الدولية، ورئيسة مركز الشؤون الجنسانية والسلام والأمن في جامعة "موناش"، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" بـ"أن تكون العائلات أكثر وعيًا بإستراتيجيات التنظيمات الإرهابية، التي تستخدم شرف النساء/ الفتاة (والعنف الجنسي) لتجنيد أفراد أسرتها. كما أن نشر روح التسامح بصورة كبيرة داخل الأسرة يمكن أن يمنع عمليات التجنيد، مطالِبةً بضرورة دعم الأسر التي تعاني من أزمات اقتصادية؛ حتى لا تنجذب إلى الحوافز التي تقدمها مجموعات التجنيد للتنازل عن أبنائها/ بناتها".

حماية الضحايا

تضيف "ترو" أن "هناك حاجة إلى إنشاء مزيد من المؤسسات (ملاجئ للنساء ومساحات آمنة) توفر الرعاية والحماية لضحايا العنف القائم على أساس نوع الجنس. وأشارت إلى أنه يتعين على الجهات الفاعلة في قطاع الأمن أن تتعامل مع العنف ضد المرأة في إطار أشمل، وليس كونها مسألة خاصة بين الرجل والمرأة".

وفيما يتعلق باحتمالات تعميم نتائج الدراسة على بلدان أخرى، مثل مصر على سبيل المثال، تقول "ترو": يمكننا القول بوضوح إن ما توصلنا إليه في الدراسة يمكن تعميمه على كافة بلدان منطقة شمال أفريقيا، وليس دولة واحدة دون غيرها.

في المقابل، يقول سعيد صادق –أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الحالة الليبية حالة خاصة، وتحديدًا فيما يتعلق بالاختلافات القائمة على الجنس أو النوع الاجتماعي، إذ إن المجتمع الليبي مجتمع قبلي ذكوري، تعاني فيه المرأة من التمييز والعنف بصورة تمهد الطريق أمام سقوطها فريسةً للتنظيمات الإرهابية، لكن هذا لا يمنع وجود تشابه في بعض النواحي بين الحالة الليبية وحالات أخرى، كما هو الحال بالنسبة لتنظيمات داعش الموجودة في العراق وسوريا، التي تعتمد على تجنيد النساء، وتحديدًا اللواتي ينشأن في أُسر على صلة بتلك التنظيمات".

وبالنسبة للوضع في مصر -باعتبارها إحدى دول شمال أفريقيا- يرى "صادق" أنه "يمكن ربط بعض نتائج الدراسة بما تفعله التنظيمات الإرهابية في شمال سيناء، مضيفًا: "لكن من الصعب تعميم كل نتائج الدراسة على المجتمع السيناوي، الذي يتمتع بدرجة أكبر من التمدن والسلوك الحضاري تجاه المرأة، مقارنةً بالمجتمع الليبي".

وتوصلت نتائج دراسة استقصائية سابقة، أجرتها هيئة الأمم المتحدة بالتنسيق مع منظمة "بروموندو" تحت عنوان "مفهوم الرجولة.. نتائج من الدراسة الاستقصائية بشأن الرجال والمساواة بين الجنسين– الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: مصر، ولبنان، والمغرب، وفلسطين"، إلى أن حدوث العنف في المنطقة يتشكل من خلال التمييز ضد المرأة، واستمرار المواقف التي تُبقي القوالب النمطية السلبية بين الجنسين.

وأضافت أنه "في المغرب على سبيل المثال، يعتقد 60% من الرجال أنه يجب على الزوجات تحمُّل العنف للحفاظ على بقاء الأسرة، ويرتفع الرقم إلى 90% في مصر. وفيما يتعلق بفلسطين، لا تزال نسبة الرجال الذين وافقوا على هذا الرأي عالية؛ إذ بلغت 63%، بينما انخفضت النسبة كثيرًا في لبنان لتصل إلى 26%، وهي نسبة لا يزال من الصعب التغاضي عنها، خاصةً أن التشريعات لا تتناول (غالبًا) جميع أشكال العنف ضد المرأة بصورة شاملة، وكثيرًا ما تكون آليات إنفاذ القانون غير كافية.

وتشدد "ترو" على ضرورة مراجعة المناهج الدراسية لجميع المدارس؛ حتى يعرف الآباء ما يتم تدريسه وأين، مضيفةً أن "هذا هو دور السلطات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، التي ينبغي أن تبدأ بنشر المناهج الدراسية للمدارس وتقييمها، وأن يتم خلق بيئة تسمح للمرأة بأن تشارك بفاعلية في القرارات الاقتصادية والعامة بصورة تجنِّبها السقوط في شباك التنظيمات الإرهابية، التي تحاول تجنيدها من خلال منحها أدوارًا ذات قيمة داخل تلك التنظيمات".

وفي السياق ذاته، ربطت دراسة أمريكية بين "الثقافة والتطرف"، مشيرةً إلى أن "القيم الثقافية الصارمة والعادات والتقاليد البالية في مجتمعٍ ما تزيد من عوامل التطرف فيه، بمعنى أن عدم المساواة بين الجنسين، وزيادة القمع، يؤثر إيجابًا على التطرف، ما يستوجب ضرورة الاهتمام بالعوامل الثقافية المحيطة بالإنسان المتطرف في إطار الحرب العالمية على الإرهاب".