على مدى العقود الماضية، أُجريَ العديد من الدراسات التي استهدفت تحديد بعض الجينات التي ساعدت محاصيل مثل الأرز وفول الصويا والمحاصيل الغذائية الأخرى على التكيف مع بيئاتها المحلية، في ظل التهديدات التي تواجهها بسبب تغير المناخ.

لكن عددًا قليلًا من الدراسات تناول محاصيل الفاكهة الرئيسية، مثل الخوخ المستأنس الذي يبلغ إنتاجه العالمي السنوي 24.5 مليون طن، وفق دراسة أجراها باحثون في معهد بويس طومسون الأمريكي بالاشتراك مع وزارة الزراعة الأمريكية والأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية وجامعة هواتشونج الزراعية ومعهد بحوث وتكنولوجيا الأغذية الزراعية في برشلونة.

لدى الخوخ البري قدرة على النمو في مختلِف الظروف البيئية شديدة القسوة، مثل المرتفعات العالية والبرد الشديد والجفاف الشديد، ولكن محاصيل الخوخ فقدت العديد من جينات التكيف الخاصة بها عندما قام البشر بتربية النبات للتركيز على النكهة والحلاوة والسمات الأخرى.

وركزت الدراسات في السابق على الكشف عن آثار الانتقاء البشري -أو ما يُعرف بالاستئناس أو التدجين- على الصفات الوراثية والجينات الخاصة ببعض المحاصيل المتضمنة الخوخ، في حين كان عدد الدراسات التي تناولت فكرة تأثير البيئات المحلية على الصفات الوراثية الخاصة بالمحاصيل قليلًا جدًّا.

وجدت الدراسة التي نشرتها دورية "جينوم ريسيرش" اليوم "الثلاثاء"، 9 مارس، أن سلالات الخوخ المستأنسة وأقاربها البرية الأصلية تؤوي تنوعًا وراثيًّا كبيرًا، يمكن أن يقدم معلومات تفيد في تحسين استجابة السلالات المستأنسة للضغوط المناخية؛ إذ يعتقد الباحثون أن فهم كيفية تطور محاصيل الخوخ للتكيف مع الظروف البيئية المختلفة واستجابتها لتغير المناخ قد يوفر معلوماتٍ قيمةً لتحسين جودة المحاصيل في المستقبل.

جمع الباحثون سلالات الخوخ المحلية المستأنسة من قِبَل الإنسان، وكذلك بعض السلالات البرية من سبع مناطق في الصين، وذلك لتحديد الجينات المسؤولة عن تحمُّل الخوخ لعوامل بيئية مختلفة، تشمل البرودة والجفاف والأشعة فوق البنفسجية في المرتفعات، حتى يتسنى لهم دراسة استجابة محاصيل الخوخ لتغيُّر المناخ.

يوضح تشانج جون فاي -عضو هيئة التدريس في معهد بويس طومسون، وقائد الفريق البحثي- أن العمل على هذا المشروع بدأ منذ أربع سنوات إلى خمس، في حين جُمعت بعض البيانات التاريخية المُستخدمة في هذه الدراسة على مدار 30 عامًا.

يقول "فاي" في تصريحات لـ"للعلم": "حددنا آلاف البقع في المادة الوراثية للخوخ مسؤولة عن تكيُّف النبات مع الظروف البيئية المختلفة، ووجدنا أنه خلال فترة 30 عامًا -تمتد بين 1983 و2011- كانت مواعيد إزهار الخوخ تحدث قبل حوالي 10 أيام من موعد إزهاره حاليًّا، ويرجع ذلك إلى ظاهرة الاحتباس الحراري بشكل أساسي".

تمكَّن "فاي" وفريقه من تحديد العنصر الجيني الرئيسي المسؤول عن الاستجابة الخاصة بالاحتباس الحراري في الخوخ، كما حددوا عنصرًا وراثيًّا في أشجار الخوخ الموجودة على هضبة التبت مرتبطًا بمقاومة النبات للأشعة فوق البنفسجية الشديدة في تلك المنطقة عالية الارتفاع.

يُطلق على هذا النوع من الدراسات اسم "دراسات الارتباط البيئي على نطاق الجينوم" (GWEAS)"، ويدمج التطورات في المادة الوراثية والتغيرات البيئية.

يقول "فاي": يمكن لهذه الدراسات ربط مناطق معينة من الجينوم -كامل المادة الوراثية لدى كائنٍ ما- بمتغيرات بيئية معينة، وقد يؤدي ذلك إلى تحديد الجينات التي تؤدي أدوارًا مهمة في تكيف النبات مع بيئات معينة، فعلى سبيل المثال، تمكنَّا من تحديد بروتين يمكن أن يساعد الخوخ على النجاة في درجات الحرارة الباردة، وهو بروتين هيستيدين فوسفوترافير.

ينتج عن الظروف البيئية الصعبة -مثل الجفاف- حدوث تغيرات في المسارات الجزيئية في الخلايا، ويمكن أن تؤدي هذه التغيرات إلى تحفيز بعض الإنزيمات مثل تلك التي تصنع السكر، مما يؤدي إلى ارتفاع تركيز السكر في النبات، وبالتالي تصبح الفواكه أكثر حلاوة.

يضيف "فاي": يمكن للمزارعين المحليين استخدام هذه المعلومات لتسهيل تكاثر أشجار الخوخ الأكثر مرونةً والتي تستطيع مواجهة التغيرات المناخية ويزدهر نموها في ظروف بيئية مختلفة، مما يوسع النطاق الجغرافي لزراعة الخوخ ليشمل مناطق جديدة.

ويعمل الباحثون حاليًّا على تحليل وظائف المزيد من الجينات التي حددتها الدراسة وجمع مزيد من أنواع الخوخ البرية والمستأنسة من بيئات متنوعة لدراسة الاختلافات الوراثية بينها، وذلك لدراسة السمات الزراعية للخوخ وفهم تطوره وتأثير استئناسه وتكيُّفه المحلي بشكل أفضل، وفق "فاي".