نجح فريق بحثي بريطاني في تطوير مقياس يمكنه التنبؤ بالأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب الوعائية بناء على معلوماتهم الجينية. مما يسمح بالاكتشاف المبكر للمرض لدى الأشخاص الواقعين في دائرة الخطر، كما يمهد الطريق للتدخل المبكر وإدخال تعديلات على أنماط حياتهم تقيهم ارتفاع معدلات احتمالات الإصابة.

وحاليًّا، يتم احتساب المخاطر من خلال المؤشرات السريرية ومؤشرات نمط الحياة مثل ارتفاع ضغط الدم، والكوليسترول، والتدخين، وكذلك التاريخ العائلي.

وتتوقع نتائج الدراسة التي نُشرت حديثًا بدورية القلب الأوروبية في 21 سبتمبر/ أيلول الجاري، تحسين اكتشاف الأشخاص المعرضين للإصابة بشكل أكثر دقة، وذلك بعدما أظهر مقياس الخطورة الجيني رفع التنبؤ بما يعادل عشر سنوات تقريبًا فوق المعتاد.

10 سنة في المستقبل

وتُعَد هذه الدراسة هي الأولى التي تقوم بتحليل هذا العدد الهائل من المعلومات الجينية، والذي يزيد على 49 ألفًا من تعدد أشكال  النوكليوتيدات المفردة التي يُرمز لها بـSNPs، كأحد أنظمة الوصول المفتوح ضمن مشروع الجينوم البشري.

وتمكن الباحثون من تحديد نسبة 20٪ من الرجال الأكثر عرضة لخطر الإصابة بسبب أنماط حياتهم غير الصحية، مما يعزز من احتمالات إصابتهم بالمرض قبل أقرانهم في أسفل المقياس بمدة تتراوح بين 12 إلى 18 عامًا. وتشير الدراسة إلى أن هؤلاء الأفراد المعرضين للمخاطر العالية يمكن أن يكونوا من المرشحين للتدخل المبكر.

فبالإضافة إلى القدرة على التنبؤ في وقت مبكر عنه في حال جرى الاعتماد على درجة المخاطر الجينومية وحدها، وجدوا أن تكامل هذه المعلومات مع عوامل الخطر الأخرى المعروفة قد حسَّن قدراتهم على التنبؤ بمخاطر الإصابة بأمراض القلب 10 سنوات في المستقبل، خاصة لمَن هم فوق الستين.

يقول البروفيسور نيلش ساماني Nilesh Samani مدير وحدة أبحاث الطب الحيوي لأمراض القلب والأوعية الدموية بجامعة ليستر، وأحد الباحثين المشاركين: "للأسف المقاييس الإكلينيكية المتاحة حاليًّا لا تضمن اكتشاف الإصابة وتقييم الخطر بشكلٍ كافٍ؛ إذ يتم تقييم الخطر بعد ظهور الأعراض".

ويأمل ساماني "أن يمكن إنقاذ حياة العديد من الأشخاص إذا ما غيروا من أنماط حياتهم وتناولوا الأدوية الوقائية".

ربما يكون البحث عن وسائل أكثر فاعلية للاكتشاف المبكر وتحديد الأشخاص الواقعين في دائرة الخطر أملًا عالميًّا لمواجهة خطر الأمراض القلبية، والتي يحيي العالم الاحتفال باليوم العالمي لها يوم 29 سبتمبر من كل عام.

ويسمح المقياس الجيني باكتشاف الخطر مبكرًا، بما يتيح وقتًا كافيًا لرسم برنامج للوقاية، وتغيير نمط الحياة، وتناوُل العلاجات اللازمة. هذا في الوقت الذي يموت فيه ما يزيد على 17 مليون شخص حول العالم سنويًّا من جرَّاء أمراض القلب.

وتمثل أمراض القلب المسبِّب الأول للوفاة عالميًّا، وتشكل أمراض الشرايين التاجية وما يترتب عليها من أزمات قلبية واحتشاء لعضلة القلب نحو 20% من الوفيات.

وقد نجح الباحثون خلال الفترة الماضية في تحديد الجينات المسببة للعديد من أمراض القلب، مثل الموت المفاجئ والأزمات القلبية وأمراض الشرايين التاجية. وكان باحثون من جامعة بريستول قد نجحوا في دراسة سابقة نُشرت بالمجلة الطبية البريطانية BMJ بعددها الصادر في يونيو/ حزيران الماضي، في بحث ودراسة علاقة 53 طفرة جينية بالإصابة بأمراض القلب الوعائية.

وإلى جانب السعي وراء تحديد دور الجينات في الكشف عن المرض، يدرس الباحثون أيضًا دور الجينات في المسار البيولوجي الذي يؤثر على حدوث المرض وتطوره.

"الجينات البشرية تعمل بشكل معقد، وتحتوي على الكثير من الأسرار"، هكذا يقول الدكتور أحمد عبد اللطيف، أستاذ التكنولوجيا الحيوية المساعد بالجامعة الأمريكية في القاهرة، والباحث في مجال الجينوم، مضيفًا: هناك بعض العلامات الجينية التي يستخدمها العلماء لدراسة التغيرات الجينية، والتي قد تؤثر بدورها في حدوث الأمراض المختلفة، ومنها أمراض الشرايين التاجية.

ويرى عبد اللطيف أن الأبحاث القائمة على تحليل العلامات الجينية أو الوراثية تمثل نقله نوعية في التنبؤ بالأمراض بشكل أفضل في المجموعة التي لا تتمكن الطرق التقليدية من رصدها. وعلى الرغم من نتائجها الواعدة، يؤكد عبد اللطيف أن الطريق لا يزال في بدايته، وأن تلك التقنيات المقترحة تحتاج إلى المزيد من الأبحاث قبل أن تصبح مستخدَمة بشكل موسع.

غياب التوعية الكافية

إلا أنه لا يزال من الواضح أن العديد من المرضى يغيب عنهم التوعية الكافية بخطورة أمراض القلب، وضرورة الالتزام بخطوات جادة نحو تغيير نمط الحياة، وممارسة النشاط البدني، والامتناع عن التدخين، وتناوُل العلاجات الوقائية اللازمة.

وأظهرت دراسة حديثة حول مدى توافر علاجات أمراض القلب الوعائية في دول العالم، أنه في الدول مرتفعة الدخل، 11% من المرضى الذين لديهم تاريخ من الإصابة بأمراض القلب الوعائية وفي حاجة إلى الدواء لا يتناولونه، وترتفع تلك النسبة لتصل إلى 80% في الدول منخفضة الدخل.

وكان اللافت في الدراسة التي نُشرت بدورية لانست في أكتوبر/ تشرين أول العام الماضي، أنه بتقييم نتائج 7013 مشاركًا ممن لديهم تاريخ بالإصابة بأمراض القلب الوعائية، كان 30% من المرضى لا يتناولون أيًّا من هذه الأدوية على الإطلاق.

يأتي ذلك على خلفية هدف منظمة الصحة العالمية في العمل مع الأنظمة الصحية للدول لتوفير 80% من الأدوية الوقائية من أمراض القلب الوعائية، وتتضمن علاجات ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول، والسعي لضمان استخدامها لدى 50% من الأشخاص المحتاجين إليها بحلول عام 2025.

تحقيق هذا الهدف مرهون بعدة عوامل، وفقًا لما صرحت به الدكتورة ابتهال فاضل، المستشار الإقليمي للأمراض غير الانتقالية بمنظمة الصحة العالمية -المكتب الاقليمي، أولًا توعية المواطنين بعوامل الخطورة وسبل مواجهتها، وثانيًا عن طريق تعزيز برامج الرعاية الصحية الأولية لتقديم خدمات الإرشاد الطبي والتشخيص والعلاج، وثالثًا من خلال تبني برامج الاكتشاف المبكر والتحري عن الأشخاص ذوي الخطورة للإصابة بأمراض القلب.

ووفق موقع منظمة الصحة العالمية على الإنترنت، قضى نحو 17.5 مليون نسمة نحبهم من جرّاء الأمراض القلبية الوعائية في عام 2012، ممّا يمثّل 31% من مجموع الوفيات التي وقعت في العالم في العام نفسه. ومن أصل مجموع تلك الوفيات حدثت 7.4 ملايين حالة وفاة بسبب الأمراض القلبية التاجية، وحدثت 6.7 ملايين حالة من جرّاء السكتات الدماغية.

وتكشف بيانات الموقع عن أن أكثر من ثلاثة أرباع الوفيات الناجمة عن الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية يحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.