على مدار التاريخ، يُحاول الإنسان تفسير الأحلام، وانتشرت كُتب توضح معاني"الرؤى"؛ غير أن دراسة حديثة نشرتها دورية "سيل ريبورتس"   (Cell Reports)لم تهتم بتفسير الحلم، بل تجاوزت الأمر لتفسير أمر جوهري، ألا وهو: لماذا نحلم من الأساس؟

تقول الدراسة الجديدة، التي أجراها باحثون من مركز رايكن لأبحاث الأنظمة الحيوية والديناميكية، بالتعاون مع آخرين من جامعة طوكيو، إن هناك زوجًا من الجينات المسؤولة عن مرحلة "نوم الحركة السريعة REM"، وهي تلك الفترة التي تحدث فيها الأحلام، مشيرةً إلى أن الباحثين حددوا الجينات التي تنظم مقدار نوم حركة العين السريعة وغير السريعة، وهو ما يُمثل اختراقًا بيولوجيًّا جديدًا، يساعد في الكشف عن العوامل الجزيئية الأساسية التي تنظم آلية الأحلام.

أجرى الباحثون تجاربهم على الفئران، واستخدموا أدوات جينية متطورة لتعديل خلايا الفئران وإجراء الفحوصات الجينية للعوامل التي يُسبب تثبيطها حدوث مجموعة من الاضطرابات في النوم، ليجدوا أن هناك مستقبِلين يُسميانChrm 1  وChrm 2 يؤدي تثبيطهما إلى تقليل معدل نوم حركة العين السريعة عند الفئران، وهو ما يعني تقليل عدد الأحلام المرتبطة بتلك المرحلة.

وتُعَد الدراسة بمنزلة مواصلة لرحلة لم تنتهِ للبحث عن تفسير لغموض "الحلم"؛ ففي قسمٍ خاص من كتاب يُقدسه الهندوس وتقع أجزاؤه في أكثر 800 مجلد، يقول أحد النصوص إن "البشر حين ينامون، تتركهم أرواحهم وتسافر عبر الزمان والمكان، لتوفر لهم أحلامًا تُعينهم على شقاء الحياة"، ويذكر الكتاب -المعروف باسم فيدا- أن "الروح الحالمة قد تعود فيستيقظ النائم، أو لا ترجع فيذهب الشخص إلى العالم الآخر".

ويقول نص آخر إن "هناك أربع حالات يكون فيها الإنسان: الأولى هي الوعي أو حالة اليقظة، والثانية حالة الحلم؛ وفيها تُسافر الروح إلى أماكن غير معلومة للعقل، والثالثة النوم العميق؛ إذ يرتاح كلٌّ من الجسد والروح، أما الرابعة فحالة غير مادية يُمكن أن ينظر فيها الإنسان إلى الإله الأعلى".

واعتبر المصريون القدماء الأحلام خطواتٍ إلهية، يُفسرها كهنة المعبد، المُشار إليهم بـ"كتبة الحياة المزدوجة"، وكان الإله "بس" –الممثل على صورة قزم وهو معبود الرقص والموسيقى والملذات- محفورًا في كثير من الأحيان على أسِرَّة الحُكام، على أمل أن يكون لهذا تأثير إيجابي على الأحلام.

ويسمح النوم للإنسان والحيوان بإعادة تنشيط ذكرياتهم ودمجها، كما أن للنوم خمس مراحل، تحدث الأحلام في الخامسة منها، المعروفة بمرحلة النوم العميق، وفيها تحدث الحركة السريعة REM، التي تحدث خلالها الأحلام.

يقول "هيروكي يودا" -أستاذ الطب بجامعة طوكيو، والمؤلف الأول للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تعطيل تلك المستقبلات يُقلل من نوم حركة العين السريعة على نحوٍ مُثير للدهشة"، مضيفًا أن "تلك المستقبلات تنتمي إلى عائلة تُسمى "مستقبلات الأستيل كولين المسكارينية"؛ وهي مجموعة من المستقبلات المرتبطة ببروتينات في الدماغ تُنشط عملية الاستقطاب في الخلايا وتغير من فرق الجهد الكهربي بين أغشيتها.

ويُسهم تثبيط تلك المستقبلات في إزالة الاستقطاب بين الخلايا، ما يعني التأثير على الإشارات الحيوية وتقليل "السيال العصبي"، وهي الرسائل التي تنقلها الأعصاب بين أعضاء الحس والجهاز العصبي المركزي.

يوضح "يودا" أن العمل على الورقة البحثية بدأ عام 2014، مشددًا على أن نتائج الدراسة ستُسهم في الكشف مستقبلًا عن الاضطرابات النفسية، بما في ذلك اضطراب الإجهاد اللاحق للصدمة، الذي ترافقه أحلام سيئة.

ويضيف أن "تحديد المكونات التي تؤدي دورًا رئيسيًّا في نوم حركة العين السريعة سيساعد –على سبيل المثال لا الحصر- في العمل على تحسين مضادات الاكتئاب، والخطوة التالية ستشمل تحديد مسارات جزيئية تكشف عن فسيولوجية نوم حركة العين السريعة، وتأثيرها على العمليات المرتبطة بها كالتعلم والذاكرة".

وأشارت دراسات سابقة إلى أن مستقبِلات الأستيل كولين المسكارينية تُشارك في حركة النوم السريعة، لكن تلك الدراسة حددت على وجه الدقة نوعين من المستقبلات يرتبطان بتلك المرحلة.

يقول "يودا" إن فريقه البحثي سيسعىفي المستقبل للعمل على ذلك النوع من المستقبلات؛ لوضع خريطة مفصلة لها تُسهِم في اكتشاف الجوانب السرية البيولوجية لـ"الأحلام".