لم يكن "جورج جاي" وزوجته "مارجريت"، الباحثان في مستشفى "جونز هوبكنز" الأمريكية، يتوقعان أن تحل عينة جراحية صغيرة كل مشكلاتهما فجأة، بعدما أمضيا عدة عقود في محاولات مضنية للحصول على خطوط خلايا بشرية يمكن زراعتها خارج الجسم دون أن يمسها الفناء بعد أيام قليلة من بدء التجارب المعملية.

لكن العينة التي أخذها الجراحان من سرطان عنق الرحم الخاص بالمريضة "هنريتا لاكس" وأرسلاها إلى معمل "جاي" قُدِّر لها أن تُستخدم لكتابة صفحة جديدة في تاريخ العلم، فقد تبين أن الخلايا التي حصلا عليها قادرة على التكاثر والحياة، ليشهد عام 1951 ظهور أول خط للخلايا البشرية يمكن استخدامه في البحث العلمي، وهو الخط الذي اكتسب اسمه من الحروف الأولى لاسم المريضة التي توفيت وتركت خلاياها هدية للعالم "خلايا هيلا" (Hela Cells).

الخلايا الخالدة

وسرعان ما امتلأت تلك الصفحة الجديدة بالتجارب؛ إذ مثلت خطوط الخلايا مزارع خلوية لأنواع من الخلايا تنمو وتتكاثر دون توقُّف عند زراعتها في وسط ومساحة مناسبين، إلى الحد الذي دفع البعض لوصفها بـ"الخلايا الخالدة". وتؤدي خطوط الخلايا دورًا مهمًّا في دراسة العمليات الحيوية الطبيعية والتطورات المرضية التي تحدث في الخلايا، كما تُسهم الأبحاث التي يتم إجراؤها عليها في فهم التغيُّرات التدريجية التي تحدث في تركيب الخلية الخارجي والجيني في أثناء تعرُّضها للظروف البيئية المختلفة. وقد أدت هذه الخطوط بالفعل إلى ثورة في عالم البحث العلمي؛ إذ جرى استخدامها في إنتاج العديد من التطعيمات (لعل أشهرها تطعيمات شلل الأطفال)، وكذلك في أبحاث التمثيل الغذائي وسُمِّيَّة الأدوية، وإنتاج الأجسام المضادة، ووظائف الجينات، وإنتاج العديد من المركَّبات البيولوجية.

كما استخدم الباحثون خطوط الخلايا في أبحاث السرطان من أجل فهم طبيعة المرض واختبار الأدوية المحتملة في ظل صعوبة دراسة السرطان داخل الجسم مباشرة، ما دفع الباحثين إلى إجراء تجاربهم المتعلقة بالأدوية على نماذج خارج الجسم تشبه خلايا السرطان الحقيقية إلى حدٍّ ما.

وقد تكون هذه النماذج عبارة عن خلايا منفردة مثل خطوط الخلايا، أو كائنات حية مثل ذبابة الفاكهة أو الفئران المعدلة جينيًّا، وتساعد المعلومات التي تقدمها هذه النماذج كثيرًا على فهم طبيعة المرض وعلاجه داخل جسم الإنسان فيما بعد، بحيث يمكن تجربة هذه الأدوية حال نجاحها على البشر.

تحذيرات وتساؤلات

وبالرغم من كل تلك النجاحات التي أدت فيها خطوط الخلايا دور البطولة في التجارب المعملية، فقد كان استخدامها يحمل معه دائمًا تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخلايا تشبه بالفعل الخلايا الموجودة داخل الجسم، وما إذا كانت النتائج التي تنتج من هذه التجارب يمكن أن تعطينا صورةً حقيقية عما يحدث داخل خلايا الجسم.

في هذا السياق، حذرت دراسة حديثة أجراها باحثون بجامعة ميتشيجان الأمريكية من وجود اختلافات بين خطوط الخلايا والعينات التي يتم أخذها من مرضى مصابين بالأورام السرطانية، مشيرةً إلى أن خط الخلايا المعروف باسم MDA-MB-231 -الذي يُعَد أحد أكثر خطوط الخلايا السرطانية استخدامًا في جميع أبحاث سرطان الثدي النقيلي- لم يُظهر سوى بعض التشابه البسيط مع عينات الأورام التي جرى الحصول عليها من المرضى.

اعتمد الباحثون في الدراسة، التي نشرتها  دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" على ما يُعرف بـ"البيانات الكبيرة"؛ لتحديد أفضل النماذج البحثية التي يمكن أن تساعد في مجال محاربة سرطان الثدي النقيلي واختبار الأدوية المحتملة التي يمكن استخدامها لعلاجه، وذلك عوضًا عن النماذج المستخدمة في المختبر حاليًّا، والتي تعتمد في كثير من الأحيان على الخلايا المستنبتة في الأطباق المسطحة أو خطوط الخلايا لنمذجة نمو الورم في المرضى.

واستعانوا في ذلك بقواعد البيانات الجينومية، مثل أطلس جينوم السرطان (TCGA) والمعلومات المتوافرة في قاعدة (Gene Expression Omnibus)، إضافةً إلى الاستعانة بقواعد البيانات الجينية المتاحة لمقارنة التركيب الجيني في خطوط الخلايا التي يتم استخدامها كنموذج لسرطان الثدي المنتشر بخلايا المرضى الحقيقيين.

وأظهرت نتائج البحث اختلافًا كبيرًا في التركيب الجيني لبعض خطوط الخلايا الشائعة، بالمقارنة بعينات المرضى، كما جرى التعرُّف على خطوط أخرى أقل شيوعًا تبدو أقرب في تركيبها الجيني إلى الخلايا الموجودة في أجسام المرضى.

تقييم خطوط الخلايا

يقول "بين تشين" -الأستاذ المشارك بقسم طب الأطفال والنمو البشري في كلية الطب بجامعة ولاية ميتشجان، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": نعتمد في معملنا على استخدام البيانات الجينية من أجل اكتشاف علاجات جديدة للسرطان.

وأضاف: لدينا اهتمام خاص بدراسة سرطان الثدي النقيلي؛ لكونه أحد الأسباب الرئيسية للوفاة من السرطان، موضحًا أنهم قرروا الاستعانة بقواعد البيانات الجينية من أجل اختيار أهداف مناسبة لمنع انتشار السرطان قبل البدء في إنفاق المال على هذه التجارب، وتقييم النماذج المتاحة لعلاج المرض واختيار أكثرها مناسبةً بناءً على تركيبها الجيني.

وترجع أهمية الدراسة إلى أن "السرطان النقيلي" أو ما يُعرف بـ"هجرة الخلايا السرطانية" هو السبب الأكثر شيوعًا للوفاة المرتبطة بالسرطان؛ إذ إن حوالي 90٪ من المصابين به يفقدون حياتهم، ويُقصد به عملية انتقال الخلايا السرطانية من عضو إلى آخر، وتحدث هذه العملية عند انتقال الخلايا عن طريق الدم أو الجهاز اللمفاوي، وهناك عدد قليل من الأدوية يمكنها علاجه، إضافةً إلى أن التنبؤ باحتمالات الخطأ من جَرَّاء استخدام أدوية لعلاجه أشبه بـ"إطلاق رصاصة في الظلام".

يقول "تشين": عملنا على تقييم خطوط الخلايا المستخدمة كنماذج لأورام "سرطان الثدي النقيلي" وفقًا للطفرات والتعبير الجيني عن الجينات الموجودة بها. وانصب اهتمامنا بشكل خاص على نوع من خطوط الخلايا يُسمى MDA-MB-231؛ نظرًا لشيوع استخدامه في دراسات "سرطان الثدي المنتشر". وكانت النتائج مفاجئة لنا، فقد وجدنا أن التركيب الجيني في خلايا MDA-MB-231 يتشابه بشكل محدود مع التركيب الجيني في خلايا مرضى "سرطان الثدي النقيلي".

ويمر اختيار علاج مناسب للسرطان بالعديد من المراحل، أُولاها اختيار هدف مناسب للعلاج، ثم تجريب العلاج خارج الجسم، وفي حالة نجاح هذا العلاج يمكن البدء في تجربته على البشر. يشبِّه "تشين" الأمر بـ"تجارب المحاكاة التي تتم قبل الحروب، إذ يعتبر النموذج أكثر نجاحًا كلما كان أكثر تشابهًا مع الواقع"، وفق وصفه.

لكن المشكلة تظهر حين ينجح العلاج في الأبحاث على النماذج خارج الجسم، ثم لا يحقق النجاح نفسه في مراحل التجارب السريرية، وقد يتسبب هذا الاختلاف في إهدار الوقت وكثير من الأموال التي يتم إنفاقها في هذه التجارب والأبحاث.

تكلفة مقبولة

وترى "سحر طلعت" -أستاذ الباثولوجي في كلية الطب بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم" أن "استخدام خطوط الخلايا في الأبحاث يقدم عدة مميزات، مثل قلة التكلفة مقارنةً بتكلفة الأبحاث التي تجرى على حيوانات التجارب مثلًا، كما أن التعامل معها ليس صعبًا ولا يحتاج إلى خبرة كبيرة، ولا يمر استخدامها بالتعقيدات الأخلاقية التي ترتبط باستخدام الخلايا البشرية أو حتى الحيوانية، لكن بالرغم مما تمثله هذه الخلايا من أداة بحثية ممتازة، يجب أن يكون تفسير نتائجها بحرص؛ إذ يفترض أن تعبر هذه الخطوط عن الخلايا الأصلية التي تمثلها بشكل دقيق".

وتضيف أن "السؤال المثار حول مدى تشابُه خطوط الخلايا مع خلايا الأورام الطبيعية ليس جديدًا. خاصة أن كثيرًا من الأدوية التي تختبر على هذه الخطوط تفشل في الدراسات الإكلينيكية، وإحدى المشكلات تكمن في مدى تشابهها مع الخلايا الطبيعية. والمشكلة الأخرى أن تكاثر الخلايا لمرات عديدة (عبر الزمن) قد يغير في تركيب الشكل الظاهري والجيني لهذه الخلايا، وهو ما يمثل صعوبةً إضافيةً في التعامل معها باعتبارها ممثلًا لخلايا السرطان الموجودة في جسم المريض أو معبرًا عنها.

وتشدد "طلعت" على أن هذا البحث يقدم إجابةً جديدةً عن هذا السؤال، قائلةً إنها إجابة مخيبة للآمال؛ لأنها تعني أن معظم الأبحاث التي أُجريت على هذا النوع من خطوط الخلايا لا يمكن ترجمته إلى نتائج ملموسة.

ويعلق "تشين" على ما تقوله "طلعت" قائلًا: على الرغم من أن هذه النتائج قد تكون مخيبةً للآمال ظاهريًّا، فهناك جانب إيجابي بالتأكيد، يتمثل في القدرة على اختيار نماذج أفضل للعمل عليها في المستقبل من أجل فهم أفضل لطبيعة السرطان، وبالتالي تحقيق نتائج أكثر إيجابيةً يمكن ترجمتها إلى فائدة ملموسة للمرضى، وتعمل على توفير الوقت والجهد والمال في المستقبل.

أبحاث سابقة

وسبق أن أجرى باحثون في مركز "ميموريال سلون كيترينج للسرطان" (MSK) دراسة مشابهة في عام 2013، ولكنها اعتمدت على سرطان المبيض. واستخدم الباحثون الطريقة نفسها تقريبًا التي استخدمها "تشين" وفريقه لمقارنة التركيب الجيني في 47 من خطوط الخلايا شائعة الاستخدام في سرطان المبيض مع خلايا المرضى، ووجدوا أن هناك اختلافات جوهرية بين النوعين.

كما أجرى "تشين" نفسه دراسة تعتمد على الفكرة نفسها في مجال سرطان الكبد، مشيرًا إلى أن نصف أنواع خطوط الخلايا الشائعة المستخدمة في أبحاث سرطان الكبد لا يشبه خلايا السرطان الحقيقية.

يقول "تشين": أعتقد أن نتائجنا بدأت تؤتي ثمارها إلى حدٍّ ما، فقد تلقينا تعليقات من بعض الباحثين الذين كانوا يشكون في بعض نتائج الأبحاث التي يُجرونها اعتمادًا على خط الخلايا المعروف بـMDA-MB-231. وأضاف: علينا أن نكون في غاية الحرص حين نختار النموذج الذي سيتم استخدامه في البحث، في ظل عدم وجود نموذج كامل أو متطابق بين خطوط الخلايا وخلايا الجسم.

خطوة أخرى إلى الأمام

لم يكتف "تشين" وفريقه بمقارنة خطوط الخلايا بخلايا المرضى، لكنهم أجروا مقارنةً مع ما يُعرف بـ"العضيات"، وهي نماذج صغيرة ثلاثية الأبعاد يتم تكوينها في المعمل من مزارع الأنسجة. وتتميز هذه العضيات بأنها تقلد تعقيد التركيب الخاص بالأعضاء التي أتت منها؛ إذ تبدو أقرب إلى العضو الحقيقي من حيث التركيب والوظيفة مقارنة بخطوط الخلايا. ووجدوا أن التعبير الجيني في هذه العضيات أقرب بالفعل إلى التعبير الجيني الموجود في عينات المرضى بالمقارنة بخطوط الخلايا.

يقول "تشين": "إن استخدام هذه العضيات أصبح أمرًا شائعًا خلال العامين الماضيين؛ نظرًا لتشابهها الكبير مع الأورام الأصلية. ويضيف: لكننا لاحظنا أن هناك أيضًا بعض الفوارق مع عينات الأورام التي تم أخذها من المرضى، ولا أعتقد أن هذه العضيات ستحل محل خطوط الخلايا قريبًا، لكن هناك قدرًا كبيرًا من الاهتمام العلمي بها".

من جهتها، تشدد "طلعت" على أن "هناك عدة عوامل يجب النظر إليها في التعامل مع هذه العضيات كأدوات للبحث العلمي، أهمها الجزء التقني المتعلق بكيفية إنتاجها، وعامل التكلفة الذي يجب وضعه في الحسبان قبل استخدام العضيات على نطاق واسع"، على حد وصفها.

ويقول "تشين": مع وجود قدر هائل من البيانات المعقدة في قواعد البيانات، لا يجب أن يبقى تصميم التجارب المعملية أمرًا عشوائيًّا، بل يجب أن تخضع كل خطوة للتدقيق من خلال المعلومات التي تتيحها قواعد البيانات. وهذا البحث يمثل نموذجًا عمليًّا لاستخدام البيانات الضخمة المتاحة عبر قواعد البيانات الجينية من أجل اختيار نموذج للتجارب المعملية.