تشير أدلة الحمض النووي "الدي إن إيه" المأخوذة من رفات تسعة جنود صليبيين عُثِرَ عليهم في مقبرة في لبنان إلى أنهم جاءوا من مجتمعات مختلفة واختلطوا بالسكان المحليين، دون أن يتركوا أثرًا دائمًا على التركيب الوراثي للبنانيين المعاصرين. وعوضًا عن ذلك فإن المسيحيين اللبنانيين المعاصرين تحديدًا أشبه وراثيًّا بالسكان المحليين في العصر الروماني، الذي سبق الحملات الصليبية بأكثر من أربعة قرون.

تركت الهجرات البشرية الكبرى –مثل غزوات المغول واحتلال جنكيز خان لآسيا وأوروبا الشرقية خلال القرن الثالث عشر بأكمله، والاستعمار الآيبيري لأمريكا الجنوبية بعد وصول كريستوفر كولومبوس إليها عام 1492– بصماتٍ وراثيةً عميقةً على السكان المحليين في جميع أنحاء العالم. غير أن المعلومات قليلة للغاية بشأن التأثير الوراثي الذي تركته الأعداد الضخمة من الصليبيين التي ذهبت إلى الشرق الأدنى للقتال في الفترة بين عامي 1095 و1295 للميلاد، والذين استقر الكثير منهم على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

أجرى فريق بقيادة عالمَي الوراثة مارك هابر وكريس تايلر سميث، من "معهد ويلكُم سانجر" في المملكة المتحدة، تقييمًا للتركيب الوراثي لرفات تسعة جنود لقوا حتفهم في معركة بالقرب من مدينة صَيَدا الواقعة في جنوبي لبنان، والتي كانت تمثل حصنًا مهمًّا في "مملكة أورشليم" التي كانت خاضعةً للصليبيين ومسرحًا لمعارك كبرى خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وكذلك حلَّل الفريق الحمض النووي لأربعة أشخاص عاشوا في المنطقة خلال القرن الثالث، أو العصر الروماني، بوصفه عينةً تمثيليةً للأسلاف المحليين قبل مجيء الصليبيين. وجرت مقارنة تحليلات الفريق بالبيانات الوراثية المنشورة لعدد كبير من الأفراد القدماء والمعاصرين، ومن بينهم 99 لبنانيًّا معاصرًا.

عادةً ما يُمثل الحصول على بيانات جينية قديمة من مناطق حارة ورطبة تحديًا صعبًا؛ لأن هذه الظروف يمكنها أن تتلف عينات الحمض النووي القديمة. كما أن المواقع التي دُفن فيها الصليبيون نادرة. يقول هابر: "هذه التسلسلات الجينومية الجديدة هي أولى البيانات الوراثية من العصور الرومانية والعصور الوسطى في هذه المنطقة".

وكشفت تحليلات الفريق أن جميع الجنود كانوا ذكورًا. ثلاثة منهم كانوا أوروبيين غربيين من أصول متنوعة، في حين كان أربعة منهم من السكان المحليين من الشرق الأدنى. أما الاثنان الباقيان فحملا مزيجًا من الأسلاف الأوروبيين وأسلاف الشرق الأدنى، وهو ما يوفر دليلًا مباشرًا على أن الصليبيين اختلطوا بالسكان المحليين. كذلك وجد الفريق من خلال مقارناته للبيانات الوراثية أنه على الرغم من أن اللبنانيين المعاصرين لا يحملون إشاراتٍ وراثيةً تدل على الاختلاط بالأوروبيين، فإن المسيحيين اللبنانيين يتشابهون وراثيًّا مع السكان المحليين من العصر الروماني.

يقول تايلر سميث: "كان ثمة تنوُّع وراثي ملحوظ في الشرق الأدنى القديم، إلا أن هذا التنوع كان تنوعًا عابرًا في التاريخ؛ لأن التركيب الوراثي لأسلاف الصليبيين ضَعُف ليصل إلى مستويات غير قابلة للاكتشاف في سكان الشرق الأدنى المعاصرين، باستثناء بعض السلالات المرتبطة بالكروموسوم واي". ويضيف سميث قائلًا: إن التأثير الوراثي للصليبيين لم يدم طويلًا على الأرجح؛ لأن السكان المحليين بذلوا جهودًا كبيرة لنبذهم، ونجحوا في ذلك بعد بضع مئات من السنين.

ويأمل الباحثون أن تصير الدراسات التي تجمع بين علم الآثار وعلم الوراثة أكثر شيوعًا، إذ إن السجلات التاريخية بمفردها قد تكون مجزأةً ومتحيزة. ويقول تايلر سميث إن علم الوراثة يمكن أن يوفر نهجًا مكملًا لتأكيد بعض الأشياء الواردة في هذه السجلات وإخبارنا بأشياء أخرى لم ترد في السجلات.

ويخطط الباحثون في المرحلة القادمة لدراسة ما كان يحدث وراثيًّا في الشرق الأدنى خلال المرحلة الانتقالية من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي.