تشكل الاضطرابات النفسية تحديًا كبيرًا؛ إذ يعاني قرابة مليار شخص من تلك الاضطرابات على مستوى العالم، ويموت شخص واحد منتحرًا كل 40 ثانية، أحد هذه الاضطرابات هو الاضطراب ثنائي القطب الذي يُعد واحدًا من الاضطرابات النفسية الشائعة التي تؤثر على حياة 40 إلى 50 مليون شخص حول العالم.

ومن السمات الشهيرة لهذا الاضطراب، التقلبات المزاجية الشديدة ما بين الهوس والاكتئاب،  تتأرجح انفعالات المريض بين نوبات الهوس الشديد أو الخفيف ونوبات الاكتئاب وما يصاحبها من مشاعر الضيق والأسى وفقدان الطاقة والرغبة في الاستمتاع بالأنشطة المختلفة.

ولا تزال الأسباب الكامنة وراء الإصابة بهذه الاضطرابات غير واضحة تمامًا، يقول محمود الحبيبي، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب، بجامعة عين شمس المصرية: "ما زلنا لا نعرف الكثير عن الأمراض النفسية، ومن خلال ملاحظة المرضى والتعامل معهم نواجه باستمرار أنماطًا جديدة نجهل تمامًا أسباب الإصابة بها".

في المقابل، كشفت العديد من الأبحاث العلمية أن الاضطراب ثنائي القطب ذو أساس وراثي، لذا فإن تحديد المتغيرات الجينية في الحمض النووي التي ترتبط بالإصابة به قد يؤدي إلى الوقوف على المسببات البيولوجية لهذا الاضطراب، وهو ما دفع مؤسسات علمية مختلفة حول العالم إلى تعاون بحثي واسع ضم أكثر من 200 باحث، قاموا بتحديد 33 متغيرًا وراثيًّا جديدًا ترتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بالاضطراب ثنائي القطب، ونشروا نتائجهم في مايو الماضي ضمن دراسة حديثة نُشرت في دورية نيتشر جينتكس Nature Genetics.

ولتحديد تلك المتغيرات الوراثية، فحص الباحثون ما يقرب من 8 ملايين موقع موجود في الحمض النووي لما يزيد عن 400,000 شخص.

يقول أول آندرسين، أستاذ الطب النفسي في معهد الطب السريري ومستشفى جامعة أوسلو، في بيان صحفي مصاحب للدراسة: "لم يكن هذا البحث ممكنًا لولا الجهود التعاونية للعلماء في جميع أنحاء العالم، التي مكَّنت من دراسة مئات الآلاف من تسلسلات الحمض النووي"، ويوضح كبير مؤلفي الدراسة أنه "من خلال هذا العمل، أعطينا الأولوية لبعض الجينات وتنوعات الحمض النووي التي يمكن الآن متابعتها في التجارب المعملية لفهم الآليات البيولوجية التي تعمل من خلالها على زيادة خطر الإصابة بالاضطراب ثنائي القطب".

قارن الباحثون الحمض النووي لحوالي 42,000 شخص مصاب بالاضطراب ثنائي القطب، بالحمض النووي لـ371,000 شخص غير مصابين به؛ لتحديد الاختلافات بينهم.

فتحت نتائج الدراسة الباب أمام العديد من الاتجاهات البحثية المستقبلية الواعدة، والتي يمكن أن تؤدي إلى تطوير علاجات جديدة ومحسّنة، أو إستراتيجيات وقائية تقي الإصابة بهذا الاضطراب، كما أوضحت وجود علاقة سببية متبادلة بين طول عدد ساعات النوم، وشرب الخمر، والتدخين من جهة وتطور الاضطراب ثنائي القطب من جهة أخرى، وبفهم عوامل الخطر المسببة للاضطراب ثنائي القطب تلك، يستطيع الأطباء اتخاذ القرارات الإكلينيكية للوقاية من المرض أو للسيطرة عليه.

بدوره، يؤكد "الحبيبي" أهمية العوامل البيئية والمجتمعية المحيطة بالشخص، فهي جميعها عوامل قد تنشط تلك الجينات ذات الصلة بالإصابة بالاضطراب، وتُسهم في ظهور أعراضه، مشددًا على أنه "ليس كل مَن يتعرض لتلك العوامل يصاب بذلك الاضطراب، ولكن هذه العوامل قد تُسهم بشكل كبير في ظهور الأعراض".

ومن جانبها، تشرح ملاك عابد الثقفي -الرئيس المؤسس لقسم أبحاث الجينوم بمدينة الملك فهد الطبية- فائدة التعرف على الجينات عامةً، قائلة: "تأتي العديد من الأمراض الأكثر شيوعًا من جينات متعددة لا تعمل بشكل صحيح، ومزيج هذه الجينات مع البيئة المحيطة بالفرد، مثل نمط حياته وعاداته اليومية".

ارتباط وراثي

فحصت الدراسة جينات نوعين رئيسيين للاضطراب ثنائي القطب وقارنت بعضهما ببعض، والنوعان هما: الاضطراب ثنائي القطب من النوع الأول، والذي يتسم بحدوث نوبات هوس تستمر 7 أيام على الأقل، تليها نوبات اكتئاب وعادةً ما تستمر لمدة أسبوعين على الأقل، وكذلك الاضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني، والذي يتسم بنمط من نوبات الاكتئاب ونوبات الهوس الخفيف، ولكن ليست كنوبات الهوس الكاملة النموذجية للاضطراب ثنائي القطب من النوع الأول.

أكدت الدراسة الترابط الجيني بين هذين النوعين الفرعيين، وبالتالي تشابُه الأساس البيولوجي، إلى حدٍّ كبير، ولكنها أكدت كذلك أنهما غير متماثلين، كما وجد الباحثون أن الاضطراب ثنائي القطب من النوع الأول يرتبط وراثيًّا بشكل أكبر مع مرض الفصام، في حين أن الاضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني يرتبط وراثيًّا أكثر مع الاكتئاب الشديد، مما قد يُعطي لمحة للأطباء عن الخطط العلاجية الأفضل لكلٍّ منهما.

ويرى "الحبيبي" أن مثل تلك المعلومات تدعم التوجه نحو العلاج الجيني الشخصي في المستقبل، وترشيح علاج معين قد ينجح بشكل أفضل مع شخص لديه جينات معينة، ويوضح: "أن الجينات مسؤولة عن ظهور أعراض معينة، لذا قد تدلنا على الأعراض التي قد يشتكي منها المريض، وبالتالي نستطيع إعطاء الدواء المناسب".

صعوبة تشخيص الاضطراب ثنائي القطب وعلاجه

أحد التحديات التي تواجه المتخصصين في هذا المجال هو التشخيص السليم للمرض، نظرًا لطبيعته المعقدة وقلة الوعي المجتمعي بأعراضه، يوضح "الحبيبي" لماذا يصعب تشخيص الاضطراب ثنائي القطب وعلاجه، قائلًا: إن وراء ذلك أسبابًا أساسية، مثل تأخر المريض في اللجوء إلى الخدمة الطبية، إذ تبدأ شكوى المريض غالبًا في أثناء النوبات الاكتئابية فقط، لذا تشخص حالته على أنها اكتئاب.

وعلى الرغم من أن أعراض اضطراب ثنائي القطب تظهر عادةً في سنٍّ صغيرة، إلا أن الأهل عادةً يعزون التغيرات التي تصيب أبناءهم في أثناء نوبات الهوس إلى مشكلات سلوكية، وليس إلى مرض نفسي.

وتظهر أعراض ذلك الاضطراب بشكل مفاجئ، وقد يَعزو الأهل ذلك إلى أسباب خارقة للطبيعة مثل الحسد أو مس الجان، يعلق "الحبيبي" على ذلك قائلًا: "عادةً يكون اللجوء إلى السحر والدجل في هذه الحالات أقرب من اللجوء إلى الأطباء المتخصصين".

وترى "الثقفي" أن هناك أهميةً كبيرةً للمعلومات حول التاريخ الصحي للعائلات، لما قد تقدمه من مساعدة في التعرُّف على المخاطر الصحية التي قد يتعرض لها الفرد، كما هو الحال في أمراض مثل ارتفاع ضغط الدم أو السمنة، وتضيف: "عندما تشارك هذه المعلومات مع مقدمي الرعاية الصحية، يمكنهم مساعدتك في اتخاذ الخيارات التي من شأنها أن تُبقيك أنت وعائلتك بصحة جيدة، مشددةً على أنه كلما عرفت أكثر، أصبح من الأسهل اتخاذ القرارات الصحيحة".

ومن جانبه، يشدد "الحبيبي" على أن "ميزة البحث الذي نحن بصدده أنه يمكننا من خلال الفحص الجيني معرفة مَن هم الأشخاص الأكثر قابليةً للإصابة بهذا الاضطراب، وعليه يمكن أن نبدأ بحمايتهم من خلال إرشادهم إلى البعد عن العادات والسلوكيات التي قد تؤدي إلى تطور المرض لديهم".

أما عن العلاج، فإن هذا الاضطراب يُعد من الأمراض النفسية التي تحدث فيها انتكاسة بنسبة كبيرة بين المرضى؛ لأن المريض يجد صعوبةً في الانتظام على الدواء، ففي أغلب الأوقات لا يشتكي مريض الاضطراب ثنائي القطب، وذلك لأن أعراض نوبات الهوس تتسم بحالة مزاجية عالية، إما سعادة غامرة أو عصبية شديدة.

يقول "الحبيبي": يشعر المريض خلال نوبات الهوس بزيادة في النشاط وقلة في عدد ساعات النوم، كما لا ينصاع للموانع الاجتماعية فتجده أكثر جرأة، وقد تجده يسبُّ بكثرة، كما يشعر بزيادة في الرغبة الجنسية، ويشعر المريض أيضًا بإحساس كبير بالعظمة، فتجده يرى نفسه أجمل شخص، أو أكثرهم كفاءةً في العمل، كما يجد المريض صعوبةً في التركيز ويكون لديه إحساس بالتشتت، عدد قليل يرى مشكلةً في هذه الأعراض، وعدد كبير من الأهل يعزو هذا السلوك إلى أن الشخص لديه انفلات أخلاقي وسلوكي، أو يصفونه بقولهم: "الكبت يولِّد الانفجار".

يستطرد "الحبيبي": تخيل أن هذا الشخص قد شعر بالأعراض الاكتئابية، والآن نطلب منه أن يستمر على الدواء بكل أعراضه الجانبية غير المرغوب فيهاكالشعور بالخمول وعدم القدرة على الانخراط في الأنشطة المختلفة وزيادة في الوزن؛ ، كما نطلب منه أيضًا أن يتنازل عن الإحساس الممتع لنوبات الهوس المتمثل في شعور الشخص بثقة كبيرة، وسعادة، وانفتاح على العالم، لذا من الصعب أن يقتنع المريض باستكمال الدواء حتى خلال نوبات الهوس، وأحيانًا يقوم بعض الأطباء بصرف كمية كبيرة من الأدوية لمرضى هذا الاضطراب، مما يجعل المريض يرفض فكرة الدواء.

في هذا الإطار، تقدم الدراسة الجديدة العديد من النتائج التي تُسهم في فهم أعمق للاضطراب ثنائي القطب، مما يجعل تشخيص المريض، ووضع خطة علاج ملائمة له أمرًا أسهل مستقبلًا، على سبيل المثال، وجدت الدراسة العديد من الاختلافات في الحمض النووي التي تزيد من خطر الإصابة باضطراب ثنائي القطب ذات صلة بإشارات الكالسيوم التي تستخدم أيونات الكالسيوم لتوصيل ودفع بعض الأنشطة التنظيمية داخل الخلية.

تقول نيمه مالينز، باحث رئيس بالدراسة وأستاذ مساعد بقسم علم الوراثة وعلوم الجينوم بكلية إيكان للطب في مستشفى ماونت سيناي بولاية نيويورك الأمريكية: "تشير هذه النتيجة إلى إمكانية استخدام أدوية مثل حاصرات قنوات الكالسيوم -والمستخدمة بالفعل لعلاج ارتفاع ضغط الدم- كعلاج لحالات اضطراب ثنائي القطب"، إلا أن اختبار ذلك يتطلب الكثير من الأبحاث المستقبلية لتأكيد فاعلية هذا العلاج وآثاره المحتملة على المرضى.

وبدورها توضح "مالينز" أن هناك حاجةً إلى دراسات وراثية مستقبلية في مجموعات سكانية أكبر وأكثر تنوعًا، لاستكمال نتائج هذه الدراسة، وذلك لتحديد الجينات ذات الصلة بخطر الاضطراب ثنائي القطب في مناطق أخرى من الجينوم، إذ جرى تجميع كل العينات التي تم فحصها في الدراسة من 57 قاعدة بيانات لأشخاص من أصل أوروبي فقط.