قالت الأكاديمية الوطنية للعلوم في مايو الماضي إن الهندسة الوراثية قد تؤدي دورًا في جعل المحاصيل أكثر مقاومة لآثار التغيُّرات المناخية، ولكن لا تزال هناك حاجة إلى إجراء مزيد من البحوث؛ لفهم الاستخدامات المحتملة لتلك التكنولوجيا.

وقالت الأكاديمية -وهي الجهة العلمية الأعلى في البلاد- في تقرير شامل من 400 صفحة: إنه لا دليل يؤيد المزاعم القائلة بأن الكائنات المعدلة وراثيًّا تشكل خطرًا، سواء على البيئة أو على صحة الإنسان. لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن إدخال المحاصيل المعدلة وراثيًّا لم يكن له تأثير واضح على تزايد معدل الإنتاجية الزراعية بمرور الزمن. وأوصت الأكاديمية الباحثين والجهات المسؤولة أن يتأكدوا في المستقبل من تقييم سلامة محاصيل معينة وكفاءتها، بدلاً من التركيز على المخاطر المحتملة التي تشكلها عملية تعديل النباتات.

وقال فريد جولد -أستاذ علم الحشرات في جامعة ولاية نورث كارولينا، ورئيس لجنة المحاصيل المعدلة وراثيًّا بالأكاديمية، التي أعدت التقرير-: "التكنولوجيا تتغير بسرعة فائقة، ونحن بحاجة لمعرفة إلى أين ستأخذنا في المستقبل".
ويلقي التقرير نظرة متعمقة في البحوث السابقة، والاحتمالات المستقبلية لتطبيق الهندسة الوراثية -المثيرة للجدل في كثير من الأحيان- على المحاصيل الأمريكية.

وفيما يقول مؤيدو التكنولوجيا إن المحاصيل المعدلة وراثيًّا ضرورية لتلبية الاحتياجات الغذائية لسكان العالم الذين يتزايد عددهم، يرى المعارضون أن تلك النوعية من المحاصيل يمكن أن تؤدي إلى مخاطر بيئية وصحية، وخاصة على المدى الطويل.

وأشار التقرير أن معظم المحاصيل المعدلة وراثيًّا المتوفرة تجاريًّا في الوقت الحالي لديها صفات إضافية تحميها من الآفات وتجعلها مقاومة لمبيدات الأعشاب. ولكن في المستقبل يمكن اللجوء إلى التكنولوجيا لمعالجة ضعف المحاصيل أمام التغيُّرات المناخية عن طريق إدخال صفات مقاومة الجفاف، ومقاومة الحرارة وتحمل البرودة.

وأضافت اللجنة في تقريرها أن تغيُّر المناخ سيوثر على الإنتاجية وجودة المنتج بعدة طرق. فارتفاع درجات الحرارة سيزيد من سرعة نمو المحاصيل بما يحد من الإنتاجية المحتملة. وفي المناخ البارد قد يطول موسم النمو، خاصة في المحاصيل غير محدودة النمو مثل القطن؛ بسبب زيادة درجات الحرارة.

 

البعض يصف التقرير بالمُطمْئِن

ووفق كاتبي التقرير، يمكن استخدام أسلوب الهندسة الوراثية جنبًا إلى جنب مع طرق التربية التقليدية، وتغيير إدارة المزارع لمساعدة النباتات في البقاء على قيد الحياة بشكل أفضل في ظل التغيرات المناخية.

وقال ريتشارد أماسينو -عضو اللجنة-: "يتمثل التحدي الرئيسي في أن إضافة صفات كتحمُّل الحرارة تُعَد أكثر تعقيدًا من تعديل جين واحد لجعل النباتات مقاوِمة لمبيدات الحشائش". وأضاف أماسينو: "لو كانت لدينا المعرفة الأساسية لجعل محصول الذرة ينمو في درجات حرارة مرتفعة، عندئذٍ يكون لدينا خط دفاع ضد التغيُّرات المناخية. ولكن هل نفهم الأسس الكيميائية الحيوية لكيفية تنفيذ ذلك؟ الإجابة: لا. فلا يوجد بروتين سحري تضع القليل منه في النبات. لذلك، فإن هذه كلها مسائل معقدة للغاية. وفي الوقت الذي نتعرض فيه إلى مسائل بيوكيمائية أكثر تعقيدًا، سيتوجب علينا بالأساس أن يكون لدينا المزيد من المعرفة، كما ستواجهنا حدود فسيولوجية".

وللمساعدة في سد تلك الثغرة المعرفية، دعا أعضاء اللجنة إلى مواصلة التمويل العام للبحوث الأساسية من أجل التوصل إلى فهم أفضل "للأساس الفسيولوجي، والبيوكيميائي، والجزيئي لهذه الخصائص المهمة".
كما لَحَظوا أيضًا أن أية فوائد من البحوث ستتوقف على حجم الدعم الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي للهندسة الوراثية.

وإجمالاً، عمل أعضاء اللجنة على تقييم 1000 مقالة علمية عن المحاصيل المعدلة وراثيًّا، وتلقوا إسهامات من العلماء والمجموعات الناشطة في مجالي الصناعة والبيئة خلال 80 عرضًا تقديميًّا، وقرأوا أكثر من 700 تعليق منشور على الموقع الإلكتروني للأكاديمية.

قالت سارة دافيدسون أيفانيجا -مدير تحالف كورنيل للعلوم بجامعة كورنيل-: "لقد شجعني التقرير بالفعل؛ لقد تم الأمر بمنتهى الدقة"، وأضافت: "يخلص التقرير إلى أنه ليس للمحاصيل المعدلة وراثيًّا أية آثار سلبية. وإنه لأمر مشجع أن نرى تقريرًا من مؤسسة محل ثقة ينتهي إلى ذلك الاستنتاج. ويجب أن يكون ذلك مُطَمْئِنًا للجمهور بأن المحاصيل المعدلة وراثيًّا ليست أقل مأمونيةً من نظائرها التي لا تستخدم تلك التكنولوجيا".

 

البعض الآخر يرى التقرير متناقضًا

ووفقًا لإيفانيجا، قد تساعد الجودة العالية التي اتسم بها التقرير على تحسين أجواء السياسة العامة لاستخدام المحاصيل المعدلة وراثيًّا؛ لإقناع مزيد من الناس بأن هناك إجماعًا في الآراء العلمية حول سلامة تكنولوجيا التعديل الوراثي، وأن التكنولوجيا الحيوية يمكن أن تساعد البلاد على التأقلم مع التغيُّرات المناخية.

ولكن يشير جولد إلى أنه في ظل تحول طرق تربية النبات التقليدية إلى نشاط عالي التقنية، أصبح الخط الفاصل بين المحاصيل المعدلة وراثيًّا وغير المعدلة وراثيًّا غير واضح. ويشدد على أهمية تقييم الهندسة الوراثية على أساس المنتجات وليس على أساس العملية التكنولوجية ذاتها.

ويتساءل جولد: "هل تريد القول بأن المحاصيل المعدلة وراثيًّا سيئة لأن هناك محاصيل غير مقاومة لمبيدات الأعشاب؟ أم تريد القول بأن المحاصيل المعدلة وراثيًّا رائعة لأنها ستنقذ الناس من العمى؟". "الأمر مختلف. وبالتالي فإن فكرة وضعها كلها في سلة واحدة تُعَد أمرًا سهلًا، ولكن ذلك ليس في تقريرنا. لقد حاولنا الابتعاد عن التعميمات الشاملة الواسعة. وأعرف أن بعض الناس ترغب في وجودها، ولكنها لم تكن ذات معنى بالنسبة لنا بعد أن اطلعنا على المراجع".

ولاقت نتائج التقرير انتقادات وإشادات من اتحاد المستهلكين الذي يعارض استخدام الهندسة الوراثية، ويمارس ضغوطًا لوضع ملصق مميز على الأغذية المعدلة وراثيًّا.
ويصف ميشيل هانسن -عالم الأحياء التطورية، وكبير العلماء في اتحاد المستهلكين- هذا التقرير بـ"الفصامي" في موقفه من اختبار سلامة المحاصيل المعدلة وراثيًّا.
يقول هانسن: "التقرير يقول إننا يجب أن ننظم (إنتاج المحاصيل المعدلة) بناءً على المنتج وليس عملية الإنتاج نفسها، ولكنه يأتي بعد ذلك ليعترف بأن تقنيات الهندسة الوراثية الجديدة -مثل التحرير الجيني، والبيولوجيا التركيبية- سوف تنتج صفات أكثر تنوعًا وتعقيدًا في مزيد من المحاصيل، يمكن أن تثير مخاوف جديدة تتعلق بالسلامة. كما يشير إلى أنه حتى تقنيات التحرير الجيني الأحدث لها آثار خطأ".