يعتبر التدخل المبكر إحدى أولويات العلماء في التصدي لمرض "طيف التوحد" الذي يصيب الأطفال، وهناك دلائل على إمكانية استفادة صغار من عمر سبعة شهور بهذا العلاج، فيما يُعَد نقلةً نوعية؛ إذ إن معظم الأطفال في أمريكا الشمالية لا يتم اكتشاف إصابتهم بمرض التوحُّد إلا بعد بلوغهم أربع سنوات من العمر.

وكشفت دراسة نشرتها دورية "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications) أن فحص الحمض النووي لأشقاء المصابين بالتوحد قد يكون وسيلةً للتنبؤ بتشخيص المرض حتى لو لم تظهر الأعراض بعد.

ويعبر اضطراب طيف التوحد عن حالة ترتبط بنمو الدماغ، وتؤثر على كيفية تمييز الشخص للآخرين والتعامل معهم على المستوى الاجتماعي، مما يتسبب في حدوث مشكلات في التفاعل والتواصل الاجتماعي.

وأظهرت الدراسة التي أجراها باحثون من مستشفى "سيك كيدز" وجامعة ألبرتا في كندا، أن "العائلات التي لديها طفل مصاب بالتوحد مُعرَّضةٌ بنسبة تتراوح من 6.9% إلى 19.5% لإنجاب طفلٍ ثانٍ مصاب بالتوحد، واحتمال يتراوح من 30% إلى 40% لإنجاب طفل لديه مشكلات في النمو".

يقول "ستيفن شيرير" -مدير مركز تطبيقات الجينوم بمستشفى "سيك كيدز"، والمشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تُعد العوامل الوراثية أكثر مسببات ظهور مرض التوحد في العائلات. لقد أردنا التحقق من الفوائد المحتملة للفحص الجيني لدى الأطفال الذين لديهم أشقاء أكبر سنًّا تم تشخيص إصابتهم بمرض التوحد، بحيث يمكن التدخل مبكرًا بالعلاج إذا تم تحديد هؤلاء الأطفال في وقت مبكر نسبيًّا.

يوضح "شيرير" أن "التدخل المبكر يشمل التعامل مع مشكلات تتعلق بالكلام واللغة وتعديل السلوك من خلال برامج تحليل السلوك التطبيقي والتدخل السلوكي المكثف، ويكون لهذا التدخل تأثير أفضل كلما بدأ في سنٍّ صغيرة".

يضيف المشرف على الدراسة أنه "لا يوجد دواء معتمَد حتى الآن لعلاج السمات الأساسية لمرض التوحد، ولكن هناك تجارب إكلينيكية تُجرى حاليًّا لإثبات فاعلية عقاقير جديدة".

وقد قام الباحثون برصد وجود تغيُّرات جينية مرتبطة بالتوحد يُطلق عليها "اختلافات أرقام النسخ"(CNVs)  في أكثر من 288 طفلًا شقيقًا من 253 عائلة. وفى سن الثالثة، تم تشخيص إصابة 157 من الأشقاء إما بمرض التوحد أو بخلل في النمو. وقد أظهرت اختبارات الحمض النووي "اختلافات أرقام النسخ" في جينات مرتبطة بالتوحد لدى 11 طفلًا (7%) من الأشقاء البالغ عددهم 157 طفلًا.

وبالكشف عن ارتباط هذه التغيرات الجينية بزيادة احتمال التنبؤ مستقبلًا بالإصابة بالتوحد أو النمو غير الطبيعي، تعتبر هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها العلماء قادرين على تقدير قيمة هذا التنبؤ في تحديد التشخيص.

من جهته، يوضح "لوني زوايجينبام" -أستاذ طب الأطفال، والباحث بمستشفى "ستولري" للأطفال المتخصص في التوحد- أن نتائج الدراسة تضيف الى مجموعة متنامية من الأدلة بأن المؤشرات الحيوية قد تساعد في التعرف على الأطفال المُعرضين للإصابة بالتوحد قبل أن تظهر عليهم الأعراض.

ويضيف "زوايجينبام" -وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة- أنه "لا يمكن تحديد شدة الأعراض المتوقعة مستقبلًا في هذه المرحلة، ولهذا فمن المهم متابعة تطور هؤلاء الصغار عن قرب، والبدء بالتدخل العلاجي مبكرًا؛ لدعم مهارات النمو، ومعالجة العيوب الوظيفية الناشئة عن مرض التوحد".

وقد سجل الفريق البحثي نتائج مماثلة في مجموعة مختلفة مكونة من 2110 عائلات لديها طفل مصاب بالتوحد وآخر غير مصاب. ويتطلع الباحثون مستقبلًا إلى تحديد مدى إسهام التكنولوجيا الحديثة -مثل تسلسل الجينوم الكامل- في زيادة معدل الكشف الجيني مبكرًا.