في أول يوم سبت في شهر مايو من كل عام، تصل سرعة الخيول الأصيلة إلى أكثر من 40 ميلًا في الساعة في أثناء التنافس على الفوز بسباق الخيل الأمريكي الشهير "كنتاكي ديربي"، الذي يعود تاريخه إلى عام 1875.

وتشير دراسة نشرتها مجلة "سيل" (Cell) إلى أن الحصان الحديث مختلف تمامًا من الناحية الجينية عن الخيول التي يعود تاريخها إلى ما قبل بضع مئات من السنين.

وتحاول الدراسة بناء التاريخ الوراثي للخيول المحلية في جميع أنحاء العالم على مدى الـ5000 سنة الماضية باستخدام أكبر مجموعة من "الجينوم" تم إنشاؤها على الإطلاق لكائن حي غير بشري.

وقد حددت النتائج اثنتين من سلالات الخيول الجديدة التي انقرضت الآن، مشددةً على أن "التغير الجيني الأسرع حصل فقط في القرنين الأخيرين (في الفترة ما بين 200 إلى 300 عام)، مع تكثيف ممارسات التربية الحديثة للخيول".

يقول "لودوفيك أورلاندو" -مدير الأبحاث في  المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في جامعة "تولوز" وأستاذ علم الآثار الجزيئية في جامعة كوبنهاجن بالدانمارك، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "لقد أثر الحصان في تاريخ البشرية مثل أي حيوان آخر. وإذا نظرت إلى السجل التاريخي من العصر البرونزي فصاعدًا، فإن الخيول دائمًا ما تكون جزءًا من المعادلة حتى وقت قريب جدًّا؛ إذ كانت الخيول تربط بين الحضارات وتؤثر على النقل والحرب والزراعة، ما جعلها تغير التاريخ البشري بشكل جذري".

استهدف الفريق البحثي فهم كيف حوَّل البشر وأنشطتهم الحصان على مر التاريخ ليناسب أغراضهم، وكيف أثرت هذه التغييرات في علم الأحياء على تاريخ البشرية، وقام الباحثون بتحليل المحتوى الوراثي لـ278 حيوانًا هي على وجه الخصوص خيل وحمير وبغال اكتُشفت صدفةً على مدار أكثر من خمسة آلاف سنة مصدرها أوراسيا، ما يُعد "أكبر سجل للمحتويات الوراثية القديمة لدى جنس آخر غير البشر، وقارنوا الجينوم الخاص بالخيول التي يعود تاريخها إلى القرنين السابع والتاسع وتلك الموجودة في الفترة السابقة في كلٍّ من آسيا وأوروبا.

ويضيف "أورلاندو": حصان اليوم يختلف عن حصان الأمس، وكل الأجناس الحالية مثل مهر شتلاند والأحصنة الأصيلة هي مستحدثة، إذ حدث تغيير في القرنين السابع والتاسع خلال التوسع الإسلامي في أوروبا. وقد استقدم المسلمون معهم الحصان الشرقي من الأسرة الساسانية في بلاد الفرس. وقد تزاوج هذا الحصان مع الحصان الأوروبي وانتشر كثيرًا وأصبح مصدر غالبية الخيول الحالية، وبموازاة ذلك، نقل الإسكندنافيون (الفايكينج) الحصان الأوروبي الذي كان يركبه الرومان إلى آيسلندا والجزر البريطانية، وهما المكانان الوحيدان اللذان لا يزال يوجد فيهما هذا الحصان".

يتكون الفريق المسؤول عن هذا المشروع من 121 متعاونًا، من بينهم علماء في مجالات الوراثة والآثار والأحياء والتطور من 85 مؤسسة حول العالم.

ويشير "أورلاندو" إلى أن المجموعة الكبيرة من البيانات التي حصل عليها الباحثون تمكِّننا من بناء فهم أكثر دقةً لتدجين الخيول وإدارتها عبر المكان والزمان. ولكنه كان حقًّا جهدًا متعدد التخصصات؛ لأن الأمر يتطلب بطبيعة الحال أكثر من مجرد الاعتماد على دراسة الـDNA  لفهم مثل هذه القصة. "كان علينا دمج كل هذه الجوانب الاجتماعية والتاريخية والجغرافية".

وتوضح نتائج الدراسة أن تاريخ الخيول حاليًّا أكثر تعقيدًا مما كان عليه سابقًا. "فاليوم، لا يوجد سوى اثنين من الأنساب المعروفة للخيول، وهما الخيول المحلية والحصان البري الآسيوي الذي ما زال يعيش بحالته البرية في أواسط القارة الآسيوية، ويسمى اليوم بحصان برزوالسكي".

يقول "اورلاندو": "إن التوسعات الإسلامية كانت لحظةً فارقةً في التاريخ أعادت تشكيل المشهد للخيول في أوروبا. إذا نظرنا إلى ما نسميه اليوم الخيول العربية، نجد أن لها شكلًا مختلفًا، وبناءً على الأدلة الجينومية، نقترح أن هذا الحصان كان ناجحًا ومؤثرًا للغاية؛ لأنه جلب تشريحًا جديدًا وربما سمات أخرى لخيول اليوم".

ويعترف "أورلاندو" بوجود ثغرات جغرافية وزمانية في دراسته، مضيفًا أنه "بالرغم من أن تدجين الخيول أدى دورًا أساسيًّا في تاريخ البشرية، إلا أن فهمنا لتاريخ الخيول المحلية ما زال بعيدًا عن الاكتمال، وما زلنا لا نعرف متى وأين تم تدجين الحصان".