اعتقد العلماء لعقود سابقة أن اندماج ويلز وإنجلترا واسكتلندا منذ أكثر من 400 مليون سنة نتج عن تصادم لوحين تكتونيين صغيرين هما أفالونيا ولورينشيا. لكن باحثين من جامعة بليموث أضافوا أن ثمة لوحًا تكتونيًّا ثالثًا اصطدم مع اللوحين السالف ذكرهما، هذا اللوح هو أرموريكا، وهو اللوح التكتوني الذي تنتمي له –جيولوجيًّا- دولة فرنسا.

النتائج المنشورة في دورية نيتشر كومينيكشن Nature Communications، كشفت عن حدود واضحة تمتد عبر البلدين، حيث توجد مناطق تقع في اتجاه الشمال من هذه الحدود تتقاسم جذورها الجيولوجية مع بقية إنجلترا وويلز، ولكن كل شيء في الجنوب يرتبط جيولوجيًّا بفرنسا.

وتستنتج الدراسة أن ما يُعرف بالتضاريس الأرموريكية كانت جنبًا إلى جنب ضد أفالونيا قبل إغلاق المحيطات الفارسكية، وقبل أن تتشكل بانجيا، القارة الأم. طالع الفيديو

قسم العلماء سطح الكرة الأرضية إلى 12 لوحًا رئيسيًّا يقومون بحركات مختلفة بمعدل 1-2 إنش سنويًّا. هذه الألواح الضخمة تتحرك ثلاث حركات مغايرة: تباعدية Divergent ، أو تقاربية Convergent، أو أفقية Transform، ما ينجم عنه إما اندماج البعض معًا أو انفصال البعض.

القارة الأم

ولسبر أغوار نتائج الدراسة، يجدر بنا التعريف بدايةً بتاريخ الأرض وجيولوجيتها وتكتونيتها.. بطبيعة الحال نعرف قارات العالم السبع وأسماءها، ولكن مَن منَّا سمع من قبل عن القارة الأم "بانجيا"؟

يعتقد علماء الجيولوجيا والجيوفيزياء أنه منذ أكثر من 250 مليون سنة كانت القارات -أي اليابسة- متصلة جميعًا على شكل قارة واحدة عظمى، أطلقوا عليها اسم بانجيا. كانت حدود بانجيا محاطةً بالمياه من جميع الجهات، مياه "المحيط العظيم" أو بانثالازا، كما أنه تخللها بحر كبير -البحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود الآن- وسُمي باسم تيثس. في البداية انقسمت القارة الأم إلى قارتين عظيمتين هما لوراسيا شمالًا، وجوندوانا جنوبًا، من ثم انقسمتا فيما بعد إلى القارات السبع.

دراسة خصائص المعادن

استخدم الفريق البحثي من جامعة بليموث تقنية "جيوكيمياء النظائر" لدراسة خصائص المعادن الموجودة على سطح بعض الصخور النارية مثل صخر اللمبروفاير، وهي صخور قلوية تحوي عنصر البوتاسيوم، خرجت من فوهة بركان منذ 300 مليون سنة، عن عمق 100 كم2 تحت سطح الأرض. تُستخدم هذه التقنية في معرفة مدى توافر النظائر في المعادن المختلفة، ما يساعد في معرفة الحقبة الجيولوجية التي تنتمي إليها الصخور.

عكف "أرجان ديكسترا" -أستاذ الصخور النارية- وفريقه البحثي، على دراسة الصخور المعدنية التي تحتوي على معدني التنجستين والقصدير في 22 موقعًا مختلفًا بمقاطعتي ديفون  وكورنوال جنوبي غرب إنجلترا ومنطقة بريتاني شمالي غرب فرنسا.

قام الباحثون بإذابة العينات -الصخور- المختلفة في أحماض قوية ليتسنى لهم قياس نسب النظائر لعنصري السترونتيوم والنيوديميوم على الصخور التي جرى تجميعها.

ووفقًا لنتائج التحاليل الكيميائية للمعادن باستخدام جهاز الأشعة السينية، رسم الباحثون حدودًا جيولوجية جديدة بين كلٍّ من إنجلترا وفرنسا؛ إذ اتضح بعد قراءة النتائج أن نسب معدني التنجستين والقصدير متشابهة في المقاطعات السالف ذكرها على خلاف مقاطعات المملكة المتحدة الأخرى.

يرى "أرجان" أن بحر المانش لا يفصل الحدود الجيولوجية بين الألواح، وأن ثمة حدًّا فاصلًا جديدًا لم يكن معروفًا يمر من مقاطعة ديفون.

وبسؤاله عن تقنية النظائر، ولماذا استخدم تحديدًا نظائر عنصري السترونتيوم والنيوديميوم، أجاب "أرجان" في تصريحاته لــ"للعلم" أنه اعتمد على استخدام هذه النظائر للوقوف على تاريخ الصخور الجيولوجية وحقبتها الزمنية، واستطرد قائلًا: "إن أغلب الأبحاث في بريطانيا اعتمدت على استخدام هذين العنصرين، لذلك استعنت بهما في الدراسة؛ لتتسنى لنا مقارنة نتائجنا بنتائج الأبحاث السابقة".

وأوضح لــ"للعلم" أن هذه طريقة جديدة للبحث في كيفية تشكُّل بريطانيا عبر العصور، فقد ظل العلماء عقودًا يظنون أن بحر المانش يفصل بين لوحي أرموريكا وأفلونيا، ولكن بحثنا يفترض أن الحد الفاصل بين اللوحين يمر من مقاطعتي ديفون وكورنوال، ويفصلهم جيولوجيًّا عن سائر مقاطعات المملكة.

نحتاج إلى أدلة جيولوجية

وفي تصريحات خاصة لــ"للعلم"، عقَّب "مايكل سيرل"، أستاذ الجيولوجيا التركيبية بجامعة أكسفورد في إنجلترا، على نتائج الدراسة قائلًا "إنه كمتخصص في الجيولوجيا التركيبية، لم يتقبل نتائج الدراسة بشكل كامل، وما يعتقده أنها قد تكون مقبولة لدى الجيوكيميائيين فحسب".

ويتفق "روبرت بتلر" -أستاذ الجيولوجيا التكتونية بجامعة أبردين بإنجلتر- مع سيرل، موضحًا أنه مندهش بعض الشيء من نشر نتائج الدراسة دون الاستناد إلى أدلة جيولوجية أخرى مؤيدة بجانب الأدلة الجيوكيميائية، وفق قوله.

من جهته، يعلق "أرجان" على تعقيب كلٍّ من "سيرل" و"بتلر"، قائلًا إنه لم يتمكن بعد من إثبات نتائج هذا البحث بدلالات ظاهرية على السطح (جيولوجية)؛ إذ إن ذلك يحتاج إلى الحفر في باطن الأرض على أعماق غائرة باستخدام تقنيات جيوفيزيائية وجيولوجية حديثة جدًّا لم تكن متاحة لفريقه، ولكن الفريق سيعمل جاهدًا لإثبات نتائج البحث بأدلة جيولوجية.

واختتم "أرجان" حديثه لــ"للعلم" قائلًا: إننا نعتقد منذ أكثر من 10000 سنة أنه يمكننا التنقل بين إنجلترا وفرنسا بسهولة، ولكنه أصبح جليًّا الآن أن الروابط بين البلدين أقوى مما كنا نعلمه، واستكمل قائلًا: إن هذه الدراسة ستفتح مجالًا جديدًا ورؤية رائعة للتعرف على التاريخ الجيولوجي لإنجلترا كما ساعدت على تفسير سر الثروة المعدنية الهائلة الموجودة في الجزء الغربي من البلاد.

Resources:

https://www.youtube.com/watch?v=zbtAXW-2nz0&t=123s

https://phys.org/news/2018-09-geologists-reveal-ancient-england-france.html

https://www.plymouth.ac.uk/news/geologists-reveal-ancient-connection-between-england-and-france