من أمام النصب التذكاري للرئيس الأمريكي السادس عشر "أبراهام لينكولن"، وقف الزعيم الأمريكي الراحل "مارتن لوثر كينج" في 28 أغسطس 1963، ملقيًا خطابه الأشهر "لديَّ حلم".

يقول "كينج": علينا مواجهة الحقيقة المأسوية، وهي أن الزنجي لا يزال معوَّقًا بقيود العزلِ العرقي وأغلالِ العنصرية.

يمضي "كينج": هناك أناس يسألون أنصار الحقوقِ المدنية: متى ترضون؟ لن نرضى ما بقي الزنجي ضحيةً لرعبٍ لا يوصف من وحشية رجال الشرطة. لن نرضى أبدًا ما دامت أجسادنا مثقلةً بجهد الترحال. لسنا راضين. ولن نرضى حتى يتدفق العدل كالماء، والاستقامة كالنهر العظيم.. سوف نستطيع أن نشق جبل اليأس بحجر من الأمل. بهذا الإيمان، سوف نستطيع أن نحول النشاز المزعج في دولتنا إلى سيمفونية أخوة جميلة، وأن نعمل معًا، ونكافح معًا، ونُسجن معًا، ونقف للحرية معًا، مؤمنين بأننا يومًا ما سنكون أحرارًا.

وبالرغم من مرور 57 عامًا على خطاب "كينج"، الذي رأى كثيرون أنه حقق مبتغاه مع اعتلاء الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قمة المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، إلا أن مفردات الواقع ما زالت تؤكد أنه لم يصل بعدُ إلى لحظة الحصاد، وأبرزها مقتل الأمريكي الأسود "جورج فلويد" مؤخرًا على يد أربعة ضباط بقسم شرطة "مينيابوليس" وهو يصرخ بأنه لا يستطيع التنفس قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وفي السياق، تشير دراسة حديثة أجراها باحثون بجامعة "ستانفورد" ونشرتها دورية "نيتشر هيومان بيهافيور" (Nature Human Behavior) إلى أن "الشرطة الأمريكية توقف عددًا أقل من السائقين السود في الليل عندما يخفي حجاب الظلام عرقهم، وأن الضباط يقومون بتفتيش سيارات السود والإسبان أكثر من البيض بصورة تعكس أحد الأمثلة على التحيز الممنهج في الولايات المتحدة الأمريكية".

وتُعَد تلك الدراسة الأكبر على الإطلاق عن التنميط العنصري داخل المجتمع الأمريكي، إذ حللت 95 مليون سجل تتعلق بتوقف حركة المرور في الفترة من 2011 إلى 2018، وفحص الباحثون مجموعةً فرعيةً من البيانات من واشنطن وكولورادو، وهما ولايتان شرَّعتا الماريجوانا، مشيرين إلى أن "المنتمين إلى الأقليات كانوا أكثر عرضةً من البيض للتفتيش، وأن التحيُّز العنصري مستمر، ما يستوجب أن تكون هناك تدخلات سياسية للحد من هذه الفوارق".

يقول شراد جويل -أستاذ علوم وهندسة الإدارة، الذي قام مع فريق علوم الكمبيوتر بتنظيم البيانات وتحليلها، والمشارك في الدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: حجاب الظلام يحصِّن السود جزئيًّا، تمكنَّا من العثور على 113 ألف حالة توقُّف لحركة المرور، واعتمدنا على متغيرين مهمين هما قتامة السماء وظهور ضوء النهار، وجدنا أنه كلما زادت قتامة لون السماء، قَلَّ احتمال توقُّف السائق الأسود، وكان العكس صحيحًا عندما كانت السماء أقل قتامة".

ويوضح تقرير نشرته مجلة "للعلم"، وأعده الزميل محمد منصور، أن "عمليات إطلاق النار ليست سوى الجزء المرئي من انتهاكات الشرطة واستغلال رجالها للسلطة؛ فالضباط يؤكدون هيمنتهم من خلال المعاملة المهينة للجمهور، وعدم احترامهم، ومضايقتهم، والتصعيد معهم، لدرجة صعقهم بمسدسات الصواعق، أو إشهار البنادق في وجوههم في بعض الأحيان دون وجه حق، وأن الشرطة الأمريكية تفرط في استخدام تقنيات القيادة والسيطرة والتهديد، أو استخدام القوة المفرطة".

وينقل "منصور" عن المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة "توم تايلر" قوله: "إن تعليم رجال الشرطة بعض المبادئ الخاصة بالعدالة الإجرائية وحقوق الإنسان قد يسهم في الحد من الشكاوى ويغير من سلوكهم في أثناء عملهم واحتكاكهم بالمدنيين"، يقول "تايلر"، مشيرًا إلى أن نتائج الدراسة "تؤكد ضرورة خضوع رجال الشرطة باستمرار لدورات لإعادة تأهيلهم وتقييم استجابتهم، والتأكيد عليهم بضرورة تقليل استخدام العنف مع الجماهير، وأن تدريب رجال الشرطة على العدالة يُقلل العنف ضد المدنيين، وأن معاملة الجماهير بصورة جيدة تزيل العداوة بين الشرطة والشعب، وتحد من استخدام القوة المفرطة".

وعلى الصعيد السلوكي، يحذر تقرير سابق نشرته "للعلم" من أن "فساد ضباط الشرطة ينتقل مثل العدوى إلى زملائهم، وأن عدم توافر عنصر الردع ونقل الضباط المتهمين بسوء السلوك إلى أماكن أخرى لا يكافح السلوكيات غير القانونية، بل يُعزِّزها ويضخمها".

اعتمد التقرير على دراسة أُجريت على 35 ألف ضابط ومسؤول أمني في العاصمة البريطانية لندن، موضحًا أن "عقاب ضباط الشرطة الفاسدين بنقلهم إلى مجموعات عمل جديدة يزيد من احتمالات انتقال السلوكيات السيئة من الضباط الفاسدين إلى أقرانهم الجدد".