يعتمد ملايين الأمريكيين، الذين يعانون من الاضطراب ثنائي القطب، على الليثيوم. فيوصَف هذا الدواء منذ نصف قرن للمساعدة في تحقيق الاستقرار لأمزجة المرضى ومنع إصابتهم بنوبات هوس أو اكتئاب. لكن لا يزال الغموض يكتنف –إلى حدٍّ كبير- ما يفعله الليثيوم في الدماغ، وسبب عدم جدواه مع بعض الأشخاص.

لكن السنة الماضية، كشف باحثون في سان دييجو عن تفاصيل جديدة حول الطريقة التي قد يغيّر بها الليثيوم المزاج، بفضل نهج حديث حظي مؤخرًا بتأييد عدد قليل من العلماء الذين يدرسون الأمراض العقلية. فاستخدم الفريق البحثي في سان دييجو أساليب مختبرية متداولة لإعادة برمجة الخلايا الجلدية للمرضى بتحويلها إلى خلايا جذعية قادرة على أن تصبح أي نوع آخر من الخلايا، ثم تطويعها كيميائيًّا لتصبح خلايا دماغية.

وتوفر هذه العملية حاليًّا البديل الحقيقي الأول لخلايا الدماغ المأخوذة من أشخاص مصابين بأمراض عقلية، متيحةً إجراء تجارب مباشرة غير مسبوقة في هذا المجال. ويأمل مؤيّدو هذا النهج أنّ تؤدي في النهاية دراسة هذه الخلايا العصبية المُنتَجة في المختبر والخلايا المرتبطة بها إلى خيارات علاجية أكثر دقّةً وكفاءةً للعديد من الحالات المرضية المختلفة. وقد سبق أن استخدم فريق سان دييجو البحثي هذه التقنية ليثبتوا أنّ بعض حالات الاضطراب ثنائي القطب قد تكون مرتبطةً بتنظيم البروتين أكثر من ارتباطها بالاختلالات الوراثية. واكتشف مختبر آخر أنّ نشاط الخلايا الدبقية (نوع من الخلايا الدماغية يدعم وظيفة الخلايا العصبية) يساعد على الأرجح في حدوث الفصام، ما يدحض النظرية القائلة بأنّ هذا الاضطراب ناجم في الأساس عن خلايا عصبية معيبة.

تستند هذه الموجة الجديدة من الأبحاث إلى تجارب شينيا ياماناكا، الحائز جائزة نوبل، التي تناول فيها إعادة برمجة الخلايا قبل عقد من الزمان. ولم يبدأ تطبيق اكتشافات هذا العالِم المهمة عن تخليق الخلايا الجذعية المُستحثّة متعددة القدرات (iPSCs) في دراسة الأمراض العقلية إلا مؤخرًا بعد نضوج هذا المجال البحثي. ويقول ستيفن جولدمان، المتخصص في العلاج الخلوي والجيني في المركز الطبي بجامعة روتشستر: "إنّ ما دفع حقًّا هذا التحرّك البحثي الآن هو القدرة على تخليق خلايا جذعية مخصصة للمريض. فبمجرّد القدرة على فعل ذلك، تصبح كل أنواع الأمراض قابلةً للدراسة".

وللوصول إلى السبب الجوهري وراء قدرة الليثيوم على مساعدة بعض مرضى الاضطراب ثنائي القطب، أراد عالِم الخلايا الجذعية إيفان سنايدر وزملاؤه في معهد سانفورد برنهام بربايس للاكتشافات الطبية اختبار تكوّن الخلايا العصبية عن طريق مقارنة عينات مأخوذة من أشخاص يستجيبون للدواء وآخرون لا يستجيبون له. فحصل الفريق على خلايا جلدية عادية من أشخاص من كلتا المجموعتين وحوّلوا هذه العينات إلى خلايا جذعية مُستحثّة متعددة القدرات، ثم إلى خلايا دماغية. وتقول كريستين بريناند، المتخصصة في علم أحياء الخلايا الجذعية في كلية طب آيكان في ماونت سيناي، والتي لم تشارك في هذا العمل: "عندما تعيد برمجة الخلايا بتحويلها إلى خلايا جذعية مُستحثّة متعددة القدرات، فإنها تفقد جميع مؤشرات السنّ، بصرف النظر عن عمر الشخص. ويمكننا النظر إلى خطر الإصابة بالمرض بمعزل عن تأثير أي أمور أخرى، مثل تعاطي المخدرات أو صدمة المراهقة أو التقاط عدوى من الأم خلال الحمل، بحيث لا يصبح أمامنا سوى الخطر الوراثي الذي نشأ عند التقاء الحيوان المنوي بالبويضة".

باستخدام هذه النماذج المنتَجة داخل المختبر، تمكّن سنايدر وفريقه من مقارنة كيفية نضوج الخلايا العصبية في المجموعتين من الأشخاص المصابين بالاضطراب ثنائي القطب. واستطاعوا كذلك فحص المسارات الجزيئية للخلايا للتوصّل إلى تفسيرات ممكنة عن طبيعة عمل الليثيوم. وفي النهاية، وجد الفريق أنّ بروتينًا يُسمَى CRMP2 -وهو الذي ينظم الشبكات العصبية ويوجد داخل الخلايا- يبدو أنه يؤدي دورًا كبيرًا في التأثير على ما إذا كان الليثيوم يساعد المرضى أم لا.

"توصّل الباحثون إلى أن المشكلة ليست ناجمةً عن جين ما غير طبيعي أو عن أخطاء في استجابة الجين– ولا حتى عن كمية البروتين التي ينتجها الجين".

واستنتج الفريق أنّ الليثيوم يجعل بروتين CRMP2 يتصرف على نحوٍ طبيعي. فمن الواضح أنّ هذا البروتين يتصرف بخمول في بعض المرضى المصابين بالاضطراب ثنائي القطب، ما يحدّ من قدرة الخلايا العصبية على تكوين الشوكات التغصنية، وهي نتوءات صغيرة تنشأ على أطراف الخلايا العصبية، وهي ضرورية للاتصال العصبي. وتوصّل الباحثون إلى أن المشكلة ليست ناجمة عن جين ما غير طبيعي أو عن أخطاء في استجابة الجين– ولا حتى عن كمية البروتين التي ينتجها الجين. وإنما تنجم عن تغيّرات في شكل البروتين أو وزنه أو شحنته الكهربائية. ويقول سنايدر إن هذا يجعل مرض الاضطراب ثنائي القطب المُستجيب لليثيوم أول اضطراب عقلي يَثبُت أنه ليس ناجمًا عن طفرة وراثية، وإنّما عن تعسرات في "تعديل ما بعد الترجمة" لبروتين ما. ويشتبه سنايدر في أنّ حالات الاضطراب ثنائي القطب التي لا تستجيب للدواء تشكِّل في الواقع مرضًا مختلفًا كليًّا.

أخذًا بهذه الاكتشافات، يمكن أن يحاول الباحثون الآن تطوير بدائل لليثيوم تجدِّد نشاط بروتين CRMP2 على نحوٍ مماثل، لكنها تعمل حصريًّا على مسار هذا البروتين، ما يتيح للمرضى تجنُّب الآثار الجانبية الصعبة التي قد تنشأ من إصابة الليثيوم لأهداف غير مناسبة. (فقد يتسبب -على سبيل المثال- في عيوب في الذاكرة واختلالات في المهارات الحركية الدقيقة). ولقد حصل الباحثون في السابق على بعض المعلومات عن المسار الدماغي الذي يعمل الليثيوم عليه، لكن بريناند تشير إلى أن ثمة ثغرات لا تزال موجودة. إذ تقول: "إيفان وصف هدفًا آخر لليثيوم، وقد يكون هذا الهدف أكثر دقة".

تخليق أدمغة صغيرة في المختبر

لطالما تمثّلت إحدى مشكلات دراسة الأمراض العقلية في صعوبة العمل على الدماغ حين يكون المريض على قيد الحياة. وقد ابتكر العلماء بعض الأساليب للالتفاف على هذه المشكلة؛ ففي خلال العقد الأخير، على سبيل المثال، ساعدت دراسات الارتباط على نطاق الجينوم العلماء على الربط بين طفرات وراثية محددة واضطرابات معينة. لكن هذا العمل ترك الكثير من الغموض حول أسباب الأمراض العقلية، المتضمنة الفصام والتوحّد والاضطراب ثنائي القطب، والتي ترتبط جميعها بالكثير من الجينات. ويمكن عادةً أن تساعد الدراسات التي تُجرَى على الحيوانات في هذا الصدد، لكن العلماء لا يستطيعون دومًا معرفة ما إذا كان الفأر الذي يُستولَد ليحمل خصائص معينة للفصام هو فأر مصاب بالفصام بالفعل أم لا.

وقد ساعد العمل على الخلايا الجذعية المُستحثّة متعددة القدرات على تغيير فكرة الأطباء الإكلينيكيين عن الفصام. فأشار جولدمان وبعض زملائه في أغسطس إلى أن الخلايا الدبقية تؤدي دورًا رئيسيًّا في هذا الاضطراب؛ إذ أخذ الباحثون خلايا جذعية مُستحثّة متعددة القدرات من أشخاص مرضى بالفصام وآخرين أصحاء، وحوّلوها إلى خلايا سلفية دبقية، وأثبتوا أن الخلايا المأخوذة من المرضى وحدها تغيّر سلوك الفئران التي زُرِعت فيها هذه الخلايا. فطوّرت هذه الفئران أعراضًا مشابهة لتلك الموجودة لدى بعض الأشخاص المصابين بالفصام، متضمنةً التثبيط المنخفض والعزلة الاجتماعية والقلق المفرط.

ويرى بعض العلماء في هذا المجال أن استغلال الخلايا الجذعية مشوّق بشكل خاص؛ إذ يمكن دمجه بالأساليب التقليدية لدراسة الأمراض العقلية. على سبيل المثال، عندما يحدد الباحثون الخلايا التي يعتقدون أنها مهمة، يمكنهم زرعها في نماذج الفئران (مثلما فعل جولدمان) لمراقبة كيف تؤثر هذه الخلايا على سلوك هذه الكائنات الهجينة (الخيمر) التي تجمع بين خلايا القوارض والبشر. ويقول جولدمان: "في هذه الحالات، نحوّل دماغ الفأر إلى أنبوب اختبار حي". ويشير إلى أنه بوسع العلماء أيضًا مقارنة الخلايا المأخوذة من مريض مصاب بالفصام وشخص سليم عقليًّا، والبحث عن الاختلافات التشريحية بينها. ويضيف جودلمان: "لقد منحتنا هذه التقنيات دعمًا لم نحظَ به قبل سنوات". وتشير جوا- لي مينج، وهي عالِمة أعصاب في كلية طب بيرلمان بجامعة بنسلفانيا، إلى أن الباحثين يدمجون أيضًا الخلايا الجذعية المُستحثة متعددة القدرات مع تقنيات التحرير الجيني لإنشاء مجموعات خلايا ذات طفرات وراثية محددة، أو لتحديد ما إذا كانت طفرات وراثية معينة تسبب مشكلات محددة أم لا.

كانت مينج من أوائل الباحثين الذين وظفوا الخلايا الجذعية المُستحثة متعددة القدرات لدراسة اضطرابات الصحة العقلية. وقد عمدت مؤخرًا -إلى جانب باحثين آخرين- إلى توجيه العمل في هذا المجال في اتجاه آخر، هو استخدام الخلايا الجذعية المُستحثة متعددة القدرات لتطوير نماذج عضوانية ثلاثية الأبعاد للدماغ، ما يتمثّل جوهريًّا في إنشاء أدمغة صغيرة تتألف من خلايا عصبية مختلفة. وتعيش هذه الخلايا وتتفاعل في محلول، جامعةً الكثير من الخصائص الفريدة لتطوُّر الدماغ البشري. ويسمح ذلك للعلماء بدراسة تداخُل التواصل بين أنواع مختلفة من الخلايا في الدماغ، وهي العملية التي قد يكون لها دخل في اضطرابات الصحة العقلية، وفق قول مينج.

تتمثّل الأهداف المثيرة لكل هذا العمل على الخلايا الجذعية -كما تقول مينج- في ابتكار أدوية مخصصة للمرضى على نحو فردي، والقدرة على إجراء فحص سريع للأدوية المتوافرة على خلايا المرضى في المختبر، مع تحديد ما إذا كان على الأطباء مَنْح المريض دواءً محددًا ليتعاطاه. وتقول مينج: "ربما في غضون عقد أو اثنين سنستطيع تحقيق بعض من هذا على الأقل". لكن سنايدر يقول إن المعلومات الجديدة التي تمّ التوصل إليها قد أدخلتنا "عصرًا جديدًا كليًّا في العمل البحثي".