توصلت استقصاءات فريقين مستقلين من العلماء في أوروبا إلى أن النحاس المستخدم في بعض المصنوعات اليدوية المصرية القديمة جاء بشكل رئيسي من مناجم شبه جزيرة سيناء المصرية والصحراء الشرقية. كما كشفت الاستقصاءات أيضًا عن أول دليل ذي تاريخ عن تجارة النحاس بين مصر والأناضول، التي أصبحت تُدعى تركيا اليوم1,2

طبّق العلماء تقنيات التوصيف الكيميائي وتحليل نظائر الرصاص المشعة على المشغولات النحاسية من مواقع الدفن المصرية القديمة (من حوالي 4400 إلى 2130 قبل الميلاد) الموجودة في متاحف في ألمانيا وبلجيكا.  تتضمن الطرق ربط ’البصمات‘ الكيميائية والنظائرية في القطع الأثرية مع تلك العائدة للخامات النحاسية في مواقع التعدين المحتملة في المنطقة. 

النقوش المحفورة على الصخور والمواقع الأثرية الموجودة حول مصادر معروفة لخامات النحاس دفعت علماء الآثار إلى وضع نظرية مفادها أن المصريين القدماء حصلوا على النحاس الذي استخدموه لصنع مواد كالأوعية والأواني والأسلحة من شبه جزيرة سيناء والصحراء الشرقية، أو من مواضع بعيدة كإسرائيل والأردن وشبه الجزيرة العربية والأناضول. ولكن من دون التحليلات العلمية، لم تكن لديهم طريقة لتحديد مصادر النحاس في مصر والتغيرات في استغلالها على مرّ الزمن. 

في حين أن اكتشاف أن النحاس المصري القديم أتى من مصادر محلية ليس بالأمر المفاجئ للباحثين، "إلا أنها خطوة مهمة جدًّا في العملية العلمية للتحقق من هذا الأمر بطرق تحليلية، نظرًا إلى أنه يتيح لنا تعميق فهمنا لكيفية تطور التكنولوجيا المعدنية في مصر"، استنادًا إلى قول فريدريك ريدميكرز، عالِم الآثار من جامعة ليوفن الكاثوليكية في بلجيكا.

 وجدت الدراسات أن ممارسات التعدين تغيرت بمرور الزمن. 

أتى نحاس المواد الموجودة في مقبرة الملك خع سخموي، الذي حكم  في بدايات عصر الأسر المصرية ودُفن في أبيدوس، التي توجد على بُعد حوالي 170 كم شمال الأقصر، من عدّة مصادر في الصحراء الشرقية وسيناء، مثلًا. وكانت المشغولات النحاسية الموجودة في مقابر المملكة القديمة في الجيزة في شمالي مصر مصنوعةً فقط من خامات الصحراء الشرقية.

تشير تحاليل نظائر الرصاص في وعاء نحاسي عُثر عليه في مقبرة الأسرة الأولى (3000-890 قبل الميلاد) في أبوصير جنوب الجيزة إلى أن هذا الوعاء كان مشابهًا لمادة في الأناضول. ويمثّل هذا أول دليل على تجارة النحاس بين الأناضول ومصر يمكن تأريخه بدقة.  

ربما كان المصريون القدماء يرغبون في الحصول على المعدن من الأناضول لأن توليفته المكوّنة من النحاس والزرنيخ والنيكل منحته لونًا فريدًا [أميل للبياض]، وفق شرح عالِم المصريات مارتين أودلر من جامعة تشارلز في جمهورية التشيك. ويتوقع أن يكون المعدن جزءًا من التجارة البينية في المنطقة في أواخر القرن الرابع وأوائل الألفية الثالثة قبل الميلاد.2

فحصت الدراستان التحف النحاسية الموجودة في المتاحف الأوروبية بسبب مصاعب الحصول على عينات أثرية في مصر. يدرك ريدميكر أن نتائج دراسته قد لا تعكس الطيف الكامل للأجسام النحاسية المستخدمة في مصر القديمة. 

يشكّل هذا البحث جزءًا من حركة أكبر تسعى لفهم الموضوع الذي كثيرًا ما يتم تجاهله عن المصنوعات المعدنية القديمة، وفق قول نيلس أنفينسِت من جامعة بيرجن النرويجية، الذي لم يشارك في الدراستين. "تشير النتائج التي توصلت إليها هذه الأبحاث إلى أن المصريين استخدموا مجموعةً واسعةً من المصادر، راسمين صورةً أكثر تنوعًا بكثير مما كان يُعتقد سابقًا"، وفقًا لقوله.  ويضيف أن الدراسات تحسِّن فهمنا لكيفية تطور الحضارة المصرية.