كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة "سيل" أن الحيتان البالينية، التي تحصل على غذائها من ترشيح الكائنات الدقيقة الموجودة حاليًّا في مئات الأطنان من المياه، تمتَّعت قبل نحو 34 مليون سنة بأسنان حادة، استخدمتها فيما يبدو كأداة لالتهام فرائس أكبر.

والحيتان البالينية، والتي تُعرف أيضًا باسم حيتان العظام والحيتان الضخمة، تُعَد أحد أكبر الكائنات الموجودة في محيطات الأرض الآن، وتلتهم غذاءها على نحوٍ غير مألوف كثيرًا؛ إذ تمتص كميات هائلة من المياه بأفواهها التي يوجد فيها ما يُعرف بالصفائح البالينية، وهي عبارة عن صفائح تعلوها مادة عظمية أشبه بتلك المُكوِّنة للأظافر، وتأخذ شكل شعيرات.

وتُصفي هذه الصفائح -ذات الشعيرات المُهدّبة والتي تُشبه الشبكة أو فرشاة الأسنان أو أسنان المشط- الكائنات البحرية دقيقة الحجم الموجودة في البحر، فيما تخرج المياه بسهولة من بينها.

يُعرف ذلك النظام بـ"البالين"، ومنه اكتسبت تلك الحيتان تسميتها الشائعة. إلا أن الدراسة تقول إن ذلك النظام لم يكن موجودًا في الحيتان قبل نحو 34 مليون سنة.

وكشفت حفرية عثر عليها علماء من المعهد البلجيكي للعلوم الطبيعية أن أفواه الحيتان البالينية (والتي ظهرت أواخر عصر البيلوسين، قبل نحو 39 مليون سنة، ولا تزال الأدلة على تطورها متناثرةً ومثيرةً للجدل) كانت مُجهزةً بأسنان ولثة كانت تستخدمها تلك الحيتان في مضغ الطعام وتناوله عوضًا عن نظام البالين.

وعاش الحوت الذي عُثر على حفريته في القارة القطبية الجنوبية، وبلغ طوله نحو 8 أمتار كاملة، ما يعني أن نظام اللثة والأسنان كانا كافيَين لتزويده بما يكفي من الطعام اللازم للحفاظ على حياته.

تُشير نتائج الدراسة إلى أن اللثة أصبحت تدريجيًّا أكثر تعقيدًا على مر الزمن، وأدى ذلك التعقيد في نهاية المطاف إلى اختفاء الأسنان وظهور البالين.

ولا يعرف العلماء على وجه الدقة لماذا اختفت أسنان ذلك النوع من الحيتان، خصوصًا أن دراسة الأنسجة الرخوة، التى ينتمي إليها البالين، صعبةٌ للغاية؛ إذ تتعفن مع مرور الزمن، ما يجعل من المستحيل دراسة تطورها.

اعتمد الباحثون في دراستهم على المؤشرات والعلامات المحفوظة في العظام، مثل الكتل التي تُشير إلى موضع العضلات، والثقوب التي توجد بالقرب من الأوعية الدموية والأعصاب.

يقول "فيلكس ماركس" -الباحث في المعهد الملكي البلجيكي للعلوم الطبيعية وأحد مُعدِّي الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تكشف عن أحد أكبر التحوُّلات في التاريخ التطوري للثدييات، وتُلقي الضوء على أصول أكبر الحيوانات في العالم. الأمر الذي سيُسهم أكثر في فهم عملية التطور التي عمَّت جميع الكائنات على سطح الأرض".