تشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة إلى أن هناك 815 مليون شخص حول العالم، يعانون من نقص التغذية، بما يعادل واحدًا من كل تسعة أشخاص، وأن الغالبية العظمى منهم يعيشون في بلدان نامية. وتأتي منطقة أفريقيا جنوب الصحراء كأعلى المناطق من حيث معدلات انتشار الجوع، حيث ازدادت أعداد الذين يعانون من نقص التغذية من 195 مليونًا في 2014 إلى 237 مليونًا في 2017.

وتكشف التقديرات أن 66 مليون طفل من أطفال العالم النامي، ممن هم في المرحلة الابتدائية، يذهبون إلى مدارسهم يوميًّا وهم جَوعى، بينهم 23 مليون طفل في أفريقيا وحدها، بينما يصيب فقر التغذية أكثر من 3 ملايين طفل دون سن الخامسة سنويًّا، في حين يعاني 149 مليون طفل دون سن الخامسة من نقص التغذية المزمن.

البيانات السابقة، بكل ما تحمله من معلومات صادمة، يمكن أن تزداد سوءًا حال استمر العالم في الاعتماد على "الزراعة الأحادية"، وفق دراسة نشرتها مجلة "جلوبال تشينج بيولوجي"، بتمويل من "الصندوق الوطني للبحوث في الأرجنتين". وتعني الزراعة الأحادية زراعة محصول واحد وإنتاجه وتنميته في مساحة واسعة من الأرض، أو لسنوات متتالية.

أظهرت نتائج الدراسة أن الزراعة الأحادية انتشرت على حساب الزراعة التقليدية، التي كانت تعتمد على زراعة أكثر من محصول في الأرض على مدار العام، ما أثر سلبًا على تنوُّع المحاصيل، الذي كان له دورٌ بارزٌ في توفير موائل للملقحات مثل النحل، الأمر الذي يهدد التنوع البيولوجي في المحاصيل مستقبلًا. فعلى الرغم من تنوُّع الملقحات، واستجابتها للظروف المحيطة، إلا أنها تواجه تحديات رئيسية، مثل الزراعة المكثفة، والمبيدات الحشرية، وتَغيُّر المناخ.

وتؤثر الملقحات، مثل النحل والطيور والخفافيش، على 35% من إنتاج المحاصيل حول العالم، ويمكنها زيادة إنتاج 87% من المحاصيل الغذائية؛ إذ إن أكثر من 25 إلى 30 ألف نوع من النحل غشائية الأجنحة (رتبة من الحشرات تنتمي إلى صف سداسيات الأرجل تضم أكثر من 100 ألف نوع من الحشرات مثل النحل والنمل) هي ملقحات فعالة، تشكل الغالبية العظمى من أنواع الملقحات، إضافةً إلى الفراشات والذباب والدبابير، والخنافس.

يأتي ذلك في وقت تنخرط فيه الحشرات في أكبر هجرة قارية على الأرض؛ فهي تشكل ثمانية أضعاف هجرة الطيور، إذ يحلِّق نحو 3.5 تريليونات حشرة مهاجرة في أجواء بريطانيا (وحدها) كل عام بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري، ما قد يؤثر على النظم البيئية المختلفة في أجزاء مختلفة من العالم، وفق دراسة سابقة نشرتها دورية ساينس. وتشير هذه الدراسة إلى أن الحشرات تحتوي أجسامها على ما نسبته 10٪ نيتروجين و1٪ فسفور، ما يجعلها سمادًا ممتازًا للنباتات والمحاصيل، بسبب أهمية الدور الذي تؤديه دورات النيتروجين والفوسفور في الطبيعة، بالإضافة إلى دورها المهم في التلقيح، ما يستوجب العمل على توفير موائل لضمان التنوع البيولوجي.

دراسة غير ميدانية

يقول "روبرت باكستون" -عالِم الأحياء في جامعة "هالة-فيتنبرج" الألمانية، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "استغرقت الدراسة ستة أشهر من العمل المكثف، وهي دراسة غير ميدانية؛ إذ لم ينزل الباحثون إلى الميدان لجمع البيانات، بل اعتمدوا على بيانات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" في المدة من 1961 إلى 2016، وشملت جميع البلدان المدرجة في قائمة "الفاو"، متضمنةً الدول العربية وشرق الأوسطية؛ إذ تضمنت 127 من إجمالي 175 دولة وجمهورية تضم حوالي 99.9٪ من جميع الأراضي المزروعة على الأرض في أثناء مدة الدراسة، في حين جرى استبعاد الدول الجزرية والدول التي تغيرت طبيعتها سواء "بالدمج" أو "بالتفكيك"، كما هو الحال بالنسبة للجمهوريات السوفيتية والتشيكية السابقة".

فحص الباحثون بيانات 114 محصولًا، منها محاصيل أحادية تُزرع على مساحات هائلة من الأراضي في دول بعينها، كالدول الناشئة والنامية في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، والتي تُعَد الأكثر تضررًا.

الزراعة المحمية

أوضحت نتائج الدراسة أن الاعتماد على محصول واحد -خاصةً في بلد يعتمد على "الملقحات"- يزيد من الضعف الاقتصادي ويهدد الأمن الغذائي للبلد؛ لأن "الإيرادات الزراعية" تخضع أكثر لقيم السوق المتغيرة من ناحية وتتأثر بالتقلبات المناخية من ناحية أخرى، مشددةً على "ضرورة تنويع الزراعة في جميع أنحاء العالم وزراعة الزهور وتوفير موائل للحشرات؛ لضمان الزراعة المستدامة والإنتاجية".

وتحذر الدراسة من أن التوسُّع في الزراعة الأحادية على حساب التنوع يهدد عدة دول، أبرزها النيجر، وغينيا، وساحل العاج، وجنوب السودان، وبلدان أمريكا الجنوبية، مثل الأرجنتين، وباراجواي، وبوليفيا، وبدرجة أقل البرازيل، وأوروجواي، والبلدان الآسيوية مثل ماليزيا، وإندونيسيا، حيث فاق التوسع الزراعي فيها التنوع الزراعي. يعلق "باكستون" على ذلك بقوله: "إن الدول التي تعتمد على محاصيل أحادية، وخاصة في دول أمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، هي الأكثر تضررًا؛ لعدم وجود تنوع زراعي، على عكس الزراعة التقليدية التي تُعد أقل عرضةً للخطر".

ويضيف "باكستون" أن هناك دولًا حافظت على تنوع زراعي معقول، مثل مصر وتركيا؛ فعلى الرغم من كونهما أكثر اعتمادًا على الملقحات، وكلتاهما تصدر محاصيل كبيرة، لكن حالتهما جيدة إلى حدٍّ ما؛ بسبب حرصهما على التنوع في إنتاج المحاصيل".

ويتفق "فاروق عبد السلام العايدي" -أستاذ الخضر بكلية الزراعة بجامعة كفر الشيخ- مع فكرة أن تلقيح النباتات يجب أن يتناسب مع التنوع في المحاصيل، مضيفًا أن "التلقيح يؤدي إلى زيادة العائد من المحاصيل بمقدار الربع".

ويضيف "العايدي" في تصريحات لـ"للعلم" أن "مصر تنفذ تجربة الزراعة المحمية، ما يتطلب إعادة النظر في دخول النحل الطنان إلى مصر؛ لأنه الأكثر ملاءمةً لهذه الزراعات التي تتم في أماكن مغلقة وتحتاج إلى التلقيح، عكس نحل العسل الذي لا يعمل إلا في وجود الشمس وفي درجة حرارة معينة".

وتعني "الزراعة المحمية" إنتاج الخضار أو نباتات الزينة في منشآت خاصة تسمى الصوبات أو البيوت المحمية؛ لحمايتها من الظروف الجوية غير المناسبة، ولإمكانية إنتاجها في غير مواسمها، بحيث تتوافر للخضراوات الظروف البيئية التي تلائم نموها الخضري والثمري من حيث درجات الحرارة وشدة الإضاءة، ويتم بداخل الصوبة التحكم في جميع العوامل البيئية وتعديلها بما يتلاءم مع النمو النباتي، وذلك للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المحصول.

نقص التلقيح

تشدد الدراسة على أن التوسع الزراعي يجب أن يكون مصحوبًا بالتنويع؛ فمن دون ذلك، سيزداد خطر نقص التلقيح في المستقبل، وتنخفض بالتالي إنتاجية المحاصيل التي تعتمد على الملقحات لتصبح أكثر تقلبًا وتناقصًا عندما تنخفض الأعداد المتوافرة والمتنوعة من النحل البري".

وهو ما يتفق معه "نصر بسيوني"، الباحث بقسم بحوث النحل في معهد وقاية النباتات بمركز البحوث الزراعية، ومؤسس رابطة النحالين المصريين، مضيفًا أن "النحل بشكل عام -ومنه نحل العسل- معرض للخطر نتيجة مسبِّبات الأمراض والمبيدات، كما أن أعداد النحل البري تتراجع في جميع أنحاء العالم. وهو مؤشر خطر، خاصةً إذا علمنا أن النحل مسؤول عن تلقيح أنواع مختلفة من المحاصيل، مثل زراعات الموز وأغلب أنواع الفاكهة".

يقول "بسيوني"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن النحل تعرَّض هذا العام لمشكلات عديدة؛ ففي أمريكا واجه المزارعون في موسم تزهير "اللوز" مشكلة كبيرة؛ إذ لم يجدوا النحل بالعدد المطلوب لهذه الزراعات، وهو الوضع ذاته الذي تكرر في إيطاليا والجزائر، حيث واجهوا خسائر كبيرة".

وتشير الأرقام إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت 28.1% من مستعمرات النحل في شتاء 2015-2016، أما أوروبا ففقدت 11.9% من مستعمرات النحل في فصل الشتاء خلال الفترة ذاتها، وأما كندا ففقدت 16.8% من مستعمرات النحل خلال الفترة نفسها. ويرى "بسيوني" أنه إذا تعرَّض النحل لمشكلات تهدد وجوده، فإن ذلك يكون مؤشرَ خطر؛ لأنه سيؤثر على محاصيل الغذاء وسيعرض 75% من المحاصيل للانخفاض؛ إذ إن النحل هو الحشرة الوحيدة المخصصة للتلقيح، على حد قوله.

مقترحات وحلول

اقترحت الدراسة تنويع المحاصيل الزراعية، مشددةً على أن "ذلك سيكون له تأثير في توفير مزيد من الموائل للحشرات مع ضرورة تقليل استخدام المبيدات، وتقديم المشورة للحكومات للعمل على تعزيز أنظمة زراعة متنوعة، وليس زراعات أحادية تعتمد على محصول واحد".

يوضح "بسيوني" أن التنوع يفيد التلقيح والحشرات والمحاصيل، مضيفًا: "في مصر، على سبيل المثال، كانت الدورة الزراعية مقسمة إلى ثلاثة أقسام، وعندما اختلفت تأثرت الإنتاجية بسبب التلقيح، وبعد تشديد الرقابة على زراعة الأرز خلال العامين الماضيين، عاد النحل إلى الازدهار والتكاثر، بعد أن كان قد تأثر بسبب زراعة المزارعين للأرز بديلًا لمحاصيل أخرى".

بدوره، يرى "باكستون" أن هناك دورًا يجب أن تقوم به "الدول الغنية" في مساعدة البلدان "الأكثر فقرًا" على زراعة محاصيل متنوعة، تساعد على زيادة نمو الأغذية وتوفير لقاح أفضل للمحاصيل، مع دفع سعر أكثر عدلًا لمحاصيل البذور الزيتية.

ويضيف: يمكن للدول الغنية أن تداوم على شراء محاصيل "منتجة بشكل مستدام"، وبذلك تحافظ على تنوع بيولوجي مرتفع في بلد المصدر، وهذه قضية يحتاج السياسيون في الدول الغنية إلى معالجتها. ففي الوقت الحالي نجد أن السوق العالمي يفيد الدول الغنية على حساب البلدان الأكثر فقرًا التي يتدهور تنوُّعها البيولوجي بسبب تحويل غاباتها الطبيعية إلى حقول لإنتاج محاصيل أحادية وبيعها بثمن بخس، فضلًا عن معاناة تلك البلدان من فقدان الموائل بسبب الزراعة المكثفة، التي يُعَد الاستخدام الكبير للمبيدات الحشرية أحد مكوناتها.

ويضيف "باكستون" أن التلقيح يُعَد أيضًا من العوامل التي تساعد على إنتاج الأغذية وتأمين سبل العيش للإنسان، ويربط بصورة مباشرة النظم الإيكولوجية البرّية بنظم الإنتاج الزراعي.

ويُنتج القسم الأكبر من النباتات المزهرة البذور فقط في حال أدت عملية التلقيح بواسطة الحيوانات إلى نقل غبار اللقاح من منابر زهرتها إلى مياسمها، ولولاه لانهارت العديد من الأنواع والعمليات المترابطة التي تعمل ضمن نظام إيكولوجي معيَّن، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).

وتُرجع "الفاو" الانخفاض المقلق في عدد الملقحات إلى "الممارسات الزراعية المكثفة، والتغيرات في استخدام الأراضي، واستخدام المبيدات الحشرية، والظواهر المناخية الأكثر تطرفًا".

وفي الختام، تشدد المنظمة على أهمية توفير الموائل والتلقيح، موضحةً أن "ثلاثة من أصل أربعة محاصيل في جميع أنحاء العالم من إنتاج الفواكه أو البذور الخاصة بالاستخدام البشري تعتمد على الملقحات التي يؤدي تحسين كثافتها وتنوُّعها إلى تحسين إنتاج المحاصيل؛ إذ تؤثر الملقحات على 35% من الأراضي الزراعية العالمية، مما يدعم إنتاج 87 من المحاصيل الغذائية الرائدة في جميع أنحاء العالم".