بدأ فريق دولي مكون من 92 عالمًا وناشطًا بيئيًّا في حفظ الطبيعة، توحيد جهودهم لوضع أول أطلس من نوعه على مستوى العالم، يحدد مسارات هجرة قطعان الثدييات ذوات الحوافر، بالتعاون مع اتفاقية المحافظة على الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية (CMS).

وتُعد اتفاقية المحافظة على الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية، المعروفة أيضًا باسم اتفاقية بون، الاتفاقية العالمية الوحيدة المختصة بحماية هذا النوع من الكائنات وموائلها ومسارات هجرتها، وتم إقرارها برعاية برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 1979، ودخلت حيز التنفيذ في 1983، وتشمل عضويتها 122 دولة من جميع أنحاء العالم.

ويعوِّل الفريق على أن وضع خرائط تفصيلية للرحلات الموسمية لقطعان الثدييات، في مختلِف أنحاء العالم، سوف يساعد كلًّا من الحكومات والسكان الأصليين والمجتمعات المحلية، وكذلك المخططين ومديري الحياة البرية، على تحديد التهديدات الحالية والمستقبلية لهذه الرحلات، واتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ عليها، في مواجهة التوسعات البشرية.

جاء إطلاق المبادرة العالمية بشأن هجرة الثدييات ذوات الحوافر (GIUM)، عبر تقرير بعنوان "رسم خريطة لمستقبل رحلات هجرة الحافريات"، نشرته مجلة "ساينس" (Science).

يؤكد ماثيو كوفمان -عالِم الأحياء البرية في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، والمؤلف الرئيسي للتقرير- أن "هناك حاجة ماسة إلى وضع أطلس عالمي لمسارات الهجرة؛ لأنه لا تتوافر سجلات لهذه الحركات الموسمية الهائلة على مستوى العالم".

يقول "كوفمان": نظرًا إلى أن كثيرًا من المسارات الطبيعية للهجرة أصبحت أكثر صعوبةً عند اجتيازها، فإن الخرائط يمكن أن تساعد دعاة حماية البيئة في توصيف التهديدات، وتحديد أصحاب المصلحة، من أجل العمل معًا لإيجاد الحلول المناسبة.

وتلجأ قطعان الحافريات (ذوات الحوافر) إلى الهجرة عبر مناطق شاسعة سنويًّا، وفي مواسم محددة، بحثًا عن الغذاء، أو للهرب من الظروف المناخية القاسية، أو بغرض التكاثر، وتتنوع طبيعة الرحلة ومساراتها باختلاف الأنواع المهاجرة، والتي من بينها الغزلان المنغولية وظبي السايغا في آسيا، والحيوانات البرية في سيرينجيتي شرق أفريقيا، واللاما في أمريكا الجنوبية، والوعل في القطب الشمالي، والرنة البرية، والغزلان والأيائل بأمريكا الشمالية، والغزال الأحمر في أوروبا.

وتمثل الحافريات المهاجرة جزءًا أساسيًّا من النظم البيئية الطبيعية؛ إذ تُعد مصدر الغذاء الرئيسي للعديد من الأنواع الأخرى من آكلات اللحوم، كما تُسهم رحلات هجرتها في دعم الاقتصادات المحلية والإقليمية، عن طريق الحصاد والسياحة، فضلًا عن قيمتها الثقافية لدى العديد من المجتمعات المحلية.

إلا أنه رغم هذه الأهمية الكبيرة، فإن الكثير من رحلات هجرة ذوات الحوافر سجلت تراجعات حادة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة العديد من الأنشطة البشرية، التي أدت إلى اضطراب مسارات الهجرة، مثل إنشاءات الطرق، ومشروعات التنمية الأخرى.

فعلى سبيل المثال، أصبحت مسارات هجرة الغزلان المنغولية، التي قد تمتد لمئات الكيلومترات، محاصرةً بالأسوار والحواجز الحدودية وخطوط السكك الحديدية الجديدة، وعلى مدار العقود القليلة الماضية، شهد الباحثون بداية الانهيار الوشيك لمسارات هجرة الحيوانات البرية والحمار الوحشي وغزال طومسون في مقاطعة كاجيادو بكينيا، نتيجة الطرق والأسوار العشوائية، وأعمال البنية التحتية الأخرى.

وفي بعض الحالات، فقدت مسارات الهجرة مقوِّماتها قبل أن تحظى بفرصة لتوثيقها، الأمر الذي يعكس حجم التحديات التي تواجه خطط حفظ الأنواع الحيوانية المهاجرة.

وفي إطار مبادرة الثدييات في آسيا الوسطى (CAMI)، التي تندرج ضمن اتفاقية المحافظة على الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية، تم وضع مجموعة من المبادئ التوجيهية لإزالة الحواجز التي تعترض مسارات الهجرة على طول خط السكك الحديدية عبر منغوليا، أو جعل البنية التحتية الحالية أكثر ملاءمةً للأنواع البرية، مثل الحمار البري والغزلان المنغولية.

يقول "كوفمان" في تصريحات لـ"للعلم": الأطلس الجديد سوف يوفر وسيلة مساعدة لصانعي القرار في تخطيط مشروعات بنية تحتية إضافية وتنفيذها، للتخفيف من آثار الحواجز، أو إزالتها نهائيًّا؛ إذ سيتضمن خرائط تفصيلية لمسارات رحلات الهجرة للثدييات ذوات الحوافر.

ويوضح أن الخرائط ستكون مفصلةً بما يكفي لتوجيه العديد من القرارات المتعلقة بالتخطيط والتطوير، مثل أماكن تقاطعات الطرق، ومناطق الممرات العلوية والسفلية، كما تحدد الحواجز التي يجب إزالتها أو تعديلها، بما يسمح بحرية حركة القطعان المهاجرة.

وكذلك يمكن للخرائط التفصيلية -وفق المؤلف الرئيسي للتقرير- أن تساعد في وضع خطط تطوير أكثر ملاءمةً فيما يتعلق بقطاعات التنقيب والطاقة والطرق، لتقليل القيود التي تؤثر في مسارات هجرة الحيوانات البرية إلى الحد الأدنى.

بدورها، تشدد آمي فراينكل -الأمين التنفيذي لاتفاقية المحافظة على الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية- على أن "الأطلس العالمي مبادرة مهمة للغاية، من شأنها المساعدة في الحفاظ على هذه الحيوانات الفريدة"، وأضافت: "يسعدنا أن ندعم هذا العمل، وأن تكون لدينا أداة جديدة قوية يمكن مشاركتها مع شركائنا، لتعزيز جهودهم في حماية القطعان المهاجرة بمختلِف أنحاء العالم".

وعن أهمية الأطلس الجديد في دعم جهود حماية هذه الأنواع، توضح فراينكل -في تصريحاتها لـ"للعلم"- أنه يتضمن بيانات مجمعة عن أنماط الهجرة الحالية والتاريخية للثدييات ذوات الحوافر ومساراتها على مستوى العالم، وهذه البيانات مهمة من أجل اتخاذ قرارات عملية تستند إلى أسس علمية.

وتشير إلى أنه في ظل توافر هذه البيانات، يمكن للحكومات والجهات المانحة أن تتخذ القرارات المناسبة، بشأن تخطيط التنمية والتمويل، في المناطق الطبيعية، بحيث لا تتعارض مع مسارات هجرة الحيوانات البرية، التي تؤثر -بطبيعة الحال- على النظم البيئية الأوسع نطاقًا.