يمكن أن يؤدي السحب الجائر للمياه من الخزانات الجوفية إلى مخاطر كبيرة لا تتعلق باستنزاف المخزون المائي الجوفي فحسب، بل تتسبب في حدوث هبوطات أرضية أيضًا، خاصةً في المناطق القريبة من السواحل أو المناطق السهلية التي تتصف باستواء سطحها. 

في دراسة جديدة، أعد فريق بحثي دولي نموذجًا للتنبؤ بالتهديد المحتمل الذى يتوقع أن تتسبب فيه ظاهرة الهبوط الأرضي في أجزاء مختلفة من العالم، وكشفت التنبؤات أن أكثر من 635 مليون شخص حول العالم سيكونون عرضةً لمخاطر الهبوط الأرضي "الانخساف" في عدد من الدول، تتضمن مصر والعراق والمغرب وإسرائيل (فلسطين المحتلة). 

وأظهرت نتائج الدراسة المنشورة في دورية "ساينس" يناير الحالي، أنه بحلول عام 2040 سيتأثر 19٪ من سكان العالم -وما يمثل 21٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي- بمخاطر الهبوط الأرضي، الذي يحدث لأسباب طبيعية وبسبب الأنشطة البشرية مثل سحب المياه الجوفية.

بينت الدراسة أن مناطق في حوالي 22% من المدن الكبرى حول العالم مهددة بالهبوط الأرضي، وما يصاحبه من مخاطر الغرق وفقدان الأراضي الزراعية والمنشآت الحيوية.

كيف يحدث الهبوط

خلال القرن الماضي، حدثت هبوطات أرضية بسبب نضوب المياه الجوفية في 200 موقع في 34 دولة حول العالم، ومن المحتمل أن تؤدي مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية -تتضمن النمو السكاني والأنشطة الاقتصادية- إلى زيادة في معدل هبوط الأراضي وما يرتبط به من أضرار أو آثار خلال العقود القادمة.

ويُعرف الهبوط الأرضي أو "الانخساف" بأنه انخفاض تدريجي أو سقوط مفاجئ لسطح الأرض بسبب إزالة أو إزاحة مواد الأرض الجوفية، وقد يحدث الهبوط بسبب عدد من العوامل، مثل سحب المياه الجوفية أو النفط أو الغاز الطبيعي أو الموارد المعدنية من الأرض عن طريق الضخ أو التكسير أو التعدين، ويمكن أن يحدث أيضًا بسبب الأحداث الطبيعية مثل الزلازل، وانضغاط التربة، والجليد، وعملية التعرية، وتكوين المجاري المائية.

وفيما يتعلق بالهبوط الأرضي الناجم عن استنزاف المياه الجوفية، تتطور عمليات الهبوط على فترات زمنية تمتد من أشهر إلى سنوات، مما يؤدي إلى فقدان تدريجي لمستوى ارتفاع سطح الأرض (سنتيمترات إلى ديسيمترات في السنة) يحدث عادةً على مساحات كبيرة جدًّا، تصل إلى عشرات أو إلى آلاف الكيلومترات المربعة. 

يوضح الجيولوجي أبو طالب زكي -الباحث بجامعة ميشيجان الغربية في الولايات المتحدة، والباحث غير المشارك في الدراسة- أن المياه الجوفية توجد عادةً داخل الفراغات المسامية للصخور والشروخ الأرضية، وتمثل أهميةً كبيرةً في حفظ توازن سطح الأرض عن طريق قوة الطفو التي تعمل إلى أعلى، والتي تكافئ عادةً قوة الجاذبية التي تعمل إلى أسفل، وبالتالي يحدث التوازن المطلوب لسطح الأرض.

"عند السحب الجائر وغير المنظم للمياه الجوفية بشكل يفوق معدلات التغذية الطبيعية للخزان، يحدث هبوط في منسوب المياه الجوفية، وبالتالي فإن الفراغات المملوءة بالمياه الجوفية تستبدل بها الهواء من دون قوة طفو مكافئة لقوة الجاذبية، ويترتب على ذلك زيادة قوة الجاذبية على قوة الطفو للخزان، فتنضغط المسامات الفراغية بين الصخور، ما ينتج عنه حدوث هبوط أرضي"، كما يشرح "زكي" في تصريح لـ"للعلم".

من جانبه، يقول جيراردو هيريرا جارسيا، الباحث في علوم الأرض في هيئة المسح الجيولوجي الإسبانية، والباحث الرئيسي في الدراسة: إن هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها معالجة مخاطر الهبوط الناجم عن استنفاد المياه الجوفية على مستوى العالم، "من خلال تحليل العوامل الرئيسية التي تسبب هبوط الأرض في 200 منطقة في العالم، تمكنَّا من استنباط نموذج عالمي يحاكي عمليات الهبوط الأرضي بدقة مكانية تبلغ كيلومترًا مربعًا واحدًا".

ويضيف الباحث في تصريح لـ"للعلم": "يتنبأ نموذجنا العالمي بمناطق الهبوط المحتملة، إذ يمكن أن يحدث هبوط بسبب نضوب المياه الجوفية، هذا لا يعني أن الهبوط سيحدث بالتأكيد، بل هو مجرد تحذير يدفع إلى إجراء دراسات إضافية على المستوى المحلي".

يشمل النموذج المقترح الجمع بين المتغيرات الرئيسية التي تؤثر على الهبوط، مثل خصائص التربة، ودرجة انحدار سطح الأرض، والغطاء الأرضي، وعوامل المناخ، كما تم تقدير احتمالية نضوب المياه الجوفية من خلال تحديد المناطق الحضرية والزراعية التي تعاني من الإجهاد المائي، حيث يكون الطلب على المياه الجوفية مرتفعًا. 

وبرغم أن قدرة النموذج المقترح على التنبؤ بمناطق الهبوط وعدم الهبوط تتخطى 94٪ وفق نتائج الدراسة، إلا أن هذه التحليلات لا تأخذ في الاعتبار حجم الهبوط ومعدله، بسبب نقص هذه المعلومات على النطاق العالمي. 

المناطق المهددة 

تشير نتائج الدراسة إلى أن الهبوط المحتمل يهدد 12 مليون كيلومتر مربع (8٪) من سطح الأرض مع احتمالية حدوث تزيد على 50٪، ويبلغ إجمالي مساحة أكبر هبوط محتمل 2.2 مليون كيلومتر مربع، يعيش فيها نحو 1.2 مليار نسمة، أي 19٪ من إجمالي سكان العالم. 

تقع أكثر المناطق المهددة بهبوط الأراضي في المناطق المسطحة للغاية في أحواض الأنهار أو السهول الساحلية، والمناطق الحضرية أو المناطق الزراعية المكتظة بالسكان، ومناطق المناخات المعتدلة أو القاحلة ذات فترات الجفاف الطويلة، بالإضافة إلى الأحواض التى تعاني من الإجهاد المائي، حيث يكون معدل استخراج المياه الجوفية أكبر من التغذية الطبيعية لخزانات المياه الجوفية. 

وكانت دراسة نُشرت في دورية "نيتشر" في أكتوبر 2019، قد حذرت من زيادة معدلات السحب الجائر للمياه الجوفية، التي تهدد إمدادات المياه لملايين من السكان، وكذلك سلامة النظم البيئية. 

وتشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن 97٪ من سكان العالم المهددين بمخاطر الهبوط الأرضي، يتركزون في 30 دولة، وصنفت الدراسة أكثر الدول المتأثرة بالهبوط الأرضي من حيث المدى المكاني المعرض للهبوط، فكان في مقدمة الدول المتأثرة كلٌّ من الصين والهند، كما تصدَّر البَلَدان أيضًا تصنيف أكثر الدول تأثرًا من حيث عدد السكان المهددين.

أما التصنيف الثالث الذي رصدته الدراسة، فكان من حيث تأثر أكبر عدد من السكان يعيشون في مناطق هبوط محتملة تحت مستوى سطح البحر، إذ تصدرت مصر وهولندا هذا التصنيف.

ومن المتوقع أن يتسبب تغيُّر المناخ خلال القرن الحالي في آثار خطيرة على موارد المياه في العالم من خلال ارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة تواتر الفيضانات وشدة الجفاف، إذ ستؤدي فترات الجفاف المطولة إلى تقليل تغذية المياه الجوفية وزيادة نضوبها، مما يؤدي إلى تكثيف احتمالات الهبوط في أجزاء كثيرة من أنحاء العالم. 

وبالإضافة إلى إندونيسيا وبنجلاديش وهولندا وإيطاليا، تصدرت مصر أيضًا قائمة أكثر الدول تعرُّضًا للتهديد من حيث أكبر كثافة سكانية في مناطق الهبوط المحتملة، باحتمالات هبوط تفوق 30٪.

 وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى من حيث أكبر ناتج محلي إجمالي مهدد بسبب الهبوطات المحتملة، بسبب ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كما ستتأثر ستة بلدان أخرى بشدة من حيث الخسائر الاقتصادية بالإضافة إلى الولايات المتحدة، هي: هولندا، والصين، واليابان، وإندونيسيا، والمكسيك، وإيطاليا.

ورغم عدم تصدُّر أيٍّ منها لقوائم الدول المهددة، إلا أن الدراسة ذكرت أن دولًا أخرى في منطقة الشرق الأوسط ستتعرض لمستويات متفاوتة من التهديد، مثل إيران بسبب تعداد السكان الكبير، والجزائر والعراق وإسرائيل والمغرب وتونس وليبيا بسبب قربها من ساحل البحر أو زيادة الاعتماد على سحب المياه الجوفية.

لكن من بين الدول المهددة، فإن الدراسة تتوقع لليابان وألمانيا أن ينخفض ​​الهبوط المحتمل فيهما، بسبب السياسات الفعالة لإدارة المياه الجوفية وانخفاض عدد السكان. 

التهديد المحتمل لدلتا النيل

تُعد مصر من البلدان الأكثر تعرضًا لمخاطر الهبوط الأرضي، وهو ما أكده المؤلف الرئيسي للدراسة الذي يوضح أن أكثر المناطق المهددة في مصر هي دلتا نهر النيل، حيث يمكن أن يصل عدد السكان المعرضين لهبوط محتمل في مناطق عيشهم إلى قرابة 35,5 مليون نسمة، ويقع معظم السكان المهددين في مصر في المناطق المعرضة للفيضانات، سواء في المناطق المعرضة لفيضانات الأنهار، أو في المناطق المعرضة للفيضانات الساحلية بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، "تشير هذه الأرقام إلى أن قرابة 35 مليون من سكان مصر يعيشون في مناطق محتملة الهبوط، ويعيش معظمهم في مناطق يمكن أن يزيد الهبوط فيها من مخاطر الفيضانات".. يقول "جارسيا".

ويشدد عبد الحميد كليو -أستاذ الجغرافيا الطبيعية المساعد بجامعة المنصورة- إلى أن أهم التهديدات التي تتسبب في هبوط الدلتا هو سلوك الإنسان؛ إذ يتبنى "كليو" فرضية أن الإنسان يقوم بدور العوامل الطبيعية في التأثير في الأرض، "الهبوط الأرضي هو بالأساس نتاج التدخلات البشرية من سحب للماء الجوفي، وتجريف التربة، وإزالة الجسور، وإنشاء السدود التي أوقفت إمداد الدلتا بالرواسب اللازم لنموها"، وفق تصريح "كليو" لـ"للعلم". 

ووفقًا لـ"زكي"، فإنَّ تعرُّض الدلتا المصرية لغزو المياه المالحة من البحر المتوسط وسحب المياه الجوفية، يزيد من احتمالات غرق أجزاء كبيرة منها، "تتعرض الدلتا لتدخلات بشرية تسرع من الهبوط الأرضي، مثل التوسع الحضري العشوائي، فضلًا عن النشاطات التكتونية وتربتها السطحية سريعة الانضغاط". 

تؤيد نتائج دراسة نُشرت في أبريل الماضي، في مجلة "ساينس أوف ذا توتال إنفيرونمنت" -شارك فيها "زكي"- ما ذهبت إليه الدراسة الحالية بشأن تأثير السحب الجائر للمياه الجوفية، بالإضافة إلى زيادة معدلات التحضر والعوامل الطبيعية على هبوط الدلتا المصرية، لكن دراسة "زكي" حددت معدلات التحضر باعتبارها سببًا رئيسيًّا لهبوط الدلتا، ذا تأثير أكبر من سحب المياه الجوفية. 

مواجهة مخاطر الهبوط الأرضي 

يشدد معدُّو الدراسة على أن النتائج تمثل خطوةً أولى ورئيسية نحو صياغة سياسات فعالة للتعامل مع الهبوط الأرضي، يفتقر إليها معظم البلدان في جميع أنحاء العالم. 

ويمكن لعلماء الجيولوجيا من مصر ودول الشرق الأوسط المهددة إجراء دراسات على نطاق محلي في مناطق الهبوط المحتملة، يمكن أن يساعد التوصيف الجيد لطبقات المياه الجوفية واستغلال المياه الجوفية في كل منطقة في اتخاذ تدابير مناسبة للوقاية والتخفيف؛ لتجنُّب المزيد من تأثيرات الهبوط. 

"ببساطة عن طريق استخدام الخرائط الإقليمية أو الوطنية للجيولوجيا أو استخدام الأراضي أو المياه الجوفية، يمكن تحسين النتائج إلى حدٍّ كبير بناءً على ما ورد في نموذجنا، ويمكن للعلماء من جميع أنحاء العالم الذين لديهم بيانات جيولوجية وهيدرولوجية أفضل، استخدام نموذجنا بالتأكيد لتحسين نتائجهم كثيرًا"، كما يقول "جارسيا"، وينصح الباحث الدول المعنية بتنظيم سحب المياه الجوفية، وتطوير مصادر مياه بديلة، والتغذية الطبيعية أو الاصطناعية لطبقات المياه الجوفية. 

أما "زكي" فيرى أنه على الدول المهددة ربط معدلات سحب المياه الجوفية بمعدلات الوارد إلى الخزانات الجوفية، وتقنين عمليات الري نفسها وإحلال الري بالتقطير محل طرق الري القديمة، واختيار أنواع محاصيل قليلة الاستهلاك للمياه في المناطق المهددة بالهبوط الأرضي، وإعداد قاعدة بيانات بالآبار ومعدلات السحب الجوفي.