كشف فريق دولي من علماء الأحياء، ضم باحثين من قسم العلوم البيولوجية في جامعة ماريلاند، أن الحيوانات لديها قدرة على الاستجابة للتغيرات المناخية بطرق غير متوقعة، استنادًا إلى أرشيف جديد من البيانات واسعة النطاق حول دراسات حركة الحيوانات.

ويحتوي الأرشيف -الذي اعتمد عليه الباحثون في دراستهم لطرق استجابة الحيوانات للظروف المناخية- على بيانات من دراسات تم إجراؤها عبر منطقة القطب الشمالي والمنطقة شبه القطبية، وهي منطقة شاسعة تشهد أكثر التأثيرات الدراماتيكية للاحتباس الحراري، بما في ذلك تراجُع أعداد الكائنات الحيوانية.

وباستخدام ذلك الأرشيف، بعد تطوير بياناته، أجرى الباحثون ثلاث دراسات حالة، كشفت عن ارتباطات مثيرة للدهشة بين تغيُّر المناخ وسلوك حيوانات النسور الذهبية، والدببة، والوعل، وأيائل الموظ، والذئاب، وأظهرت هذه الدراسات أهمية دراسة البيئة الحيوانية على نطاقات أكثر اتساعًا.

ونُشرت ورقة بحثية تتناول وصفًا للبيانات الواردة في الأرشيف، ودراسات الحالة التي أجراها فريق الدراسة، في دورية "ساينس" (Science) لعدد 6 نوفمبر 2020.

وعن نتائج الدراسة، يقول إيلي جوراري -عالِم الأبحاث المشارك في قسم الأحياء بجامعة ماريلاند، والمؤلف المشارك للبحث- في تصريحات لـ"للعلم": إنني متحمس حقًّا بشأن ما يُظهره هذا العمل لما يمكن أن تتعلمه من خلال مقارنة البيانات عبر تجمعات حيوانية على نطاق واسع جدًّا.

يضيف "جوراري": ما أود أن أقوله إن هذا مثالٌ مبكر لما يمكن أن نطلق عليه البيئة العالمية لحركة الحيوانات، ونحن نعمل على زيادة قدرتنا على مراقبة حركة مجموعات الحيوانات عبر أرجاء الأرض كافة؛ لتكوين صورة أكبر لما يمكن أن يعنيه ذلك.

وكشفت عمليات مراقبة واسعة النطاق لبعض المتغيرات، مثل درجة حرارة سطح البحر، وغطاء الغابات على مستوى العالم، عن معلومات مهمة بشأن كيفية استجابة مختلِف النظم الأرضية لتغيُّر المناخ والأنشطة البشرية، إلا أنه كان من الصعب دراسة تصوُّر أكبر لسلوك الحيوانات.

ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، مثل عدم دراسة علم البيئة الحيوانية بوصفه أحد العلوم التقليدية عبر النظم الطبيعية في مناطق العالم المختلفة، وكذلك بسبب أن البيانات الضرورية يتم جمعها من قِبَل وكالات وهيئات متنوعة، وبالتالي فإنها عادةً لا تكون موحدة، ولا يمكن الوصول إليها بسهولة.

وأوضح "جوراري" أن "الكثير من البيانات الخاصة بتحركات الحيوانات، يتم جمعها من تجمعات حيوانية يجري التقاطها وتتبُّعها عبر الأقمار الصناعية، إلا أن هذه الطريقة يجري استخدامها على المستويات المحلية أو ربما على مستوى إقليمي"، مضيفًا: "الدراسة تمثل اتجاهًا حديثًا، قد يكون مفيدًا للدراسات البيئية المستقبلية، بالنسبة للمجموعات المختلفة (الحكومات، ومعاهد البحث، والجامعات، والمجتمعات المحلية)؛ لتجميع البيانات الخاصة بها بطريقة يمكننا من خلالها البدء في الإجابة عن الأسئلة واسعة النطاق، ليس فقط عبر تجمُّعات لنوع واحد من الكائنات، بل عبر أنواع وأنظمة بيئية متعددة، باستخدام مجموعة موحدة من أدوات التحليل.

وأمضى "جوراري" ومعاونوه عدة سنوات في بناء علاقات مع غيرهم من العلماء على المستوى الوطني والإقليمي، ومجموعات بحثية أخرى في أنحاء القطب الشمالي، لتبادل فوائد مشاركة البيانات عبر "مستودع عالمي"، أطلقوا عليه "أرشيف حركة حيوانات القطب الشمالي".

ويتضمن الأرشيف حاليًّا إسهامات لباحثين من أكثر من 100 جامعة ووكالة حكومية ومجموعات حماية من 17 دولة، ويشمل بيانات من 201 دراسة تتبُّع لحركات الحيوانات البرية والبحرية تمثل أكثر من 8 آلاف حيوان، بدايةً من عام 1991 وحتى الوقت الراهن.

وباستخدام هذه البيانات، عمل "جوراري" وأعضاء المختبر الخاص به على تحليل حركات أكثر من 900 حيوان من أنثى الوعل، خلال الفترة من عام 2000 حتى 2017، ووجدوا أن إناث الوعل التي تهاجر لمسافات طويلة، تضع مولودها في وقت مبكر من الربيع، قبل حلول الصيف الحار.

وفي المقابل، وجد الفريق أن عددًا محدودًا من إناث الوعل غير المهاجرة، في المجموعات الفرعية الشمالية، والتي تعيش بين الجبال أو في الغابات المنخفضة، تُظهر تغيرات مماثلة لإناث الوعل المهاجرة.

وبينما تمثِّل دوافع هذه الاختلافات لغزًا أمام العلماء حتى الآن، فإن فهم سلوك هذه الحيوانات يُعد أمرًا بالغ الأهمية لتوقُّع كيفية استجابتها للارتفاع المستمر في درجة حرارة القطب الشمالي، وكذلك استمرار تناقص أعدادها بمعدلات غير مسبوقة.