حينما نسمع مصطلحات من نوع الأمراض الوراثية أو التشوهات الخلقية يتبادر إلى أذهاننا زواج الأقارب؛ إذ تتضاعف معه احتمالات حدوث عيوب خلقية حتى وإن لم يكن هناك تاريخ لأمراض وراثية في العائلة، كما تزيد احتمالات إصابة الأطفال بأمراض اختلال عدد الكروموسومات كلما تأخر سن الإنجاب.

لكن هناك أنواعًا أخرى من الأمراض الوراثية، تنجم عن حدوث طفرة في الجينات، أحدها نجح في اكتشافه فريق بحث دولي شارك فيه علماء من المملكة العربية السعودية، وهو نوع جديد من الاضطرابات الخلقية التي تنجم عن مجموعة من الطفرات في جين كان مرتبطًا في السابق بمرض تنكسي عصبي نادر في الدماغ.

ويطلق على الاضطراب الجديد اختصارًا "CHEDDA"، ومن أبرز أعراضه ضعف التوتر العضلي، والصرع، والتأخر في النمو، كما ينجم عنه إعاقة ذهنية، وانخفاض قوة العضلات وتشوهات الوجه، وانتفاخ نهايات الأصابع، بالإضافة إلى تداخل أصابع القدم.

وكشف الفريق البحثي في دراسته المنشورة في دورية جورنال أميركان أوف هيومن جينتكس  (The American Journal of Human Genetics) أن هذا الاضطراب ينتج عن عيوب في جين "ATN1"، الذي يسبب أيضًا اضطرابًا آخر معروفًا باسم "DRPLA" وهو مرض دماغي يصيب الأطفال والبالغين، ويسبب حركات لاإرادية ومشكلات عقلية وعاطفية وتراجعًا في القدرة على التفكير.

هذا الاكتشاف جاء بتعاون بين اثنين من علماء الوراثة الإكلينيكية، هما: فوزان الكريع Fowzan Alkuraya  من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في المملكة العربية السعودية، وإيما بالمر من مستشفى سيدني للأطفال في أستراليا، إذ كان كل منهما يتابع مريضًا شابًّا يعاني من حالة غامضة يشتبه في أنها نشأت بسبب طفرة في جين "ATN1".

وفي تصريحات لـ"للعلم"، قال "الكريع": إنه لم يكن من الممكن تشخيص إصابة الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب في جميع أنحاء العالم قبل هذه الدراسة؛ إذ كان يتم تجاهل المتغيرات التي تحدث في جين "ATN1"، على اعتبار أن هذا الجين غير ذي صلة بالمرض.

وأضاف أن هذه الدراسة مثال حي على كيفية أن جينًا واحدًا يمكن أن يؤدي إلى أكثر من مرض في آن واحد، عندما يتحور اعتمادًا على آلية الطفرة؛ إذ كان جين "ATN1" منذ فترة طويلة يُعرف باسم الجين المسؤول عن اضطراب "DRPLA"، لكن دراستنا تكشف أيضًا أنه مسؤول عن أحد الاضطرابات الخلقية التي تسبب تأخرًا في التطور، وقد أطلقنا عليها اختصارًا "CHEDDA" نسبة إلى أبرز أعراضه السريرية الرئيسية.

تحليل الطفرات الجينية

ولفهم أصل الاضطراب الجديد، تواصل العالِمان مع ستيفان أرولد، أستاذ العلوم البيولوجية وفريقه بمركز العلوم البيولوجية الحاسوبية بجامعة الملك عبد الله للعلوم التقنية بالمملكة العربية السعودية، لتحليل الطفرات الجينية للمريضين على المستوى الجزيئي.

وبالتزامن مع ذلك، بدأ أطباء في جميع أنحاء العالم بالتواصل مع "الكريع" و"بالمر"، ليصل عدد الأطفال المشاركين في الدراسة إلى ثمانية، يعانون جميعهم من اضطراب "CHEDDA"، وكانت أعمارهم بين شهرين إلى 9 سنوات، وكان أكبرهم الطفل السعودي الذي يعالجه "الكريع".

وكان المشاركون الثمانية يعانون من ضعف إدراكي حاد ونقص في الوزن، وتشوهات خلقية متغيرة، لكنهم في الوقت ذاته يفتقرون إلى الأعراض التنكسية العصبية التي يعاني منها مرضى اضطراب "DRPLA".

وعلى الرغم من أن الأطفال المتأثرين باضطراب "CHEDDA" لم يكن لديهم العيب الوراثي نفسه بالتحديد، فقد اكتشف "أرولد" وفريقه أن جميع الطفرات عطلت امتداد البروتين المشفر نفسه بواسطة الجين "ATAT1"، واحتوت على تكرار "HX" وهي مجموعة من النيوكليوتايد -الوحدة الأساسية لبناء الحمض النووي DNA- الذي يشكل الجين "ATN1".

ووفق الفريق، فإن الدراسة تثبت أن اضطراب "CHEDDA" ينتج عن اضطراب السلامة الهيكلية والوظيفية لتكرار "HX-16" الذي يحتوي على 16 حمضًا أمينيًّا يشكل الجين "ATN1".

بينما قالت إيما بالمر: "إن وضع اسم لمرض غامض والكشف عن الأسس الوراثية الخاصة به، يوفر على عائلات المرضى تكبُّد عناء البحث عن تشخيص دقيق لحالة أبنائهم المرضية، ويساعد في الوصول إلى الرعاية الطبية التي تشتد الحاجة إليها، بالإضافة إلى الاستشارات الوراثية الصحيحة والدعم المتخصص".

وأضافت أن "الأهم من ذلك، أن آباء الأطفال المتضررين يمكنهم الآن التواصل معًا وتبادل خبراتهم وتشكيل مجموعات دعم، هذا مُجزٍ للغاية بالنسبة لي".

وعن خطوات الفريق المقبلة، قال "الكريع": إن المتلازمة الجديدة هي مجرد واحدة من العديد من المتلازمات التي يسعى الفريق جاهدًا لتوصيفها على المستوى السريري والجزيئي، لصالح مجتمع علم الوراثة السريرية العالمي، ومؤخرًا نجحنا في اكتشاف أكثر من 270 جينًا جديدًا يمكن أن تسبب الأمراض، بعد إجراء تحليل لجينات أكثر من 2000 عائلة سعودية، ما يسهم في تشخيص الحالات الوراثية النادرة والوقاية منها.

إنجاز حقيقي

وعن أهمية النتائج، قالت غادة أحمد عطيفي، الباحث بقسم الوراثة الإكلينيكية، بالمركز القومي للبحوث في مصر: إن نجاح العلماء في اكتشاف الجين المسبب لأي مرض وراثي يُعَد إنجازًا حقيقيًّا، يساعد كثيرًا في تقديم استشارة وراثية سليمة للمريض وعائلته، وبالتالي يُعد أُولى خطوات منع تكرار الإصابة بهذا المرض  مرةً أخرى في الأجيال المقبلة، وهذا هو الهدف الرئيسي لعلم الوراثة.

وأضافت في تصريحات لـ"للعلم" أن منع تكرار المرض يتم بطريقتين، الأولى قبل حدوث الحمل، عن طريق عملية الحقن المجهري، وفيها يتم اختيار الأجنّة السليمة غير المصابة بالجين المسبب للمرض، وإعادة نقلها في رحم الأم، والثانية عبر التشخيص المبكر للمرض في أثناء الحمل عن طريق تحليل عينة من السائل الأمينوسي -سائل غذائي ويُوفر الحماية للجنين ويُوجد داخل الكيس الأمنيوتي في رحم الأم- تحدد مدى إصابة الجنين بهذا الخلل الوراثي، وبالتالي منع اكتمال هذا الحمل.

واعتبرت "عطيفي" أن الهدف التالي لعلماء الوراثة هو إيجاد علاجات للأمراض الوراثية؛ لأن منع الإصابة بالمرض الوراثي يعتبر أسهل وأفضل طريقة لوقف انتشاره في الأجيال المقبلة، بدلًا من إيجاد علاجات لأعراضه، معللةً ذلك بأن الخلل الوراثي عادةً ما يصاحب المريض طوال حياته، ولا سبيل لتغييره حتى الآن، وشأنه في ذلك شأن الصفة الوراثية للإنسان، لذا فإن منع حدوث المرض أفضل بكثير من إيجاد علاجات لأعراضه التي تظهر على الأعضاء الحيوية للجسم وأبرزها المخ.

وأشارت إلى أن منع الإصابة بأي مرض وراثي يكون عن طريق اكتشاف الخلل المسبب للمرض، هل هو على مستوى الكروموسومات -أجزاء دقيقة مكوّنة من الحمض النووي (DNA) تشبهُ الخيوطَ إلى حدٍّ ما، وتوجد على شكل أزواج داخلَ خلايا الكائنات الحيّة- أم على مستوى الجينات، وفي حالة اضطراب "CHEDDA" فإن الخلل كان على مستوى الجينات، ونجح فريق البحث في وضع أيديهم على الخلل المسبب للمرض، وبالتالي فإن منع تكراره سيصبح أمرًا سهلًا.

ونوهت "عطيفي" بأن كثيرًا من الأمراض الوراثية -ومنها اضطراب "CHEDDA"- لم يكن يُعرف لها سببٌ جيني محدد، خاصةً وأن الجسم فيه ما يزيد على 22 ألف جين، وكانت معرفة الأطباء به قاصرةً على الأعراض التي تظهر على المريض فقط، مثل تشنجات العضلات وتأخر التطور.

وعن الخطوات التالية لاكتشاف الجين المسبب لأي مرض وراثي، قالت إن ذلك يتبعه إجراء الدراسات الوظيفية لذلك الجين، وتأثيره على الأنسجة المختلفة التي يدخل فيها، وما سيتبع ذلك من تأثيره بالتبعية على عمل أعضاء حيوية في الجسم مثل المخ؛ إذ تظهر أعراض هذا الخلل الجيني في صورة الصرع والتأخر الذهني وتراجع تطور الطفل، ويحدث مثله في العضلات والأعصاب والقلب والأطراف أيضًا.

وأكدت أن علاج المرضى بهذه المتلازمة حاليًّا يكون فى الأغلب على مستوى الأعراض فقط، إذ يُعطى المريض الذي تظهر عليه أعراض الصرع أدوية لوقف التشنجات، كما يتم علاج مشكلات الأعصاب عبر جلسات العلاج الطبيعي، وفي حالة التأخر الذهني يتم علاجه عبر تنمية مهاراته، وهكذا يتم التعامل مع باقي الأعراض، وهذه هي العلاجات المتاحة للأعراض المصاحبة لكثير من الأمراض الوراثية بشكل عام.

العلاج بتقنيات التعديل الجيني

من جانبه، قال محمود يسري، الباحث في قسم الوراثة الإكلينيكية، بالمركز القومي للبحوث بمصر: إن نتائج الدراسة تتيح لأطباء الوراثة الذين يتابعون باستمرار ما يُنشر في الدوريات العلمية، مرجعًا جديدًا لتشخيص هذا الاضطراب الوراثي وعلاجه بشكل صحيح، وسينعكس ذلك على المريض أيضًا؛ إذ سيتلقى مشورة علمية صحيحة، وهي أول طرق العلاج الدقيق.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف أن اكتشاف الجين المسبب لأي مرض وراثي، ستتبعه خطوات أخرى، أبرزها إجراء دراسة وظيفية، ترصد طريقة عمل هذا الجين، والطفرات التي يمكن أن تحدث له، وفي أي مرحلة يمكن وقف تلك الطفرات، قبل أن تؤدي فيما بعد إلى أمراض وراثية؛ لأن الجين الواحد يمكن أن يؤدي إلى أكثر من مرض في آن واحد. وأوضح أن ذلك يمكن أن يساعد مستقبلًا في إعادة الجينات لوضعها الصحيح وعلاج الأمراض الوراثية، باستخدام تقنيات التعديل الجيني، عبر أداة "كريسبر- كاس9" بعد أن يتم إقرار هذا النوع من العلاج الموجود في طور الأبحاث حتى الآن.