لو اجتمع سكان الأرض جميعًا بتعدادهم الذي يكاد يعانق المليارات الثمانية فسيكونون أقل عددًا من الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في ملعقة واحدة صغيرة من التربة، ومع ذلك يظل الفارق غير دقيق لترجمة غنى التنوع البيولوجي الموجود تحت أقدامنا مباشرة، حتى والعلماء ينتقلون بالمقارنة إلى الفضاء، حيث يفوق عدد هذه الكائنات بتريليون مرة عدد النجوم في الكون المعروف.

إن مجرد تخيُّل حجم الاكتظاظ وغليان الحياة في الملعقة الصغيرة يُعد تحديًا تعجيزيًّا، لكنه تمرين جيد للتنبُّه إلى سلاح سري فعال لمكافحة تغيُّر المناخ، يمتاز بقدرته على التحكم في ارتفاع حرارة الأرض جزئيًّا بتثبيته الكربون العضوي في التربة التي تستوعب نحو نصف إجمالي قدرة تثبيت الكربون على كوكبنا.

لكن كفاءة سلاح التربة المضاد للاحترار ليست دون ثمن، فهو سلاح ذو حدين يصبح بالمثل مصدرًا لاستفحال الانبعاثات الدفيئة إن تزايدت مستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو، على أن تناقُصه ضار أيضًا كما برهنت مخاوف البريطانيين العام الماضي إثر نزول كميات إنتاجه إلى النصف مهددةً بنقص كبير في بعض المواد الغذائية.

ويبدو أن الثمن تؤديه أولًا الكائنات الدقيقة من وزنها، وبالذات من خلاياها! فقد أظهرت دراسة جديدة نشرتها دورية ساينس أدفانسز في 25 مارس الماضي، أن الكائنات الحية الدقيقة في التربة تلجأ إلى التضحية بوزنها من أجل التكيُّف مع ارتفاع درجة حرارة التربة.

وتتخلص معظم بكتيريا التربة من جزء كبير من "مصانعها الخلوية" المختصة بالتخليق الحيوي للبروتين التي تنتج الريبوسومات المسؤولة عن تزويد خلايا البكتيريا بالطاقة لأداء وظائفها (انحلال المواد العضوية الميتة وتدوير العناصر الغذائية وتعزيز نمو النبات وتقليل التلوث وضبط المياه والمناخ).

وفي أثناء استجابة الكائنات الدقيقة للمنبه الخارجي (الاحترار) تخضع خلاياها لتأثير نوعي من جرَّاء تغيُّر نشاطها الجيني، فترتفع معدلات إطلاقها غاز ثاني أكسيد الكربون، وقد يتقلص حجمها وتغدو أصغر ولكنها لا تتأثر عدديًّا.

وقالت أندريا سولينجر، المؤلفة الرئيسية المشاركة، في تصريحات لـ"للعلم": "لا نعرف حتى الآن ما إن كانت أعداد الخلايا تتزايد بسبب تسريع عملية النمو أم أنها تتناقص بسبب نضوب العناصر الغذائية في التربة، أم أنها تظل كما هي، لكننا اكتشفنا آليةَ استجابة جديدة للاحترار لم تكن معروفةً من قبل".

ميزة كبرى

أشار ألكسندر ت. تفيت، المؤلف المشارك الثاني ضمن فريق دولي متعدد الجنسيات والتخصصات: "في السابق، كان يُعتقد أن ميكروبات التربة المعرضة للاحترار تمتص كربون التربة بشكل أسرع وتطلقه على صورة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ثم تتكيف مع الظروف الجديدة بعد مرور بعض الوقت أو تتقهقر أمام انخفاض محتوى الكربون في التربة وبالتالي تقلل إطلاقه"، وأضاف لـ"للعلم": "أظهرنا أنه بدلًا من ذلك، تتكيف الميكروبات بشكل جيد للغاية".

وتنتج الكائنات الدقيقة ما يكفي فقط من البروتين اللازم لبقائها مع إحراز خسارة في الوزن، وهي "ميزة تنافسية كبرى تنطوي على نتائج جوهرية" وفق الدراسة، ففي محيطٍ تعرضت موارده للنضوب في درجات حرارة متزايدة الارتفاع، تصبح معدلات التفاعل أسرع وترتفع الأنشطة الميكروبية للتربة، في حين تتراجع الحاجة إلى العناصر الغذائية ويُكتفى بالقليل منها.

بذلك يُتاح ادخار الطاقة والمادة العضوية التي كانت الكائنات الميكروبية ستحتاج إليهما في عملية تصنيع نسبة عالية من الريبوسوم، ليتمّ استخدامهما بطريقة تعويضية في عمليات أخرى، مثل الحفاظ على أنشطة التمثيل الغذائي العالية، ومعدلات انقسام الخلايا لمواصلة الحياة وتسهيل النمو والتكاثر.

ورجح الباحثان -وكلاهما مختص بميكروبيولوجيا التربة في جامعة ترومسو، جامعة القطب الشمالي في النرويج (UiT)- أن البكتيريا تحافظ بهذا الشكل على نمو أسرع، وانحلال الكربون في التربة، وإطلاق معدلات عالية من ثاني أكسيد الكربون لعدة عقود من الاحترار في المستقبل.

وتمثل نتائج الدراسة، وفق ثولاني ب. مخلانيان، أستاذ مشارك يعمل بقسم الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة والأحياء الدقيقة بجامعة بريتوريا جنوب إفريقيا، "اكتشافًا مثيرًا للاهتمام"، مضيفًا في تصريح لـ"للعلم" أن الدراسة "أحرزت تقدمًا مقارنة بما سبقها".

نموذج لإحدى عينات التربة ضمن أكثر من مائة عينة أخذت خلال آخر عملية لأخذ العينات من موقع فورهوت جنوب أيسلندا شهر أكتوبر 2021. وقد وضع الفريق العلمي بعض عينات التربة للتجميد في النيتروجين السائل مباشرة في الحقل بينما أخذ عينات أخرى إلى المختبر في جامعة ترومسو لإخضاعها لتجارب الاحترار قصيرة المدى. (الصورة: أندريا سولينجر. أكتوبر 2021)Credit: Andrea Söllinger

موقع فريد

لما كان الاحتباس الحراري أقوى في البيئات القاسية كالمناطق القطبية المتميزة بقدرتها الكبيرة على تخزين الكربون في التربة، فقد أتاح موقع طبيعي في جنوب أيسلندا تابع لمشروع فورهوت البحثي ظروفًا مشابهة لتغيُّر المناخ المتوقع خلال القرن المقبل بدرجات حرارة أكثر تطرفًا قد تساعد في فهم التغيرات التي ستلحق بالمجتمعات الميكروبية في التربة بمرور السنوات والعقود.

أُجريت تجارب استكشاف الاستجابات عبر فترات زمنية مختلفة (أسابيع وسنوات وعقود) في أراضٍ تعرضت لاحترار بست درجات مئوية على مدى أكثر من نصف قرن، وأخرى ارتفعت فيها الحرارة إثر وقوع زلزال عام 2008 وتمت مراقبتها مدة ثمانية أعوام، ومقارنتهما بنظيراتهما في بيئات ذات حرارة عادية.

واعتمدت الدراسة نهج الترانسكريبتوم القائم على استخراج الحمض النووي الريبي (الرنا) كيميائيًّا متبوعًا بسَلسَلة الرنا ذات التدفق العالي وتحليلات المعلوماتية الحيوية، كما وضح محمد هجري، أستاذ علم الأحياء بمعهد بحوث بيولوجيا النبات بجامعة مونتريال الكندية، في تصريح لـ"للعلم"، مضيفًا أن "هذه الطريقة تجعل من الممكن دراسة جميع الجينات المنسوخة (بديل نشاط التمثيل الغذائي الجرثومي)، وكذلك ترجمة الرنا المرسال عن طريق القياس الكمي للريبوسوم".

ونظرًا إلى كميات البيانات الهائلة المستخرجة من بيئتين مختلفتيْ الحرارة والنطاق الزمني، فإن النهج المعتمد يوفر "نظرة تفصيلية"، لكنه "مكلف ويستغرق وقتًا طويلًا"، وفق المؤلفين.

 الزمن غير مؤثر

درس الباحثون عينات التربة في الصيف ثم في الخريف بعد أربع سنوات، ولاحظوا وجود النمط ذاته في أثناء تحليل أنماط التعبير الجيني البكتيري، الذي كشف عن خفض نظام آلية التخليق الحيوي للبروتين البكتيري استجابةً للاحترار.

لكن تجربة مخبرية لسرعة الاستجابة الميكروبية، بينت عبر عينتيْ تربة بالموقع تم احتضانهما في درجة حرارة عادية وأخرى أعلى بـ+6 درجات مئوية، أنه في غضون أسبوع واحد قللت مصانع البروتين في الخلية الميكروبية كمية ريبوسوماتها إلى النصف تقريبًا في الحرارة العالية، ما يفيد -وفق "تفيت"- أن "أحد التأثيرات المركزية للاحترار على جزء كبير من الكائنات الميكروبية يتمثل في خفض آلات إنتاج البروتين بغض النظر عن الوقت".

ومضى معلقًا: "كان هذا دليلًا على أن تعديلات التكيف الملحوظة بعد عدة عقود من الاحترار تحدث مباشرةً بعد الاحترار، وربما تختلف أيضًا عبر السنوات والفصول".

كما يعني -وفق تأكيده- أن الميكروبات ستُزيل المزيد من الكربون من التربة بمرور الوقت "أكثر مما كنا نعتقد في الماضي" في أثناء عملية التنفس المنتجة لثاني أكسيد الكربون.

وقال "هجري": إن الدراسة "تتيح تقديم إجابات للإجهاد الحراري الذي يتعرض له الميكروبيوم"، مضيفًا أن عدم ملاحظة أي اختلاف كبير في التنوع البيولوجي للكائنات الميكروبية أو في بنيتها يعني استمرار ثراء الأنواع وبنية المجتمعات الميكروبية كما هي حتى لو زادت درجة الحرارة (بـ+6).

سياق عالمي

تدعم تلك التجربة المخبرية قصيرة المدى وفق المؤلفين نتائج دراستهم واستنتاجاتها على المدى المتوسط والطويل، وقد توقعوا وجود أنماط تعبيرية جينية مماثلة في مجموعة واسعة من النظم البيئية للتربة عبر كل أنحاء العالم، مرجحين أن الاستجابة الميكروبية للاحترار "سريعة ومشتركة ومستقرة".

لكن "مخلانيان" لديه رأي مختلف حول انسحاب هذه النتائج على بيئات قاسية أخرى كالمناطق الجافة، ورجح أن تكون الاستجابة الميكروبية مختلفة، مفترضًا إمكانية اختيار الكائنات الميكروبية في التربة القاحلة، مثلًا أصناف آلاتٍ جينية مغايرة للمناورة، لذلك مال إلى عدم تعميم النتائج بسرعة على هذه البيئات المتسمة بدرجات حرارة مختلفة وتربة شحيحة التغذية.

زمنيًّا، لفت "مخلانيان" إلى أن المجتمعات الميكروبية "تتعدد لدرجة يُحتمل أن تستجيب فيها الأصناف المختلفة بشكل مغاير على مدى نطاقات زمنية مختلفة".

وقال: "لعله من غير الممكن استنباط الاستجابات الفسيولوجية التي لوحظت في درجات الحرارة هذه بسرعة في الاتجاهات العشرية". (عقد فما فوق).

في كل الأحوال، تعتبر "سولينجر" أن نتائج دراسة فريقها "تضيف قطعة أخرى إلى صورة أكبر معقدة"، ولكن "لا يزال يتعين توضيح كيف أن هذه القطع المستقلة متصلة فيما بينها".

وقالت: "من خلال أبحاثنا الجارية والمستقبلية، نهدف إلى قياس تأثير تقليل الريبوسوم والاستجابات الفسيولوجية الميكروبية الأخرى لاحترار التربة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من التربة".

وتأمل الباحثة من وضع نتائج الدراسة في سياق عالمي أن يُسهم في "سد الفجوة بين علم الأحياء الدقيقة وعلوم النظم البيئية لفهم استجابات المناخ والتربة في مستقبل أكثر حرارة وتوقعها وإدارتها".

وقد يتحقق لها ذلك بالعثور على تمويل لمشروع جديد (WaRMinSoil) قدمته مؤخرًا إلى مجلس البحوث النرويجي، ويركز على أحد التحديات الرئيسية التي يواجهها المؤلفون الآن في ربط ملحوظاتهم حول المقاييس الميكروبية بدورة كربون التربة، أي ما إذا كان خفض الريبوسوم آلية ضبط عالمية متصلة بهذه الدورة، سائدة لدى كل الكائنات الحية الدقيقة في التربة، عبر مختلِف النظم البيئية، وثابتة في الزمن وعبر تفاوت أحوال مواسم السنة.