حذرت دراسة إسبانية من أن تلوُّث الهواء الذي يتعرض له الأطفال في أثناء السير -من المدرسة وإليها- قد يؤدي إلى بطء النمو المعرفي لديهم، ويؤثر سلبًا على قدرات الذاكرة العاملة للأطفال.

وكشفت الدراسة -التي أجراها باحثون بمعهد برشلونة للصحة العالمية، ونُشرت نتائجها مطلع أكتوبر الجاري في دورية «انفيرومنتال بوليوشن»- وجود علاقة بين انخفاض الذاكرة العاملة عند الأطفال والتعرُّض للجسيمات الدقيقة المحمولة جوًّا، التي تُعرف باسم “PM2.5”، وهي من أخطر الملوِّثات، تنبعث من سيارات الديزل، والمواقد التي تعمل بحرق الأخشاب، ومنشآت توليد الطاقة، واحتراق الغابات والمخلَّفات الزراعية، والتفاعلات الكيميائية بين غازات ملوِّثة أخرى، فضلاً عن التعرُّض للكربون الأسود في أثناء المشي من المدرسة وإليها.

ضمت عينة البحث 1234 طفلًا من 39 مدرسة إسبانية، تتراوح أعمارهم بين 7 أعوام و10، اعتادوا جميعًا السير على أقدامهم من المدرسة وإليها على نحوٍ يومي.

بطء النمو المعرفي

 جرى تقييم الذاكرة العاملة للأطفال 4 مرات خلال مدة الدراسة التي استمرت 12 شهرًا، عبر اختبار حاسوبي يقيس معدلات النمو السنوي لذاكرة الأطفال، ومدى تأثُّرها بتلك الملوثات، كما جرى تقدير مستويات تعرُّضهم لتلوُّث الهواء خلال المدة نفسها.

ركز الباحثون على الآثار الصحية للجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر وتنبعث من مصادر صناعية ويمكن استنشاقها بحيث تستقر في الرئة.

وتوصل الباحثون إلى أن هذا النوع من التلوث أدى إلى انخفاض النمو السنوي المتوقع من الذاكرة العاملة للأطفال بنسب تراوحت بين 3.9% و5.4%، بالإضافة لبطء النمو المعرفي لدى الطفل.

وأظهرت النتائج أن 20٪ من الجرعة اليومية التي يتعرض لها الطفل من التلوث بالكربون الأسود، الذي يرتبط مباشرةً بالمرور، يكون استنشاقها في محيط الرحلات بالمناطق الحضرية، وأن الأطفال الإناث أكثر حساسية من الذكور لتأثيرات التلوث بالجسيمات الدقيقة والكربون الأسود.

تقول مار ألفاريز بدريرول –الباحثة في علم الأوبئة البيئية بمعهد برشلونة للصحة العالمية، ورئيسة فريق البحث- لـ"للعلم": "إن تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة، التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ نمو الذاكرة العاملة للأطفال".

والذاكرة العاملة لدى الأطفال هي نظام يسيطر على المعلومات الوقتية ويحافظ عليها بفاعلية، ويحوِّلها إلى الذاكرة طويلة المدى لكي يجري استعمالها فيما بعد، وتؤدي دورًا مهمًّا في المهام المعرفية الخاصة بالتعلُّم والتفكير المنطقي والفهم ومعالجة المعلومات.

تضيف بدريرول أن "هذه هي المرة الأولى التي يرصد فيها العلماء التأثير المحتمل لتلوث الهواء على التطور المعرفي للأطفال الذين يتعرضون لتركيزات عالية من الملوثات لفترات قصيرة، من جَرَّاء الذهاب إلى المدرسة مشيًا على الأقدام، ما يكون له تأثير كبير على الصحة".

تُرجِع بدريرول ظهور ذلك التأثير على الأطفال بشكل خاص إلى صغر حجم الرئة وارتفاع معدل التنفُّس لديهم، مضيفةً أن دراسات سابقة، أُجريت على الحيوانات، كشفت أن المناطق الأكثر تأثرًا في الدماغ من خلال هذه الملوِّثات هي الفص الأمامي، وبالتالي فإن الضرر يشمل وظائف مثل الذاكرة، لكن الآلية التي تؤثر بها الملوثات على مخ الأطفال لا تزال غير معروفة، ويرجح أن تكون كثرة الالتهابات التي تصيب الأطفال سببًا في ذلك.

وظائف الدماغ

وعن خطوتهم المقبلة كشفت بدريرول أن الفريق البحثي يعمل حاليًّا على دراسة ورصد تأثيرات تلوث الهواء على هيكل الدماغ ووظائفه، وتجرى الدراسة على 300 طفل، باستخدام أشعة الرنين المغناطيسي على الدماغ.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، يشدد جوردي سونير -رئيس برنامج صحة الطفل بمعهد برشلونة للصحة العالمية، وأحد المشاركين بالدراسة- على ضرورة ألا تخلق نتائج الدراسة انطباعًا بأن المشي إلى المدرسة شيء سيئ بالنسبة لصحة الأطفال؛ لأن العكس هو الصحيح، فالمشي أو ركوب الدراجات في أثناء الذهاب إلى المدرسة له فوائد صحية تفوق بكثير أي تأثير سلبي لتلوث الهواء، وفق قوله.

ويضيف: ما توصلنا إليه من أن الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة سيرًا على الأقدام قد يكونون أكثر تعرُّضًا للتلوث لا يعني أن الأطفال الذين يتنقلون بالسيارة أو في وسائل النقل العام لا يتعرضون أيضًا لمستويات عالية من التلوث.

تأثيرات غير مرئية

يتفق مصطفى رجب -رئيس قسم العلوم الطبية البيئية بمعهد الدراسات والبحوث البيئية بجامعة عين شمس- مع نتائج الدراسة، مشيرًا إلى أنها تأتي في إطار التأثيرات غير المرئية لتلوُّث الهواء التي تؤثر على ذكاء الأطفال.

يقول رجب -في حديثه لـ"للعلم"-: "إن نمو الأنسجة والأعضاء لدى الأطفال يتأثر بالسلب إذا نشأوا في بيئة غير صحية لا تراعي شروط السلامة البيئية، والرئتان هما الأكثر تأثرًا؛ إذ تظهر عليهما آثار التلوث بشكل مباشر، في صورة كحة وضيق تنفس وغيرها من أعراض تلوُّث الهواء، وهناك أعضاء أخرى تتأثر ولكن بصورة غير مرئية، ولا تظهر الآثار السلبية إلا بعد مدة طويلة، كالكبد والكليتين".

ووفق رجب، فإن "تلوث الهواء قد يؤثر أيضًا على خصوبة الرجال، وتأخُّر الإنجاب، ويقلل من نسب نجاح عمليات الحقن المجهري وأطفال الأنابيب، بالإضافة إلى إسهامه في أمراض القلب والجهاز التنفسي والسرطان والسكري".

كانت دراسة سابقة قد حذّرت من أن زيادة تلوث الهواء تقلل متوسط عمر الأشخاص المتوقع بمقدار من 9 أعوام إلى 11 عامًا.

حلول ممكنة

وعن الحلول الممكنة لتلاقى هذا الخطر، اقترحت بدريرول تقليل عدد السيارات التي تسير في المدينة، معتبرة أن "هذا سيكون حلًّا رئيسيًّا وجذريًّا للمشكلة".

وأضافت أنه "في حال تعذر ذلك، ينبغي أن يسلك الطلاب أكثر الطرق نظافةً وأقلها تلوثًا للوصول إلى المدارس".  

يتفق رجب مع هذا الطرح، مضيفًا أن "التوجُّه للمدن الجديدة والتوسُّع العمراني القائم على التخطيط قد يحد كثيرًا من مشكلة تلوُّث الهواء ويقلل من وجود السيارات في الطرق التي يسير فيها أطفال المدارس بصفة يومية، وكذلك التوجُّه إلى مصادر الطاقة النظيفة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح؛ للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، والتوجه لاستخدام سيارات تعمل بالطاقة النظيفة".