أثبتت دراسة حديثة أن الحفاظ على صحة الفم بالنسبة لمرضى القلب أهم من استخدام المضادات الحيوية في علاج أسنانهم تجنبًا للإصابة بأي عدوى بكتيرية في محيط الأسنان.

وأوضحت الدراسة التي نشرتها دورية "سيركيوليشن" (Circulation)، التابعة للجمعية الأمريكية للقلب، أن هناك توجسًا من أن بعض الإجراءات المستخدمة لعلاج الأسنان قد تزيد من خطر الإصابة بـ"التِهاب الشّغاف العدوائيّ" في المرضى المعرضين للخطر.

و"التِهاب الشّغاف العدوائيّ" عبارة عن عدوى تسببها البكتيريا التي تدخل مجرى الدم من جزء آخر في الجسم مثل الفم، وتستقر في بطانة القلب أو صمام القلب أو الأوعية الدموية.

ورغم أن هذا الالتهاب غير شائع، الا أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب الخلقية أو مرض صمام القلب أو أُجريت لهم جراحة بالصمام أو أصيبوا بالتهاب الشغاف بشكل متكرر يكونون أكثر تعرُّضًا لخطر الإصابة بمضاعفات إذا أصيبوا بهذه البكتيريا.

كما أن استخدام العقاقير عن طريق الوريد يزيد من خطر الإصابة بهذا الالتهاب، وكذلك البكتيريا التي تتجمع في الترسبات على سطح الأسنان وتسبِّب التهاب اللثة وتورُّمها.

التوجيهات الجديدة تؤكد التوصيات السابقة بوجوب وصف المضادات الحيوية لأربع فئات فقط من مرضى القلب قبل إجراءات معينة في طب الأسنان للوقاية من هذا الالتهاب؛ نظرًا لارتفاع مخاطر تعرُّضهم لمضاعفات العدوى.

وتشمل هذه الفئات مَن لديهم صمامات قلب صناعية أو مواد صناعية تُستخدم لإصلاح الصمام، وأولئك الذين عانوا من حالة سابقة من التهاب الشغاف العدوائي، والبالغين والأطفال المصابين بعيوب خلقية فى القلب، والأشخاص الذين خضعوا لعملية زرع قلب.

يقول "والتر ويلسون"، مستشار قسم الأمراض المُعدية بقسم الطب الباطني في مايو كلينيك، في البيان المصاحب للدراسة: "إن البيانات العلمية التي ظهرت منذ صدور إرشادات الجمعية الأمريكية للقلب لعام 2007 تدعم وجهة النظر القائلة بأن الاستخدام المحدود للمضادات الحيوية الوقائية في إجراءات طب الأسنان لم يؤدِّ إلى زيادة حالات التهاب الشغاف، وهي خطوة مهمة في مكافحة الإفراط في استخدام المضادات الحيوية لدى السكان".

وتم تحديث المبادئ التوجيهية لجمعية القلب الأمريكية لعام 2007 وسط مخاوف من مقاومة المضادات الحيوية بسبب الإفراط في وصفها، ويُعد ذلك أكبر تحوُّل في التوصيات الصادرة عن الجمعية بشأن الوقاية من "التهاب الشغاف العدوائي" منذ أكثر من 50 عامًا، إذ أدى قصر استخدام المضادات الحيوية الوقائية لعلاج الأسنان على الفئات الأربع عالية الخطورة إلى تقليل عدد المرضى الذين يحتاجون إلى المضادات الحيوية بنسبة 90٪.

يشير "بيتر لوكهارت"، الأستاذ الباحث بقسم طب الأسنان فى "كارولينا ميديكال سنتر"، إلى أن تجمُّع ترسبات البكتيريا على سطح الأسنان يسبب التهاب أنسجة اللثة وتقرُّحها، وإذا أصيبت هذه الأنسجة في أثناء علاج الأسنان، تنتقل البكتيريا المسببة لـ"التهاب الشغاف العدوائي" إلى مجرى الدم وتظل فيه مدة، وقد تلتصق بصمام القلب التالف وتتكاثر وتسبب التهاب الغشاء الذي تعرَّض للعدوى، لذا يؤكد "لوكهارت" ضرورة أخذ التاريخ المرضي للمريض وحالته الصحية في الاعتبار، وما إذا كان يعاني من أي مشكلة بالقلب تحديدًا.

وأخيرًا، أصدرت الجمعية الأمريكية للقلب تقريرًا عن مدى قبول التوجيهات والالتزام بها، ومدى تزايُد أو تناقص الوفيات الناتجة عن الإصابة بالتهاب الشغاف المعدي، وقد رصد التقرير زيادة الوعي بتوجيهات 2007 مع تفاوت الالتزام بها، فقد تبيَّن انخفاض وصف المضادات الحيوية الوقائية بنسبة 20% بين فئات المرضى عالية الخطورة، و64% بين الفئات متوسطة الخطورة، و52% بين الفئات التي تُصنف الخطورة بالنسبة لهم إما منخفضة أو غير معروفة.

وفى مسح شمل 5500 طبيب أسنان فى الولايات المتحدة، أشار 70% منهم إلى وصف المضادات الحيوية الوقائية للمرضى، رغم أن توجيهات 2007 لا توصي بها، ويحدث ذلك غالبًا في الحالات التي تعاني من تدلي الصمام التاجي، الذي يؤدي إلى عدم انتظام نبضات القلب وصعوبة التنفُّس والإرهاق، وخمس حالات من أمراض القلب الأخرى، وأكد أطباء الأسنان أن 60% من المضادات الحيوية الموصوفة كانت بتوصية منهم، و33% بناءً على طلب المريض.

يقول "لوكهارت" فى تصريحات لـ"للعلم": التوجيهات والإرشادات العلمية للأطباء يتم تحديثها وفق الحاجة، والجمعية الأمريكية للقلب شكلت فريقًا استغرق أكثر من عام للخروج بالتوجيهات الأخيرة.

يضيف "لوكهارت": لا توجد ضمانات لالتزام ممارسي الرعاية الصحية -ومنهم الأطباء- بهذه التوجيهات، وتشير المسوح إلى أن جميع أطباء الأسنان في أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة على دراية بتوجيهات الجمعية الأمريكية للقلب فيما يخص المضادات الحيوية الوقائية، ولكنهم غير ملزمين بهذه الإرشادات، ومن المتوقع أنهم سيستخدمون طريقتهم الخاصة في التعامل مع العديد من المرضى الذين لا تنطبق عليهم هذه الإرشادات.