قبل خمسة وعشرين عامًا، شنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أول «حرب فضاء» في العالم، حينما أجبرت القوات العراقية على الخروج من الكويت. وعلى الرغم من أن القتال الفعلي لم يحدث في الجو، إلا أن نظم تحديد المواقع العالمية باستخدام الأقمار الصناعية GPS أدت دورًا حاسمًا في تفكيك قوات صدام حسين العسكرية في أثناء حرب الخليج في عام 1991. فلولا تلك الأعين التي تدور في السماء، لكانت القوات الأمريكية، على وجه الخصوص، وسط مهمة أكثر صعوبة، دون نظام للملاحة أو الاتصالات أو لتوجيه الأسلحة والقوات عبر مئات الكيلومترات من ساحات المعارك الصحراوية القاسية، حيث تعصف بها الرياح الرملية من كل جانب في الكويت والعراق.

لقد غيَّر النظام العالمي لتحديد المواقع GPS الحروب، وسرعان ما أصبح أداةً لا غنى عنها للمغامرين والرياضيين والمسافرين كذلك. وقد أصبح هذا النظام في كل مكان، إلى درجة أن البنتاجون عاد أدراجه إلى النقيض تمامًا، ليستثمر عشرات الملايين من الدولارات لمساعدة الجيش الأمريكي على تجاوز اعتماده الشديد على هذه التكنولوجيا. فإشارات النظام العالمي لتحديد المواقع GPS الضعيفة نسبيًّا، غالبًا ما تكون غير موثوقة، وعرضة للتداخل أو الـ"تشويش". وقد دفع ذلك وكالة مشاريع بحوث الدفاع المتقدمة (داربا)Defense Advance Research Projects Agency (DARPA)  إلى البدء في تطوير مساعِدات ملاحية تعمل في حالة تعذُّر الوصول إلى الأقمار الصناعية.

«أين أنا؟»

في يناير من عام 1991، وبعد أشهر من غزو العراق لدولة الكويت المجاورة له واحتلالها، ووسط حالة من التأهب استنفرت المجتمع الدولي، شنت الولايات المتحدة الأمريكية مع عدد كبير من الدول الأخرى عملية عاصفة الصحراء. وأطلق الهجوم الجوي -الذي استمر عدة أسابيع- العنان لقاذفات الشبح وصواريخ كروز والقنابل "الذكية" الموجهة بالليزر، والتي استهدفت شبكات الاتصالات ومصانع الأسلحة ومصافي النفط العراقية. إلا أن إجلاء قوات صدام حسين عن الكويت تطلَّب قتالًا بريًّا، وقد كانت مهمة شاقة على قوات التحالف التي لم تألف حرب الصحراء.

 "جاء إدخال النظام العالمي لتحديد المواقع GPS إلى حيز الوجود في وقته المناسب تمامًا، لا سيما بالنسبة للقوات الأمريكية في حرب الخليج، وذلك للتصدي لمسألة قديمة في المقام الأول: أين أنا، وإلى أين أنا ذاهب؟"، كما يقول الكولونيل أنتوني ماستلر، نائب قائد جناح الفضاء الخمسين في القيادة الفضائية للقوات الجوية الأمريكية المتمركزة في قاعدة شْرايفر بكولورادو. وتضم قاعدة شرايفر محطة التحكم الرئيسية، التي تُستخدم في تحديد مدارات الأقمار الصناعية الأمريكية الخاصة بالنظام العالمي لتحديد المواقع GPS، وتحديث تعليماتها الملاحية. "إن لتلك المعلومات أهمية خاصة عندما يكون لديك قدر قليل للغاية من المعرفة بالمعالم الأرضية أو النقاط المرجعية".

لقد واجه الجيش الأمريكي العديد من التحديات عندما بدأت الحملة البرية في 24 فبراير من عام 1991. كبداية ، كانت وحدات مدفعية الجيش الأمريكي، التي كُلِّفت بقصف دفاعات العدو بالصواريخ وفتح الطريق أمام قوات المشاة، تحتاج من الناحية التاريخية إلى يوم أو أكثر لاستطلاع ساحة المعركة وتحضير الذخائر. لكن ذلك لم يكن الحال في الكويت، فقد تحركت المدرعات وشاحناتها وآلياتها الأخرى بسرعة تزيد على 50 كيلومترًا في الساعة. إن مثل هذا التحرك السريع يتطلب تحرك قوات المدفعية وتجهيزها بسرعة موازية، لكي تقوم بإطلاق مدفعياتها والانتقال إلى الموقع التالي بسرعة أيضًا. وكان الإخفاق في تحقيق ذلك يعني أن المشاة لن يحصلوا على الدعم الكافي من المدفعية قبل الاشتباك مع العراقيين. المخاوف من احتمالات لجوء العدو إلى استخدام الأسلحة الكيميائية ضد مشاة التحالف أكَّدت الحاجةَ إلى الغطاء المدفعي الفعال. واعتمد البنتاجون على النظام العالمي لتحديد المواقع GPS للمساعدة في حل هذه المشكلة.

وتضمن تحدٍّ آخر مكونًا رئيسيًّا من الاستراتيجية البرية الأمريكية، وهو نقل المشاة والمدفعية إلى مناطق شديدة القسوة في الصحراء، من أجل تطويق القوات العراقية ومحاصرتها. وأدى النظام العالمي لتحديد المواقع GPS دورًا حاسمًا في مساعدة القوات البرية على "التنقل عبر تضاريس لم يكترث العراقيون للدفاع عنها، لأنهم لم يعتقدوا أن أحدًا يستطيع العثور على طريقه خلالها"، كما يذكر مارك درَيْك، وهو رائد متقاعد من القوات الجوية الأمريكية، وشغل منصب رئيس التحليل العملياتي لسرب العمليات الفضائية الثاني في أثناء حرب الخليج، ويدير السرب محطة تحكم شرايفر الرئيسية، إضافة إلى شبكة من محطات الرصد والهوائيات الأرضية على مستوى العالم، والتي تتحكم في كوكبة الأقمار الصناعية الأمريكية الخاصة بالنظام العالمي لتحديد المواقع GPS وتدعمها.

أمي وأبي : برجاء إرسال مُستقبِل GPS

مثَّل قرار الجيش أن يعتمد على النظام العالمي لتحديد المواقع GPS رهانًا كبيرًا. حيث تحتاج كوكبة نظام GPS إلى 24 قمرًا اصطناعيًّا لكي تعمل بكامل طاقتها، وهو شيء لم تحققه الولايات المتحدة الأمريكية حتى شهر أبريل من عام 1995. أما في أوائل عام 1991، فقد تضمنت منظومة نافستار Navstar (نظام ملاحة يستخدم التزامن وتحديد المدى) التابعة للقوات الجوية الأمريكية 16 قمرًا اصطناعيًّا فقط، وكانت ستة أقمار منها عبارة عن وحدات بحث وتطوير قديمة، تم تعديل الغرض منها للاستخدام في المجهود الحربي. وعلى خلاف اليوم، الذي تتوافر فيه تغطية نظام GPS طوال ساعات اليوم، لم تكن أقمار كوكبة نافستار قادرة على العمل بما يكفي لتوفير تغطية سوى لنحو 19 ساعة يوميًّا، وبدقة في حدود 16 مترًا تقريبًا، وهي دقة أفضل كثيرًا من دقة أنظمة تحديد المواقع السابقة عليها، والتي كان هامش الخطأ فيها يصل إلى عدة كيلومترات، وبالطبع لا تُقارَن بدقة تقنية اليوم التي تقدر بالسنتيمتر.

وإذا ما وضعنا قضايا الإشارة جانبًا، لم تكن مستقبِلات الـGPS أيضًا متوفرة بكميات كافية. كبداية، لم يكن هناك سوى 550 مستقبلًا محمولًا من طراز PSN-8 Manpack لتقوم بالتغطية. والجنود المحظوظون فقط هم مَن حصلوا على تلك الأجهزة وثبتوها على مركباتهم، وكان وزن الجهاز الواحد منها 8 كيلوجرامات، وبلغ سعره 45 ألف دولار. وكان الخيار الثاني، والأكثر قابلية للحمل، هو مستقبل الـGPS الصغير خفيف الوزن من طراز AN/PSN-10، والذي يبلغ وزنه 1.8 كيلوجرام، وقد كان لدى الجيش 3500 جهاز تقريبًا، جاهزة للاستخدام في حرب الخليج. "كنتَ تسمع قصصًا عن أفراد سلاح الجو والبحرية والجيش يطلبون من أهاليهم أن يرسلوا إليهم مستقبلات GPS مدنية، كي يهتدوا بها إلى طريقهم هناك في الصحراء»، يقول درَيْك، والذي يعمل حاليًّا مدير إمداد عمليات المركبات الفضائية في شرايفر. وكانوا يثبِّتون تلك الأجهزة على عربات الهامفي أو الدبابات، باستخدام براغي أو شرائط لاصقة، في أثناء تجوالهم في مناطق لا يألفونها. وكان المستقبل NAV 1000M واحدًا من أكثر المستقبِلات شعبية وقتها، إذ اعتادت شركة ماجلان كورب بيعه لأصحاب المراكب وهواة التنزه على الأقدام وغيرهم من المغامرين منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وقد بلغ سعره 3000 دولار.

كيف يعمل؟

يتألف نظام تحديد المواقع GPS من ثلاثة مكونات، هي: الأقمار الاصطناعية، وأجهزة الاستقبال، ومحطات التحكُّم الأرضية. ويوجد في نافستار Navstar حاليًّا 31 قمرًا اصطناعيًّا عاملًا، يدور دورة كاملة حول الأرض، على ارتفاع 20 ألف كيلومتر تقريبًا، مرة كل 12 ساعة.

وتستخدم كوكبة الأقمار تلك ستة مستويات مدارية متساوية المسافات، وفي كل مستوى أربعة أقمار أو خمسة، بالإضافة إلى عدد من الأقمار الإضافية المساعِدة، تنتشر بين المستويات الستة، وفقًا لقول ماستلر.

وتحمل إشارات أقمار الـGPS الاصطناعية رمزًا زمنيًّا تحدده ساعتها الذرية، والتي تحدد الزمن عن طريق قياس اهتزازات الذرات. وتمكِّن تلك الساعات كل قمر اصطناعي في كوكبة نافستار من البث المستمر لإشارة، تتضمن الزمن والموضع المُتوقَّع للقمر الاصطناعي. وتقوم مستقبلات نظام تحديد المواقع GPS على الأرض، سواء كانت مثبتة في سفن في عرض البحر أو ضمن ساعات اليد، بحساب خطوط الطول والعرض والارتفاع، عن طريق قياس التأخير الزمني النسبي بين الإشارات، التي تبثها أربعة أقمار اصطناعية مختلفة على الأقل. في الوقت نفسه، تتصل محطة التحكم الأرضية بالأقمار الاصطناعية عبر الهوائيات الأرضية، وتتكون محطة التحكم الأرضية من ست محطات رصد وأربعة هوائيات أرضية ومحطة التحكم الرئيسية في شرايفر.

نصر ملاحي

على الرغم من أن دقة نظام تحديد المواقع GPS وموثوقيته اليوم أفضل بكثير مما كان عليه قبل 25 عامًا، فقد كان رهان التحالف العسكري خلال حرب الخليج رابحًا، فخلال الحرب البرية، التي استغرقت 100 ساعة فحسب، ساعدت مستقبلات GPS بشكل كبير مع الملاحة البرية ودعم المدفعية، الذي كان جزءًا من عمليات القصف العنيف الذي وصفه الجنود العراقيون بأنه «مطر فولاذي».

وأصبح نظام تحديد المواقع GPS شيئًا مكملًا، أو حتى بديلًا، لبوصلة استطلاع المدفعية، ودائرة التصويب الشبيهة بالتلسكوب، وغيرها من أدوات المدفعية. ودخل نظام تحديد المواقع GPS أيضًا في صميم أسلحة المدفعية الجديدة، ومنها نظام الصواريخ التكتيكي الذي ظهر لأول مرة خلال حرب الخليج، ووصل مداه إلى 270 كيلومترًا، واستخدمت أقمار نافستار الاصطناعية في توجيهه إلى أهدافه.

 

قمر نافستار الاصطناعي الخاص بنظام تحديد المواقع في أثناء اختباره قبل الإطلاق.
 COURTESY UNITED STATES AIR FORCE.

 

 

 

لقد أثبتت الملاحة القائمة على الأقمار الاصطناعية كفاءتها في مساعدة فيلق الجيش السابع الأمريكي، والفيلق الثامن عشر المحمول جوًّا على بدء مناورة التفاف، والتي أسماها قادة عسكريون مختلفون «السلام على مريم Hail Mary» أو «اللكمة اليسرى left hook»، وتنقل الجنود خلالها بعيدًا، إلى الغرب من نقطة في جنوب الكويت، توقع العراقيون هجوم قوات التحالف منها. وبمساعدة 3000 جهاز تحديد مواقع GPS فقط لجيش من القوات، مكون من 40 ألف دبابة وعربة قتال برادلي ومدفع هاوتزر وآلية مسلحة، تقدمت الوحدات المقاتلة أكثر من 200 كيلومتر خلال يومين عبر صحراء مجهولة إلى حد بعيد، قبل الاشتباك مع الحرس الجمهوري العراقي في معركة "73 باتجاه الشرق" الحاسمة في 26 فبراير. إن اسم المعركة يعطي فكرة عن مدى اعتماد التحالف على وسائل الملاحة المتقدمة لمجرد الوصول إلى العدو.

التشويش على النظام

حصلت قوات التحالف أيضًا على لمحة حول أكبر نقطة ضعف لنظام تحديد المواقع GPS في أثناء حرب الخليج. فقد وضعت القوات المسلحة العراقية أجهزة تشويش فوق بعض المعالم الأرضية، مثل قصور صدام حسين، من أجل حمايتها من القصف، كما يذكر ماستلر.

وكما أضاف ماستلر، فقد أدرك العسكريون مبكرًا ضرورة مواصلة تطوير الذخائر الموجهة بالليزر، وغيرها من الأسلحة التي لا تتطلب إصابتُها أهدافَها وجودَ نظام GPS. ويعطل التشويش قدرة جهاز الاستقبال على التقاط البيانات من الأقمار الاصطناعية، عن طريق إضافة المزيد من الضوضاء إلى الإشارة المرسَلة، والعبث بنسبة الإشارة إلى الضجيج ليس صعبًا، بسبب الضعف الشديد لإشارات GPS عمومًا عند وصولها إلى الأرض. إن قوة تلك الإشارات تقارَن بمقدار الضوء الذي يُصدره مصباح قدرته 25 واط من مسافة 20 ألف كيلومتر.

غير أنه من الممكن مكافحة التشويش إلى حد ما بزيادة قوة الإشارة، وباستعمال هوائيات تميِّز على نحو أفضل بين الإشارة والضجيج. لكن البنتاجون يُدرك في الوقت نفسه مخاطر الاعتماد الشديد على نظام تحديد المواقع GPS القائم على الأقمار الاصطناعية. لذا تعمل وكالة مشاريع بحوث الدفاع المتقدمة (داربا) -التي ساعدت على تصغير أجهزة استقبال الـGPS في ثمانينيات القرن العشرين، وطورت طرائق لإضافة توجيه الـGPS إلى الذخائر- على الاستثمار في أنواع جديدة من أجهزة الاستشعار ذاتية المعايرة، التي يمكن أن تستمر في تتبع موقع جهاز الاستقبال بدقة، عندما تكون خدمة الأقمار الاصطناعية غير متاحة. ويتضمن ذلك برنامجًا لتطوير ساعات ذرية عالية الاستقرار بتكلفة 50 مليون دولار، بغية إنتاج ساعات ذرية محمولة في حجم الهاتف المحمول تعمل ببطارية. والهدف هو جعل الجيل القادم من الساعات أكثر استقرارًا بألف مرة من النماذج الحالية، من أجل الحفاظ بدقة على معلومات الزمن والملاحة في أجهزة الاستقبال، حتى عندما ينقطع الاتصال مع الأقمار الاصطناعية.

إذا أثمرت رؤية وكالة مشاريع بحوث الدفاع المتقدمة (داربا)، فقد يصبح من الممكن يومًا ما تزويد الوحدات العسكرية بكل من الساعات الذرية وأجهزة استقبال نظام تحديد المواقع GPS لمساعدتها على تحديد طريقها في المناطق المعادية.